خطة "اليوم التالي" في غزة بين دفع أمريكي وترتيبات مصرية وخلافات مستمرة حول السلاح والإدارة
كشفت تقارير إسرائيلية، يوم الجمعة 03 يوليو/تموز 2026، عن اجتماعات سياسية وأمنية عقدها "مجلس السلام لغزة" مطلع الأسبوع الجاري في قبرص، لبحث ترتيبات المرحلة المقبلة في قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار مباحثات في القاهرة بين وفد قيادي من حركة حماس والوسطاء بشأن تطوير اتفاق وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية منه.
وبحسب قناة "إسرائيل 24"، عقد مجلس السلام سلسلة اجتماعات في قبرص الرومية، شارك فيها مستشارو المجلس، وأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والممثل الأعلى للمجلس في القطاع نيكولاي ملادينوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وذلك بهدف بلورة خطة شاملة لما يعرف بمرحلة "اليوم التالي" في غزة.
وذكرت القناة أن الاجتماعات بحثت للمرة الأولى جداول زمنية محددة، وترتيبات أمنية، وعدد الفلسطينيين المتوقع انتقالهم إلى مناطق جديدة داخل القطاع، إضافة إلى شكل الإدارة المدنية المستقبلية. ونقلت عن مصادر مطلعة أن المشاركين اتفقوا على المضي قدمًا في تنفيذ الخطة، حتى في حال عدم نزع سلاح حركة حماس في المستقبل القريب.
وتأتي هذه التطورات بعد تقارير عبرية أفادت بأن الولايات المتحدة سلمت إسرائيل وثيقة تتضمن مطالب تتعلق بقطاع غزة، بينها المضي في إعادة الإعمار التدريجي حتى دون نزع سلاح حماس، وهو ما اعتبرته وسائل إعلام إسرائيلية تنازلًا أمريكيًا عن شرط كان يُطرح سابقًا بوصفه مدخلًا أساسيًا لأي ترتيبات دائمة.
ووفق التقارير، من المتوقع أن تستغرق أعمال تجهيز الأراضي والبنية التحتية بين ثلاثة وستة أشهر، تمهيدًا لانتقال مجموعات من سكان غزة إلى مناطق داخل ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء"، وهي المناطق التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي داخل القطاع. وتقول تقديرات إسرائيلية إن هذه المنطقة تشكل نحو 70 بالمئة من مساحة غزة.
وأشارت قناة "إسرائيل 24" إلى أن منطقة تل السلطان غربي رفح قد تكون أولى المناطق التي يجري تطويرها، مع إمكانية نقل عشرات الآلاف من السكان إليها في المرحلة الأولى، على أن تتوسع لاحقًا المجمعات السكنية المؤقتة لاستيعاب مئات الآلاف. وبحسب القناة، لا تتضمن الخطة في هذه المرحلة إعادة إعمار دائمة بمواد بناء ثقيلة، ما دام ملف سلاح حماس دون تسوية، بل إنشاء وحدات سكنية مؤقتة، إلى جانب مدارس ومرافق صحية وفرص عمل.
وفي الجانب الأمني، أفادت القناة بأن الأمن الداخلي في المناطق الجديدة سيوكل إلى قوة شرطة فلسطينية يجري تدريبها في مصر، إلى جانب قوة استقرار دولية يتوقع نشرها خلال الأشهر المقبلة. وذكرت أن الجيش الإسرائيلي سيواصل السيطرة على ما وصفته بـ"الغلاف الأمني الخارجي"، على أن ينسحب من المناطق التي سيقيم فيها المدنيون.
ورغم ذلك، لا تزال عدة ملفات عالقة، أبرزها آليات اختيار السكان الذين سينتقلون إلى المناطق الجديدة، وطبيعة التركيبة السكانية لهذه المناطق، والإجراءات الأمنية التي ستمنع حماس من التأثير في مسار الانتقال، إضافة إلى حدود صلاحيات اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
ونقلت القناة عن مصادر مطلعة أن قرار المضي في المشروع دون انتظار نزع سلاح حماس يرتبط بضغوط دولية متزايدة لتحسين الوضع الإنساني في القطاع، ورغبة أمريكية في خلق وقائع ميدانية تمهد لبناء بديل مدني وإداري في غزة. كما نقلت عن مصدر إسرائيلي قوله إن تل أبيب ترى مصلحة استراتيجية في إخراج المدنيين من المناطق الخاضعة لسيطرة حماس، بما قد يتيح لاحقًا خيارات عسكرية أوسع في حال استمرار الخلاف بشأن السلاح.
في المقابل، يواصل وفد قيادي من حركة حماس لقاءاته في القاهرة مع الوسطاء، في إطار بحث تنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والتوصل إلى مقاربات بشأن المرحلة الثانية. وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن اللقاءات شهدت تحركًا باتجاه إيجاد صيغ تساعد على تنفيذ الاتفاق، مشددًا على أن الأولوية تتمثل في وقف الانتهاكات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات، وتفعيل دور اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وبحسب مصدر مطلع في أحد فصائل المقاومة، فقد سلمت حماس، باسم الفصائل المشاركة في المشاورات، ردًا مكتوبًا على خطة نيكولاي ملادينوف، يتضمن موافقة مبدئية مع ملاحظات اعتبرتها ضرورية للتنفيذ. وشملت الملاحظات ملف موظفي غزة المدنيين والعاملين في جهاز الشرطة، وضرورة استيعابهم ضمن الترتيبات الجديدة، إلى جانب معالجة مستحقاتهم المالية المتراكمة.
أما بشأن ملف السلاح، فأفاد المصدر بأن الرد تحدث عن صيغة تقوم على "تخزين وجمع وحصر" السلاح، دون استخدام مصطلحات مرتبطة بنزعه أو تفكيك كامل البنى العسكرية، على أن تتم العملية وفق بروتوكول تشرف عليه هيئة فلسطينية مرتبطة باللجنة الوطنية لإدارة غزة، وبالتزامن مع الانسحابات الإسرائيلية ووجود ضمانات من قوات الاستقرار الدولية.
كما طالب الرد، وفق المصدر ذاته، بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع بشكل عاجل لتسلم الملفات الإدارية والخدمية، مع التعهد بتسهيل عملها وإنجاح مهمتها خلال المرحلة الانتقالية.
في السياق نفسه، قال طاهر النونو، المستشار السياسي لرئيس المكتب السياسي لحماس، إن جولة القاهرة تركز على وقف ما وصفه بالانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة، وضمان إدخال احتياجات القطاع، بما في ذلك مواد ترميم المستشفيات والمخابز والبنية التحتية، إلى جانب بحث خارطة الطريق التي أعدها ملادينوف بالتعاون مع الوسطاء، وصولًا إلى دخول اللجنة الإدارية وقوات الحماية الدولية والانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع.
وبالتوازي، كشفت هيئة البث الإسرائيلية "كان" أن مصر أعادت طرح مبادرة تقضي بأن تسلم حماس أسلحتها إلى القاهرة على شكل "وديعة"، بدلًا من نزع سلاح كامل ومباشر. ووفق التقرير، تسعى مصر من خلال هذه الصيغة إلى تجاوز إحدى أبرز العقبات في المفاوضات، عبر ترتيب يتيح حفظ السلاح كأمانة لديها ضمن تفاهمات أوسع لإنهاء الحرب والانتقال إلى مرحلة سياسية وأمنية جديدة.
غير أن التقارير الإسرائيلية تشير إلى أن حماس لم تبد حتى الآن مرونة كافية في هذا الملف، فيما تتهمها مصادر إسرائيلية بالمماطلة وكسب الوقت. وذكرت قناة "إسرائيل 24" أن قيادات في الحركة عقدت محادثات مغلقة في تركيا وقطر، ناقشت خلالها خيار إطالة أمد المفاوضات إلى حين تغير المشهد السياسي في إسرائيل، وهو ما لم تؤكده الحركة رسميًا.
وتبقى هذه التحركات السياسية والأمنية مرهونة بمواقف الأطراف المعنية، لا سيما إسرائيل وحماس والولايات المتحدة ومصر، في ظل استمرار الخلافات حول السلاح، والانسحاب، ودور اللجنة الوطنية، وطبيعة القوة الدولية، ومعايير إعادة الإعمار وعودة السكان إلى مناطق جديدة داخل قطاع غزة.
