واشنطن تكبح جبهة لبنان: إسرائيل تجمّد «العمليات الحساسة» قبل اختبار الانسحاب ومفاوضات روما

دبابتان إسرائيليان قرب الحدود مع لبنان (Getty Images).jpg

أوعز المستوى السياسي الإسرائيلي إلى جيش الاحتلال بتجميد العمليات المصنفة «حساسة» في جنوب لبنان، استجابة لطلب أميركي بالامتناع عن تنفيذ «عمليات استثنائية»، في خطوة تكشف انتقال الجبهة اللبنانية مؤقتاً من منطق التصعيد العسكري إلى إدارة أميركية مرتبطة بمسارين متوازيين: المواجهة مع إيران والمفاوضات الإسرائيلية ـ اللبنانية.

وقالت هيئة البث الإسرائيلية «كان 11»، مساء الجمعة 10 يوليو/تموز 2026، إن التعليمات ستبقى سارية حتى إشعار آخر، وإلى حين اتضاح اتجاه التصعيد بين واشنطن وطهران، إلى جانب نتائج الاتصالات الجارية بين إسرائيل ولبنان. ولم يوضح التقرير طبيعة العمليات التي يشملها تصنيف «الحساسة»، أو ما إذا كانت التعليمات تتضمن قيوداً على الضربات المرتبطة بما تسميه إسرائيل «إزالة تهديد فوري».

ربط الجبهتين اللبنانية والإيرانية

وبحسب الرواية العبرية، تخشى الإدارة الأميركية، المنخرطة حالياً في مواجهة متصاعدة مع إيران، من انجرار إسرائيل إلى المعركة، بما يؤدي إلى توسيع نطاقها وتحويلها إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.

ونقلت «كان» عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن تل أبيب تستعد لاستغلال أي هجوم إيراني عليها لشن ضربات واسعة داخل إيران، إلا أن طلباً من البيت الأبيض دفع المستوى السياسي إلى إصدار تعليمات للجيش بالانتظار، وعدم اتخاذ خطوات من شأنها إدخال إسرائيل مباشرة في المواجهة الراهنة بين واشنطن وطهران.

ويمنح ذلك قرار التجميد بعداً سياسياً يتجاوز جنوب لبنان؛ إذ بات مستوى التحرك الإسرائيلي في الساحة اللبنانية مرتبطاً بحسابات الولايات المتحدة تجاه إيران، وبمحاولة واشنطن المحافظة على المسار الدبلوماسي مع بيروت من دون تفجيره بعملية عسكرية إسرائيلية واسعة.

وكان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد انتقد علناً هذه السياسة الأميركية، قائلاً إن الرئيس دونالد ترامب ربط بين ساحتي إيران ولبنان، وإن الرغبة الأميركية في دفع المفاوضات مع طهران أدت إلى وقف الهجمات الإسرائيلية على بيروت وحزب الله. وتعكس تصريحاته وجود تباين داخل إسرائيل بين الرغبة العسكرية في الاحتفاظ بحرية العمل، والقيود السياسية التي تفرضها العلاقة مع واشنطن.

تجميد مؤقت لا وقف شامل للعمليات

ولا تعني التعليمات، وفق المعطيات المتاحة، وقفاً شاملاً لإطلاق النار أو إنهاءً للوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. فالتقرير العبري تحدث تحديداً عن العمليات «الحساسة»، بينما أفادت تقارير سابقة بأن الجيش واصل نشاطاته الموضعية وإزالة ما يصفه بـ«التهديدات المباشرة»، رغم توقف الهجمات في العمق اللبناني وانخفاض وتيرة النيران بصورة كبيرة. وهذا يرجّح أن القرار يتعلق بالعمليات الواسعة أو التي قد تحمل تداعيات سياسية وإقليمية، وليس بكل نشاط عسكري ميداني.

