ما وراء لقاء القاهرة العسكري؟ ضباط إسرائيليون كبار و«وديعة السلاح» في قلب معركة المرحلة الثانية بغزة

كشفت تقارير عبرية حديثة تفاصيل جديدة بشأن الاجتماع المصري - الإسرائيلي الذي انعقد في القاهرة خلال اليومين الماضيين، في توقيت بالغ الحساسية تتكثف فيه الاتصالات بشأن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط خلافات حادة حول الانتقال إلى المرحلة التالية، ومصير سلاح الفصائل الفلسطينية، وترتيبات الحكم وإعادة الإعمار.

وبحسب ما نشرته هيئة البث الإسرائيلية «كان 11» مساء الخميس 9 يوليو/تموز 2026، وصل إلى القاهرة وفد يضم ضباطاً كباراً في الجيش الإسرائيلي، وأجرى مباحثات مع مسؤولين كبار في الجيش المصري. ووصفت مصادر مطلعة الاجتماعات بأنها جزء من «حوار استراتيجي» بين الجيشين بشأن المصالح المشتركة للبلدين في المنطقة، مشيرة إلى أن اللقاءات جرت رغم ما وصفته القناة بالتوتر الذي خيّم على العلاقات بين القاهرة وتل أبيب خلال السنوات الأخيرة.

ولم تكشف «كان» أسماء الضباط والمسؤولين المشاركين، كما لم تعلن عن نتائج رسمية للاجتماعات، إلا أن توقيتها ومضمونها يضعانها مباشرة في سياق المساعي الرامية إلى تحريك الملف الغزي، وخصوصاً الانتقال إلى المرحلة التالية من الخطة الأميركية، في ظل استمرار الخلاف على قضية نزع سلاح حركة «حماس».

من «حوار استراتيجي» إلى عقدة السلاح

التفصيل الأبرز في الرواية العبرية يتمثل في ربط اللقاء العسكري مباشرة بالمحاولات الجارية لكسر الجمود في ملف غزة. فقد قالت «كان 11» إن إسرائيل تنظر إلى الدور المصري بوصفه أكثر تشدداً تجاه «حماس» مقارنة بالدورين القطري والتركي، وهي رواية إسرائيلية تعكس نظرة المؤسسة الأمنية في تل أبيب ولا تمثل موقفاً مصرياً معلناً.

وذهبت القناة أبعد من ذلك، حين أفادت بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تفضّل، وفق تقديرها، الوساطة المصرية على وساطة الأطراف الأخرى، وربطت ذلك بالمقترح الذي أعادت القاهرة طرحه أخيراً، والقاضي بتسليم سلاح «حماس» إلى مصر على سبيل «الوديعة» أو «الحفظ المؤقت»، بدلاً من صيغة التفكيك الفوري والكامل.

وكانت «كان» قد كشفت في 2 يوليو/تموز الجاري أن مسؤولين مصريين طرحوا مجدداً على وفد رفيع من «حماس» فكرة تسليم السلاح لمصر كوديعة، في محاولة لإيجاد مخرج من عقدة نزع السلاح ودفع المرحلة التالية إلى الأمام. ونقلت عن مصدر مصري مطلع قوله إن الحركة، حتى ذلك الوقت، لم تُبدِ مرونة كافية، فيما وصف سلوكها بأنه محاولة لكسب الوقت.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أورده مصدر مصري مطلع على ملف المفاوضات لـ«الشرق الأوسط»، إذ قال إن محادثات القاهرة تركز على الصيغ التي طُرحت خلال الأسابيع الأخيرة لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها سلاح الفصائل، وضمانات وقف إطلاق النار، وآليات الانتقال إلى الترتيبات الجديدة في القطاع.

وبحسب المصدر المصري، فإن القاهرة تتحرك لمنع انهيار المسار السياسي وعودة المواجهة العسكرية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الجمود إلى فتح الباب أمام عمليات إسرائيلية أوسع داخل غزة. وهذه المخاوف لا تقف منفصلة عن النقاش الجاري داخل إسرائيل؛ إذ سبق لـ«كان» أن أفادت في أبريل/نيسان بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بدأت إعداد خطط عملياتية لاحتمال العودة إلى القتال إذا رفضت «حماس» ترتيبات نزع السلاح.

هل تقترب العودة إلى الحرب؟

في تطور لافت، نشرت «القناة 12» الإسرائيلية مطلع يوليو/تموز تقديرات تفيد بأن «مجلس السلام» قد يعلن، خلال شهرين أو ثلاثة أشهر، أن «حماس» تخرق الاتفاق إذا لم يحدث تقدم في ملف نزع السلاح. ووفق التقرير، فإن إعلاناً من هذا النوع قد يوسّع هامش التحرك العسكري الإسرائيلي ويعيد القتال في غزة إلى الواجهة، وربما بحلول سبتمبر/أيلول.

ونقلت القناة عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن نيكولاي ملادينوف كان قد درس سابقاً إمكان إعلان «حماس» طرفاً منتهكاً للاتفاق، إلا أن القرار أُرجئ بناء على طلب الوسطاء لمنح مزيد من الوقت للمفاوضات. كما ربط التقرير احتمال عودة ملف غزة إلى الصدارة باقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، لكنه لم يثبت أن قراراً بالحرب اتُّخذ بالفعل لدوافع انتخابية.

