في مشهد يلخص انهيار البيئة التعليمية ومحاولة إنقاذ ما تبقى من العام الدراسي، جلس طلبة فلسطينيون في مقاهٍ ومخيمات نزوح ومساحات عامة مزودة بالإنترنت في قطاع غزة، السبت 20 حزيران/يونيو 2026، لأداء امتحان شهادة التعليم الثانوي العام “التوجيهي” إلكترونيًا، بعد أن حوّلت الحرب معظم المدارس إلى مبانٍ مدمرة أو مراكز إيواء أو أماكن غير صالحة للتعليم.
وبين هاتف محمول يحتاج إلى شحن دائم، وشبكة إنترنت قد تنقطع في أي لحظة، وخيمة لا توفر هدوءًا ولا خصوصية، بدأ 37,698 طالبًا وطالبة في قطاع غزة امتحاناتهم عبر نظام إلكتروني، في تجربة استثنائية فرضتها الحرب وانقطاع التعليم الوجاهي للعام الثالث على التوالي. وفي الوقت نفسه، توجه 51,499 طالبًا في الضفة الغربية إلى قاعات الامتحان بالطريقة الاعتيادية، فيما تقدم 1,941 من طلبة غزة الموجودين خارج فلسطين للامتحانات من 46 دولة.
لا يشبه يوم التوجيهي في غزة أي يوم امتحاني مألوف. فالطالب لا يبحث فقط عن إجابة صحيحة، بل عن إشارة إنترنت ثابتة، وعن مصدر كهرباء يشحن هاتفه أو جهازه، وعن مكان أقل ضجيجًا وأبعد عن القصف وإطلاق النار. وفي هذا الواقع، لم تعد رهبة الامتحان مرتبطة بصعوبة الأسئلة وحدها، بل بالخوف من أن يضيع جهد عام كامل بسبب خلل تقني أو انقطاع مفاجئ في الاتصال.
الطالبة بيلسان لقان، التي تعيش في خيمة جنوب غرب مواصي خان يونس، أمضت الساعات السابقة للامتحان في تفقد هاتفها ومصادر الطاقة البديلة وشبكة الإنترنت. تقول إن الحرب لم تدمّر المدرسة فقط، بل دمّرت شكل الحياة الذي يسمح للطالب بأن يتعلم بهدوء. فالاكتظاظ، وانتشار الحشرات والقوارض، وإطلاق النار المتكرر من الزوارق الحربية، كلها تفاصيل يومية تجعل التركيز مهمة شاقة قبل أن يبدأ الامتحان أصلًا.
وتخشى لقان، كما يخشى آلاف الطلبة، أن يتحول الانقطاع التقني إلى عقوبة تعليمية غير عادلة. فالطالب الذي درس في ظروف النزوح والجوع والحرارة وانعدام الخصوصية قد يجد نفسه أمام خسارة علامات أو رسوب في مادة بسبب ضعف الإنترنت أو نفاد شحن الهاتف، لا بسبب ضعف التحصيل أو الإهمال.
أما الطالب محمود الفرا، فيرى أن الطلبة في غزة باتوا يعتمدون إلى حد كبير على جهودهم الفردية وعلى مساعدة عائلاتهم، بعد انقطاعهم عن الفصول الدراسية النظامية وتضرر أغلب المرافق التعليمية. ويقول إن الخوف الأكبر لا يأتي من مضمون الورقة الامتحانية، بل من احتمال حدوث خلل لا يستطيع الطالب السيطرة عليه: انقطاع في الشبكة، نفاد في الطاقة، أو تعطل في الجهاز المستخدم.
وتتكرر القصة ذاتها مع الطالبة فرح مصطفى، التي تعرضت لوعكة صحية أثناء محاولتها الوصول إلى مقهى إنترنت للدراسة وتقديم الامتحان. فهي تسكن في وسط خان يونس قرب مناطق خطرة، وتضطر إلى السير مسافات طويلة للوصول إلى مكان تتوفر فيه الكهرباء والاتصال. تقول إن الذهاب إلى مقاهي الإنترنت لم يعد خيارًا، بل ضرورة قاسية، حتى لو كان الثمن تعبًا أو مرضًا أو خطرًا أمنيًا.
في خلفية هذه المشاهد، يقف واقع تعليمي شديد القسوة. فغزة فقدت خلال الحرب آلاف الطلبة من المدارس والجامعات، وتضررت أو دُمرت معظم المنشآت التعليمية، فيما تحولت بعض المدارس الباقية إلى خيام أو مراكز مؤقتة لا تكفي لاستيعاب الأعداد الكبيرة. وتقول مديرة مدرسة الأحمد، مي الفرا، إن محاولات فتح مساحات تعليمية وجاهية جرت بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ومنظمات دولية للتخفيف عن الطلبة، لكنها تبقى محدودة أمام حجم الحاجة والخطر اليومي.
وتشير الفرا إلى أن عقد امتحانات التوجيهي وجاهيًا كان هدفًا تسعى إليه الطواقم التعليمية، لكنه اصطدم بواقع أمني ولوجستي بالغ الصعوبة. ففي إحدى الحوادث، تعرضت مدرسة مكونة من خيام لإطلاق نار مباشر أثناء وجود الطالبات، ما أدى إلى إصابة إحداهن، وهو ما يعكس حجم المخاطر التي ترافق مجرد محاولة العودة إلى التعليم.
وتؤكد وزارة التربية والتعليم أن امتحانات طلبة غزة تُعقد إلكترونيًا بالكامل عبر برمجية “وايز سكول”، على أن يجري استكمال ما يمكن استكماله لاحقًا داخل قاعات امتحانية وجاهية إذا توفرت الجاهزية الفنية واللوجستية. أما في الضفة الغربية، فتُعقد الامتحانات بالطريقة الاعتيادية، باستثناء امتحان التربية الدينية المقرر في 4 تموز/يوليو، الذي سيُعقد إلكترونيًا داخل القاعات الامتحانية.
ويتوزع طلبة الثانوية العامة لهذا العام على الفروع المختلفة، بينهم 55,751 طالبًا في الفرع الأدبي، و25,349 في الفرع العلمي، إضافة إلى طلبة الفروع الشرعية والمهنية والريادة والأعمال والكفاءة المهنية. كما تشمل الامتحانات 65 معتقلًا في سجون الاحتلال، وفق ما أعلنته وزارة التربية والتعليم.
وبينما تحاول الوزارة إنقاذ الاستحقاق الوطني الأهم في المسار المدرسي الفلسطيني، تبدو امتحانات غزة أكثر من مجرد اختبار تحصيلي. إنها اختبار لقدرة مجتمع كامل على حماية حق أبنائه في التعليم، حتى حين تغيب المدرسة، وينقطع التيار، ويصبح المقعد الدراسي طاولة مقهى، أو بساطًا في خيمة، أو زاوية ضيقة قرب جهاز شحن.
في غزة، لم يعد التوجيهي يومًا ينتظر فيه الطلبة النتيجة فقط، بل صار مواجهة مفتوحة مع الحرب نفسها. فكل طالب يضغط زر “إرسال الإجابة” يرسل معه رسالة أوسع: أن التعليم لم يسقط بالكامل، وأن الحلم بالجامعة والمستقبل لا يزال قائمًا، ولو عبر شاشة هاتف مضاءة وسط العتمة.



طلاب فلسطينيون يؤدون امتحان شهادة التعليم الثانوي العام الإلكتروني “التوجيهي” داخل مقهى في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 20 حزيران/يونيو 2026.
صورة: طارق محمد




في مخيم البريج وسط قطاع غزة، يجلس طلبة فلسطينيون أمام هواتفهم وأجهزتهم لأداء امتحانات “التوجيهي” إلكترونيًا.
صورة: معز صالحي




طلاب فلسطينيون نازحون يؤدون امتحان الثانوية العامة الإلكتروني داخل مخيم مزود بخدمة الإنترنت في مدينة غزة.
صورة: بلال أسامة.





طلبة فلسطينيون يؤدون امتحان “التوجيهي” في قاعة امتحانية بقطاع غزة، رغم الأزمة الإنسانية وانقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى بيئة تعليمية مستقرة.
صورة: حسن الجيدي.

دانا محمد أبو دلفة، طالبة فلسطينية في المرحلة الثانوية، تراجع دروسها على ضوء هاتف محمول داخل خيمة للنازحين في قطاع غزة.
صورة: حسن الجيدي.
