أثار إعلان «مجلس السلام» أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» لن يكون لها مكان في ما سمّاه «غزة الجديدة» موجة رفض فلسطينية وعربية، وفتح نقاشاً واسعاً حول ما إذا كانت إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع تتحول من مشروع إعادة إعمار وحوكمة مؤقتة إلى محاولة لإعادة تعريف قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج الإطار الأممي.
وقال المجلس، في منشور على منصة «إكس»، إن «لا مكان للأونروا في غزة الجديدة»، مضيفاً أنه يريد «طي صفحة الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع»، في خطاب قدّمه بوصفه رؤية لبناء مستقبل مختلف لسكان القطاع. غير أن العبارة بدت، في نظر معارضين فلسطينيين وعرب، أقرب إلى إعلان سياسي يستهدف الوكالة الأممية ودورها القانوني والإنساني، لا مجرد دعوة لتقليل الاعتماد على الإغاثة.
وجاء الموقف الجديد متزامناً مع تصاعد الضغط الأميركي والإسرائيلي على الأونروا، ومع دعوة الممثل الأميركي لشؤون إدارة وإصلاح الأمم المتحدة، جيف بارتوس، الدول إلى الاختيار بين تمويل الأونروا أو تمويل «مجلس السلام»، في طرحٍ يضع وكالة أممية تأسست بقرار دولي في مواجهة هيئة سياسية انتقالية تقودها الرؤية الأميركية لإدارة غزة بعد الحرب.
وتكتسب التصريحات حساسية إضافية لأن «مجلس السلام» ليس مجرد منصة سياسية عابرة، بل أحد مكونات الخطة الأميركية لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة. فقد اعتمد مجلس الأمن القرار 2803 في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مؤيداً «الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة»، ومشيراً إلى «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار الدولية» ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.

وفي الأيام الأخيرة، عقدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» اجتماعات في قبرص مع خبراء ومستشارين من مجلس السلام، ومكتب الممثل الأعلى لغزة، ومعهد توني بلير، قالت إنها ركزت على إعادة الإعمار والأمن والحوكمة وآليات الشفافية والمساءلة أمام المانحين. لكن هذه الاجتماعات، بدلاً من طمأنة المنتقدين، زادت المخاوف من أن يجري بناء هندسة إدارية جديدة في القطاع من خارج الإجماع الفلسطيني، وبالتوازي مع تقليص دور مؤسسات الأمم المتحدة.
وردّت جامعة الدول العربية بلهجة حادة، معتبرة أن الحديث عن إنهاء دور الأونروا «يفتقر إلى أي أساس قانوني أو إنساني»، ويمثل استهدافاً مباشراً للحقوق التاريخية والقانونية للاجئين الفلسطينيين. وشددت الجامعة على أن الأونروا أنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، وأن ولايتها تُجدد دورياً بقرار من الجمعية العامة، ولا يجوز إنهاء دورها أو الانتقاص من صلاحياتها عبر تصريحات أو ترتيبات سياسية أحادية.
أما وزارة الخارجية الفلسطينية فوصفت الأونروا بأنها «شريان حياة» و«عامل استقرار» و«غير قابلة للاستبدال»، رافضة في الوقت نفسه مصطلحات مثل «غزة الجديدة» و«شعب غزة»، لأنها، بحسب موقفها، تفصل القطاع عن سياقه الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني الأوسع، وتتعامل مع مأساة غزة كملف إداري منفصل لا كجزء من قضية وطنية وسياسية ممتدة.
وتأتي هذه المعركة في لحظة مالية حرجة بالنسبة للأونروا. فقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في مؤتمر للمانحين، من أن الوكالة تواجه عجزاً نقدياً قدره 100 مليون دولار لعام 2026، وأنها باتت قريبة من «نقطة الانهيار» بعد إجراءات تقشف شملت خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20% وخفضاً مقابلاً في رواتب كثير من الموظفين الفلسطينيين.
وتقول الأونروا إن نحو 1.7 مليون شخص في غزة يعتمدون على خدماتها، فيما يواصل نحو 11 ألف موظف العمل داخل القطاع في مجالات الصحة والإغاثة والمياه والتعليم والدعم النفسي. ووفق بيانات الوكالة، يقدم أكثر من 1300 عامل صحي نحو 80 ألف استشارة طبية أسبوعياً، بينما يستفيد أكثر من مليون شخص من خدمات المياه والتحلية وإدارة النفايات.
لهذا، لا تبدو المسألة مجرد خلاف على جهة توزيع المساعدات. فالأونروا، في الوعي الفلسطيني والعربي، ليست مؤسسة إغاثية فقط، بل شاهد قانوني وسياسي على قضية اللاجئين إلى حين إيجاد حل عادل ودائم لها. ومن هنا، فإن استبدالها أو تهميشها قد يُقرأ فلسطينياً باعتباره خطوة نحو تفريغ قضية اللاجئين من مضمونها، خصوصاً في ظل استمرار النزوح والدمار وانعدام شروط العودة الآمنة داخل غزة نفسها.
وتزداد المخاوف الإنسانية مع استمرار تقلص المساحات المتاحة للمدنيين في القطاع. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن معظم غزة باتت إما خارج نطاق وصول الفلسطينيين أو مقيدة بشدة أمام عمال الإغاثة، وأن «الخط الأصفر» ومناطق التقييد الإسرائيلية يدفعان السكان إلى مساحات أكثر ازدحاماً. كما وثق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقتل 196 فلسطينياً، بينهم 18 امرأة و43 طفلاً، في هجمات قرب «الخط الأصفر» بين 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وبداية نيسان/أبريل 2026.
وتحاول رؤية «مجلس السلام» تقديم نفسها باعتبارها انتقالاً من الإغاثة إلى التنمية، ومن إدارة الأزمة إلى بناء نموذج اقتصادي جديد. غير أن المنتقدين يرون أن أي حديث عن التنمية في ظل الاحتلال والقيود العسكرية والحصار وانعدام السيادة قد يتحول إلى غطاء لتقليص الحقوق، لا إلى مسار حقيقي للنهوض. فالمشكلة، وفق هذا النقد، ليست في اعتماد الفلسطينيين على المساعدات، بل في الظروف السياسية والعسكرية التي جعلت الإغاثة ضرورة يومية للبقاء.
وبينما يروّج المجلس لفكرة أن سكان غزة «يستحقون أفضل» من نموذج الإغاثة الدائمة، يرى خصومه أن الطريق إلى الأفضل لا يمر عبر إقصاء الأونروا أو كسر ولايتها الأممية، بل عبر وقف الحرب والحصار، وضمان حرية الحركة، وتمكين المؤسسات الفلسطينية، وحماية حق اللاجئين في العودة والتعويض وفق قرارات الأمم المتحدة.
وهكذا، يتحول شعار «غزة الجديدة» إلى سؤال مفتوح: هل المقصود إعادة إعمار القطاع وتمكين سكانه، أم إعادة تشكيله سياسياً وقانونياً على نحو يفصل الإنسان عن حقه، والاحتياج الإنساني عن سببه السياسي؟ وبينما تبحث العواصم واللجان الانتقالية عن ترتيبات الحكم والتمويل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في غزة: من يملك حق رسم المستقبل، سكان القطاع والمرجعية الفلسطينية والقانون الدولي، أم هيئات انتقالية تحاول أن تبدأ من شطب الشاهد الأممي الأبرز على قضية اللاجئين؟