وهنا تكتسب تحذيرات المصدر المصري أهمية إضافية. فالمصدر تحدث عن معلومات متزايدة بشأن احتمال لجوء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تصعيد عسكري، وربط ذلك بحساباته السياسية والانتخابية. غير أن هذه الجزئية تظل تقديراً منسوباً إلى المصدر المصري؛ أما المؤكد في الإعلام العبري فهو وجود نقاش فعلي بشأن احتمال العودة إلى القتال إذا فشلت ترتيبات المرحلة التالية ونزع السلاح.

خلاف أعمق: الإعمار أولاً أم نزع السلاح؟

وتكشف التطورات الأخيرة أن الخلاف لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بترتيب تنفيذ بنود المرحلة التالية.

ففي 5 يوليو/تموز، أعلن نتنياهو خلال اجتماع الحكومة أنه لن يسمح ببدء إعادة إعمار غزة قبل نزع السلاح وتفكيك القدرات العسكرية في القطاع. وجاء موقفه رداً على تقارير بشأن تحول في المقاربة الأميركية، إذ أكد أن إسرائيل لن تقبل بإعادة إعمار القطاع من دون «تفكيك وفك تسليح».

لكن «كان 11» كانت قد كشفت، قبل ذلك بأيام، عن وثيقة مطالب أميركية تضغط على إسرائيل للسماح ببدء مشاريع بنية تحتية وإجراءات لإعادة بناء مناطق محددة في غزة، حتى في غياب اتفاق كامل على نزع سلاح «حماس». وبحسب التقرير، تسعى واشنطن أيضاً إلى منع تجدد الحرب، ودفع ترتيبات الحكم التكنوقراطي والقوة الدولية إلى الأمام.

وهذا التباين بين الموقف الإسرائيلي المعلن والضغط الأميركي يمثل أحد أهم مفاتيح فهم اجتماع القاهرة: فإسرائيل تريد إبقاء نزع السلاح بوصفه المدخل الحاسم لأي تقدم، بينما تبحث القاهرة والوسطاء عن صيغ انتقالية تمنع انهيار وقف إطلاق النار، ومن بينها «إيداع» السلاح أو تخزينه تحت ترتيبات رقابية.

أربع قضايا على طاولة القاهرة

وتشير تقارير عبرية أخرى إلى أن المحادثات التي استضافتها القاهرة خلال الفترة الأخيرة دارت حول أربع قضايا مترابطة: بدء عمل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع، صيغة «تخزين السلاح»، مهام «مجلس السلام» وضمانات وقف إطلاق النار، والتنسيق المتعلق بقوة استقرار دولية محتملة.

وبذلك، لا يبدو اجتماع الضباط المصريين والإسرائيليين حدثاً بروتوكولياً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة اتصالات أوسع تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والأمنية والسياسية. وتزداد دلالة ذلك مع وجود اتصالات مصرية متوازية مع «حماس» والوسطاء الإقليميين، في محاولة لتقليص الفجوات قبل أن يتحول الجمود إلى ذريعة لتجدد العمليات العسكرية.

ووفق المصدر المصري المطلع، فإن القاهرة تتعامل مع المرحلة الراهنة بوصفها سباقاً مع الوقت، وتسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل، رغم التوترات القائمة. كما تتحرك بالتنسيق مع قطر وتركيا، مع احتمال تكثيف التواصل مع الجانب الأميركي، بهدف منع ظهور مسارات بديلة تقوض التفاهمات القائمة أو تعيد الملف إلى نقطة الصفر.

تفصيل لافت خارج قاعات التفاوض

وفي تفصيل غير معتاد، أفادت «كان 11» بأن الضباط الإسرائيليين شاهدوا، برفقة مضيفيهم المصريين، مباراة مصر والأرجنتين ضمن كأس العالم لكرة القدم. ورغم الطابع الجانبي لهذا التفصيل، فإن إدراجه في التقرير العبري يوحي بأن الزيارة لم تقتصر على جلسة أمنية خاطفة، بل تضمنت تواصلاً مباشراً وممتداً بين الوفدين خلال وجود البعثة الإسرائيلية في القاهرة.

اجتماع عسكري برسالة سياسية

في المحصلة، تكشف المعطيات المتقاطعة أن اجتماع القاهرة حمل ثلاثة أبعاد متزامنة: الأول عسكري - استراتيجي يتعلق بالتنسيق بين الجيشين؛ والثاني تفاوضي يرتبط بكسر عقدة المرحلة التالية في غزة؛ والثالث سياسي يتصل بمحاولة منع الانزلاق مجدداً إلى حرب واسعة.

والأهم أن الرواية العبرية تمنح مصر موقعاً مركزياً في المرحلة الراهنة: فهي، بحسب «كان»، الوسيط الذي تفضله المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والطرف الذي يطرح في الوقت نفسه صيغة «وديعة السلاح» في محاولة لصناعة حل وسط. غير أن هذه الصيغة لم تتحول بعد إلى اتفاق، فيما يظل الخلاف قائماً بين مطلب نزع السلاح، واشتراط الانسحاب والضمانات، والجدل حول ما إذا كانت إعادة الإعمار تسبق التفكيك العسكري أم تأتي بعده.

وبين ضغط الوقت، وتباعد المواقف، وتزايد الحديث الإسرائيلي عن إمكان العودة إلى العمل العسكري، يبدو أن لقاء القاهرة لم يكن مجرد اجتماع ثنائي عابر، بل محاولة لاحتواء لحظة شديدة الخطورة قد تحدد ما إذا كان اتفاق غزة سينتقل إلى مرحلته التالية أم ينزلق مجدداً نحو المواجهة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة