القاهرة تفكك عُقد المرحلة الثانية في غزة.. صفقة على السلاح والانسحاب وإدارة القطاع تصطدم بالشروط الإسرائيلية

يعيش فلسطينيون نازحون في خيام مؤقتة مكتظة على طول شاطئ مدينة غزة، قطاع غزة، في 9 يوليو/تموز 2026.صورة: بلال أسامة

مفاوضات «حاسمة» في القاهرة للعبور إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة.. وحلول مطروحة لعُقد السلاح والانسحاب والموظفين ضمن «خطة ملادينوف»

 تخوض حركة «حماس»، الخميس 9 تموز/يوليو 2026، جولة جديدة من المباحثات في العاصمة المصرية القاهرة مع الوسطاء، وسط وصف مصري للمفاوضات بأنها «حاسمة» في ما يتعلق بترتيبات الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بالتزامن مع تحركات لإيجاد مخارج لنقاط خلافية لا تزال عالقة، وفي مقدمتها ملفات السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، وموظفي القطاع.

ويترأس وفد «حماس» رئيس الحركة في قطاع غزة خليل الحية، في جولة تأتي بعد مشاورات داخلية أجرتها قيادة الحركة واتصالات مع فصائل فلسطينية شريكة، وفي أعقاب عودة الوفد إلى القاهرة بعد مغادرتها بيومين، على وقع تطمينات، وفق مصادر مطلعة، بإمكانية إحراز تقدم في عدد من النقاط الواردة ضمن مقترحات قدمها الممثل السامي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف.

وبحسب مصدر مصري مطلع، بدأت «حماس» جولة مباحثات وصفها بـ«الحاسمة» مع الجانب المصري بشأن ترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بغزة، في وقت تتكثف فيه اتصالات الوسطاء مع مختلف الأطراف المعنية.

وقال المصدر إن المباحثات تتناول ترتيبات نقل إدارة قطاع غزة إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تشمل، وفق الطروحات المتداولة، انسحابًا إسرائيليًا أوسع من القطاع، وترتيبات أمنية وإدارية جديدة، وبدء مسار إعادة الإعمار.

مقترحات تتجاوز صيغة «نزع السلاح»

ووفق المصدر المصري، تتناول المفاوضات مقاربة بشأن سلاح «حماس» تقوم على التخلي عن مطلب النزع الكامل والفوري للسلاح، مقابل صيغة تقضي بتخزينه لدى طرف فلسطيني، يتمثل في اللجنة الوطنية التي يُفترض أن تتولى إدارة القطاع.

وأشار المصدر إلى أن «حماس» أبدت استعدادًا لتسهيل مهمة قوات حفظ السلام واللجنة الوطنية في غزة، في إطار ترتيبات المرحلة المقبلة.

وفي السياق ذاته، أفادت مصادر فلسطينية مشاركة في مسار المباحثات بأن الفصائل قدمت صيغة تقوم على «حصر وجمع وتخزين السلاح»، تبدأ بالسلاح الثقيل في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وفق آلية تشرف عليها اللجنة الوطنية لإدارة غزة، من دون أن تشمل، في المرحلة الحالية، السلاح الخفيف في المناطق البعيدة عن الوجود الإسرائيلي.

وبحسب المصادر، حظيت هذه الصيغة بقبول لدى الوسطاء وملادينوف، إلا أن إسرائيل تمسكت، خلال جولات سابقة، بمطلب «نزع السلاح» وتسليم الأنفاق ومخازن الأسلحة وتفكيك البنى العسكرية للفصائل، وهي مطالب رفضتها قوى فلسطينية مشاركة في المباحثات.

تقدم في سبع نقاط وخلافات حول ثلاث عقد رئيسية

وقال مصدر مطلع في «حماس» إن اللقاءات السابقة أفضت، بجهود الوسطاء، إلى تفاهم مبدئي بشأن سبع نقاط وردت في الورقة المطروحة، فيما تلقى الوفد وعودًا بالعمل على حلول لثلاث أو أربع نقاط إضافية.

وأوضح أن أبرز الخلافات التي لا تزال مطروحة تتمحور حول ثلاثة ملفات رئيسية هي: السلاح، والموظفون، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

وبحسب المصدر، فإن وفد الحركة عاد إلى القاهرة بعد تلقيه مؤشرات على إمكانية إحراز تقدم في الجولة الحالية، مضيفًا أن الوسطاء نقلوا ردود «حماس» الجديدة وشرعوا في اتصالات مع الجانب الإسرائيلي.

وأكد أن الحركة والفصائل الشريكة مستعدة للتوقيع على اتفاق يتيح الانتقال إلى المرحلة الثانية، لكنها تتهم إسرائيل بتعطيل المسار والإبقاء على الوضع الحالي بما يسمح باستمرار العمليات العسكرية والحصار.

وقال المصدر إن جلسة سابقة مع ملادينوف شهدت تفاهمًا على مجموعة من البنود، قبل نقل المقترحات إلى إسرائيل، التي قدمت، وفق روايته، ورقة جديدة اعتبرتها فصائل المقاومة غير مقبولة.

«حماس» تطالب باستكمال المرحلة الأولى قبل القفز إلى الثانية

وتتمسك «حماس»، بحسب مصادرها، بضرورة استكمال التزامات المرحلة الأولى قبل بدء تنفيذ المرحلة الثانية، وفي مقدمتها وقف الهجمات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات الإنسانية وفق البروتوكولات المتفق عليها، وتنفيذ ترتيبات الانسحاب.

وقال مصدر في الحركة إن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن وقفًا كاملًا للهجمات والأعمال العدائية ضد قطاع غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود «الخط الأصفر» السابقة للتوسع الأخير، إلى جانب إدخال المساعدات الإنسانية بالكميات المتفق عليها.

وتطالب الحركة، وفق المصدر، بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا، استنادًا إلى ما تقول إنه البروتوكول الإنساني الملحق باتفاق المرحلة الأولى.

وشدد المصدر على أن الانتقال إلى مرحلة جديدة لا يمكن أن يتم، من وجهة نظر الحركة، من دون استكمال الالتزامات السابقة، متهمًا إسرائيل بالتراجع عن بنود مرتبطة بملف الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية في قطاع غزة.

ملف الموظفين يعود إلى واجهة الخلاف

ويشكل مصير العاملين في الجهاز الحكومي في غزة إحدى نقاط النزاع الأساسية في المفاوضات، إذ تقول «حماس» إن التفاهمات السابقة تضمنت استمرار عمل الموظفين، مع إحالة بعضهم إلى التقاعد ضمن برنامج يحفظ حقوقهم الوظيفية.

وبحسب مصادر الحركة، فإن إسرائيل رفضت لاحقًا بقاء قطاعات من الموظفين، وهو ما اعتبرته «حماس» تراجعًا عن تفاهمات سابقة.

وتسعى الحركة خلال المباحثات الحالية إلى تثبيت آلية انتقال إداري تسمح للجنة الوطنية بتسلم مهامها من دون إحداث فراغ مؤسسي أو المساس بحقوق الموظفين.

مقترح «منطقة عازلة تجريبية» في رفح

وفي مسار موازٍ، كشف المصدر المصري أن الوسطاء تسلموا اقتراحًا من «مجلس السلام» يتعلق بإقامة ما وصفها بـ«منطقة عازلة تجريبية» في جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في مدينة رفح.

وبحسب المقترح، يمكن للمنطقة أن تستوعب عشرات الآلاف من المواطنين بعد إخضاعهم لإجراءات فحص أمني بمعرفة اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

ولم تتضح بعد تفاصيل المقترح وآليات تنفيذه أو الموقف النهائي للأطراف منه، إلا أن طرحه يأتي ضمن حزمة أفكار يجري تداولها بشأن الترتيبات الأمنية والإدارية في المرحلة المقبلة.

وأشار المصدر المصري إلى وجود تنسيق بين الأطراف المعنية لتنفيذ خطة ترامب بشأن غزة.

حل لجنة الطوارئ الحكومية يمهد لتسليم إدارة غزة

وتأتي الجولة الجديدة غداة إعلان «حماس» حل لجنة الطوارئ الحكومية التي تولت إدارة شؤون قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في خطوة قالت الحركة إنها تمهد لنقل الملفات الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

وكانت اللجنة الوطنية قد تأسست في يناير/كانون الثاني 2026 بوصفها هيئة انتقالية تضم 15 شخصية فلسطينية مستقلة، لتولي الشؤون المدنية والخدمات اليومية والإشراف على مسار إعادة الإعمار إلى حين استكمال ترتيبات الإصلاح المؤسسي.

وقالت مصادر في «حماس» إن وفد الحركة سيطلب خلال اجتماعات القاهرة تسريع دخول اللجنة الوطنية إلى القطاع وبدء عملية تسلم المهام، بعد حل لجنة العمل الحكومي التي كانت تشرف على القطاعات الحكومية.

وأكد طاهر النونو، المستشار الإعلامي لرئيس حركة «حماس»، أن وفد الحركة برئاسة خليل الحية جاء لاستكمال المفاوضات واللقاء مع الوسطاء بهدف تثبيت وقف إطلاق النار والاتفاق على الانتقال إلى المرحلة الثانية.

وأشار إلى أن الحركة تشدد على زيادة المساعدات، واستكمال تطبيق المرحلة الأولى، وتسريع دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مؤكدًا أن الترتيبات الحكومية والوطنية داخل القطاع باتت جاهزة لتسهيل عملية الاستلام والتسليم.

مرحلة ثانية تشمل الانسحاب والإغاثة والإعمار

ويسري اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وشملت مرحلته الأولى تبادل الأسرى والمحتجزين، ودخول مساعدات إنسانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من بعض مناطق القطاع.

وأعلنت الولايات المتحدة، في يناير/كانون الثاني الماضي، بدء المرحلة الثانية من الخطة، التي تتضمن، وفق التصورات المعلنة، ترتيبات للانسحاب العسكري الإسرائيلي، ومعالجة ملف سلاح «حماس»، وإطلاق عمليات إعادة الإعمار، وإنشاء هيئة حكم انتقالية في القطاع.

لكن الانتقال الفعلي إلى هذه المرحلة ظل متعثرًا بسبب خلافات جوهرية بين الأطراف حول طبيعة الانسحاب، وآليات التعامل مع السلاح، ومستقبل البنية الأمنية للفصائل، وإدارة القطاع، وحقوق الموظفين.

وتقول مصادر فلسطينية إن إسرائيل لا تزال تسيطر على أكثر من 70 في المئة من مساحة قطاع غزة، بينما تطالب «حماس» بانسحاب ينسجم مع التصورات الواردة في الاتفاق، وبدء عمليات إغاثة واسعة بإشراف اللجنة الوطنية.

«لا ربط بين الإعمار والسلاح»

كما تطالب «حماس»، وفق مصادرها، بعدم ربط إعادة إعمار غزة أو إدخال المساعدات الإنسانية بملف سلاح الفصائل.

وخلال الجولات السابقة، شددت الحركة على ضرورة ضمان مسار مستقل للإغاثة والإعمار، بالتوازي مع جدول واضح للانسحاب الإسرائيلي، معتبرة أن ربط الاحتياجات الإنسانية للسكان بالترتيبات الأمنية من شأنه تعقيد التوصل إلى اتفاق.

في المقابل، تقول المصادر الفلسطينية إن إسرائيل تتمسك بشروط أوسع تشمل إنهاء البنية العسكرية للفصائل وتفكيك الأنفاق ومخازن السلاح، وهي شروط لا تزال تمثل إحدى أكبر العقبات أمام التوصل إلى تفاهم نهائي.

القاهرة أمام اختبار اختراق العقد الأخيرة

وتضع الجولة الحالية الوسطاء أمام محاولة جديدة لتقليص الفجوات بين الطرفين، بعد أن نجحت الاتصالات السابقة، وفق مصادر مشاركة، في تقريب المواقف بشأن عدد من البنود، بينما بقيت القضايا الأكثر حساسية من دون حسم.

وقال الناطق باسم «حماس» حازم قاسم إن الحركة تعاملت «بإيجابية ومسؤولية» خلال جولات المفاوضات الأخيرة، وتسعى إلى التوصل إلى مقاربات بشأن القضايا الخلافية بما يفضي إلى وقف الحرب، وتوسيع الإغاثة، وبدء إعادة إعمار قطاع غزة.

وأكد قاسم تمسك الحركة بمسار تسليم ملفات إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية، داعيًا إلى تسريع دخولها إلى غزة لبدء مهامها.

ومع استئناف الاجتماعات في القاهرة، تبدو المفاوضات أمام اختبار بالغ الحساسية: فإما أن تنجح الوساطة في تحويل التفاهمات الجزئية إلى صيغة متكاملة تفتح الباب أمام المرحلة الثانية، أو تبقى ملفات السلاح والانسحاب والموظفين عُقدًا تعيد المسار إلى دائرة التعثر، في وقت تتواصل فيه الضغوط الإنسانية والميدانية داخل قطاع غزة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة – القاهرة (القدس العربي) (شينخوا)