وفي المقابل، تتمسك قيادات في الجيش الإسرائيلي بالحصول على حرية عمل داخل لبنان، وبالإبقاء على مواقع أو ترتيبات أمنية تمنع عودة حزب الله إلى المناطق الحدودية. وكانت «يديعوت أحرونوت» قد نقلت عن ضباط كبار تحذيرهم من الانسحاب الكامل من المنطقة التي تصفها إسرائيل بـ«الحزام الأمني»، ومطالبتهم بضمان نزع السلاح جنوب نهر الليطاني قبل تنفيذ انسحابات أوسع.

انسحاب تجريبي وانتشار للجيش اللبناني

ويتزامن تجميد العمليات مع استعدادات لبدء أول انسحاب إسرائيلي ضمن ما يسمى «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان. وذكرت «كان» أن وفداً أميركياً مسؤولاً عن التنسيق زار إسرائيل خلال الأسبوع الجاري، على أن ينتقل إلى لبنان لاستكمال النقاط الأخيرة المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية من منطقتي زوتر الغربية وفرون، ودخول الجيش اللبناني إليهما.

وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن الجيش اللبناني بدأ إعداد خطة انتشار واسعة، تشمل حجم القوات ومسارات دخولها ومواقع تمركزها، مشيرة إلى أن المعلومات التي وصلت إلى إسرائيل تفيد بإمكان دخول القوات اللبنانية إلى المنطقتين بصورة متزامنة، لا على مراحل. ومع ذلك، لم يُتفق بعد على جدول زمني نهائي للتنفيذ.

ونقلت القناة عن مسؤول أميركي قوله إن الأطراف انتقلت إلى مرحلة تنفيذ الاتفاق الإطاري، وإن العمل في المنطقة التجريبية الأولى سيبدأ خلال أيام، فيما يجري رسم خرائط مناطق إضافية والتخطيط لها. كما أشارت إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون ربط استمرار مشاركة بلاده في المحادثات ببدء الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

وتشترط إسرائيل، من جهتها، الحصول على تأكيد من الجيش اللبناني والقيادة المركزية الأميركية بأن القوات اللبنانية جاهزة لتولي السيطرة، إلى جانب الاتفاق على تعريف واضح لما تسميه «منطقة خالية من حزب الله». وقد بدأت اتصالات عسكرية بوساطة أميركية لتحديد هذه المعايير ومنع الخلافات التي قد تعطل الانسحاب.

روما محطة الاختبار السياسي

ومن المقرر عقد جولة جديدة من المحادثات بين الجانبين في روما يومي 14 و15 يوليو/تموز، بمشاركة فرق عمل تبحث الملفات الأمنية والسياسية والحدودية. وأفادت مصادر عبرية بأن الجولة ستتضمن، إلى جانب المباحثات السياسية، «حواراً على المستوى العسكري».

ويترأس الوفد الإسرائيلي يحيئيل لايتر، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، وليس السفير الأميركي لدى إسرائيل كما ورد في بعض الترجمات العربية. وتؤكد وزارة الخارجية الإسرائيلية أن لايتر يشغل منصب سفير تل أبيب في واشنطن منذ يناير/كانون الثاني 2025، وقد تولى قيادة جولات التفاوض السابقة مع الجانب اللبناني.

ولا تقتصر الرؤية التي يعرضها لايتر على ترتيبات أمنية مؤقتة؛ إذ تحدث في تصريحات نقلتها «إسرائيل اليوم» عن السعي إلى اتفاق شامل يشمل الحدود وإعادة إعمار جنوب لبنان والعلاقات الاقتصادية والمدنية، لكنه ربط الوصول إلى هذه المرحلة بمعالجة وضع حزب الله وسلاحه.

وبذلك، تدخل جبهة لبنان مرحلة انتظار مضبوطة أميركياً: عمليات إسرائيلية مقيدة مؤقتاً، وانسحاب تجريبي مشروط بانتشار الجيش اللبناني، ومفاوضات في روما يراد لها أن تحدد ما إذا كان الاتفاق الإطاري سيتحول إلى ترتيبات فعلية، أم أن تعثر المسار الإيراني سيعيد فتح الباب أمام التصعيد العسكري.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات