محيسن: مستشفيات الضفة على شفا الانهيار ونقص حاد في أدوية السرطان والمستهلكات الطبية

الوكيل المساعد لشؤون المستشفيات والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية، د. معتصم محيسن

محيسن: 180 دواءً أساسياً مفقود ومستشفيات الضفة تقترب من الانهيار

حذّر الوكيل المساعد لشؤون المستشفيات والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية، د. معتصم محيسن، من اقتراب المنظومة الصحية الحكومية في الضفة الغربية من مرحلة الانهيار، في ظل الأزمة المالية واحتجاز إسرائيل أموال المقاصة وتراكم ديون الموردين، ما أدى إلى نقص واسع في الأدوية والمستهلكات الطبية وتقليص الخدمات والعمليات الجراحية.

وقال محيسن، خلال استضافته في برنامج «تفاصيل» على شاشة تلفزيون فلسطين، إن القطاع الصحي الفلسطيني يواجه «أزمة حقيقية ومركبة»، مشيراً إلى أن الانهيار الواسع الذي تعرضت له المنظومة الصحية في قطاع غزة بفعل الحرب يتزامن مع ضغوط متصاعدة تهدد قدرة المستشفيات في الضفة الغربية على الاستمرار.

وأوضح أن وزارة الصحة تدير 18 مستشفى حكومياً في الضفة، إلى جانب مراكز الرعاية الأولية والطوارئ، مؤكداً أن الأزمة لا تقتصر على القطاع الحكومي، بل تمتد أيضاً إلى المستشفيات الخاصة والأهلية نتيجة تراكم المستحقات المالية ونقص التوريدات. وفقا لما رصدت "وكالة قدس نت للأنباء" على لسان محيسن.

180 صنفاً دوائياً غير متوفر

وكشف محيسن أن نحو 180 صنفاً من أصل قرابة 520 صنفاً دوائياً مدرجاً في مستودعات وزارة الصحة المركزية وصل إلى مستوى «المخزون الصفري»، أي إنه غير متوفر حالياً.

وبيّن أن النقص يشمل أدوية أساسية تستخدم في المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، ما يؤثر بصورة مباشرة على قدرة الطواقم الطبية على علاج المرضى وتوفير الجرعات المقررة لهم.

وأشار إلى أن شركات التوريد تحملت لفترات طويلة تراكم الديون المستحقة على الحكومة، لكنها وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على استيراد أو تصنيع وتوريد الأصناف المطلوبة.

وأكد أن استمرار الأزمة المالية وغياب انتظام الدفعات للموردين يهددان بفقدان أصناف إضافية خلال الفترة المقبلة.

أكثر من نصف أدوية السرطان مفقود

وفي ما يتعلق بمرضى السرطان، قال محيسن إن أكثر من 50 صنفاً من أصل 97 صنفاً مخصصاً لعلاج الأورام غير متوفر في مستودعات الوزارة.

وأضاف أن نحو أربعة آلاف مريض سرطان لا يتلقون علاجاتهم بصورة كاملة، وأن بعضهم يحصل على جرعات منقوصة أو ينتظر وصول الأدوية، في وقت يصعب فيه توفير تلك العلاجات من الصيدليات الخاصة بسبب ارتفاع أثمانها وعدم توافرها أساساً في الأسواق.

كما أشار إلى أن أزمة التحويلات الطبية تزيد من خطورة أوضاع مرضى الأورام، إذ لم يعد من السهل تحويلهم إلى مستشفيات خارج القطاع الحكومي بسبب تراكم الديون على وزارة الصحة.

وضرب محيسن مثالاً بوصول 18 جرعة فقط من أحد الأدوية البيولوجية الحديثة إلى مجمع فلسطين الطبي، في حين كان هناك 49 مريضاً بحاجة إليها.وفقا لما رصدت "وكالة قدس نت للأنباء" على لسان محيسن.

وأوضح أن الكمية المتوفرة كانت تكفي لثلاثة مرضى فقط، ما اضطر الوزارة إلى تشكيل لجنة طبية متعددة التخصصات لدراسة ملفات المرضى وتحديد الحالات الأكثر أولوية.

ووصف اضطرار الأطباء إلى المفاضلة بين المرضى بأنه «موقف بالغ الصعوبة»، مؤكداً أن القرار الطبي يصبح أكثر تعقيداً عندما تكون الحاجة واسعة بينما لا تكفي الجرعات إلا لعدد محدود.

نقص فلاتر غسيل الكلى يهدد حياة المرضى

وحذّر محيسن أيضاً من النقص في فلاتر ومستهلكات أجهزة غسيل الكلى، موضحاً أن انتظام الجلسات يمثل مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى المرضى.

وقال إن انقطاع المريض عن أربع جلسات متتالية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة وتسمم في الدم، وربما الوفاة، ما يجعل توفير مستلزمات غسيل الكلى من أعلى الأولويات الصحية.

كما أشار إلى نقص أدوية الأمراض المزمنة، ومنها علاجات السكري وضغط الدم وارتفاع الدهون، داعياً إلى تخصيص الموارد المتاحة أولاً لتوفير الأدوية التي يؤدي انقطاعها إلى تهديد مباشر لصحة المرضى.

265 صنفاً من المستهلكات في «المخزون الصفري»

وبحسب محيسن، فإن أزمة النقص لا تقتصر على الأدوية، إذ وصل نحو 265 صنفاً من المستهلكات الطبية إلى مستوى المخزون الصفري في مستودعات الوزارة.

وتشمل هذه المستلزمات الخيوط والأنابيب الجراحية ومواد ومعدات ضرورية لإجراء العمليات، ما يؤدي إلى تأجيل تدخلات طبية أو إغلاق بعض غرف العمليات وعدم تشغيلها بكامل طاقتها.

وأكد أن بعض العمليات قد تتعطل بسبب غياب أحد المستلزمات البسيطة ظاهرياً، مثل الخيط الجراحي أو الأنبوب الطبي، رغم توافر الطبيب وغرفة العمليات.

تراجع واضح في عدد العمليات الجراحية

وقال محيسن إن المستشفيات الحكومية أجرت نحو 65 ألف عملية جراحية كبرى وصغرى خلال عام 2025، بينما لم يتجاوز عدد العمليات المنفذة منذ بداية عام 2026 وحتى موعد المقابلة نحو 20 ألف عملية.

وعزا هذا التراجع إلى نقص الكوادر العاملة، وعدم تشغيل غرف العمليات على مدار الساعة، إلى جانب نقص الأدوية ومواد التخدير والمستهلكات الجراحية.

وأضاف أن بعض غرف العمليات أغلقت أو جرى تقليص ساعات عملها، ما تسبب في تراكم قوائم الانتظار وتأجيل عدد من العمليات غير المصنفة ضمن حالات إنقاذ الحياة.

تراكم عشرات مرضى القلب

وأشار محيسن إلى أن إحدى الأزمات التي واجهتها الوزارة تمثلت في تراكم نحو 45 مريضاً في مستشفى الخليل الحكومي كانوا بحاجة إلى قسطرة أو تدخلات قلبية.

وأوضح أن المستشفيات الخاصة في جنوب الضفة كانت تواجه بدورها نقصاً في المستلزمات وتراكم مستحقاتها المالية، ما حد من قدرتها على استقبال الحالات المحولة من القطاع الحكومي.

واضطرت الوزارة، بحسب محيسن، إلى فرز الحالات حسب درجة الخطورة وتوزيع المرضى على مستشفيات حكومية في محافظات أخرى، حتى لو تطلب ذلك نقل مريض من جنوب الضفة إلى رام الله أو جنين. وفقا لما رصدت "وكالة قدس نت للأنباء".

وشدد على أن المستشفيات الخاصة لا ترفض المرضى من حيث المبدأ، لكنها تعاني أيضاً من أزمة مالية وتشغيلية تحد من قدرتها على استقبال المزيد من الحالات.

أقسام الطوارئ تعمل بالحد الأدنى

وأكد محيسن أن أقسام الطوارئ في المستشفيات لا تزال تستقبل المرضى، نافياً إعادة أي مريض من أبواب الطوارئ قبل تقييم حالته.

وأوضح أن كل مريض يصل إلى المستشفى يخضع لعملية فرز أولي داخل غرفة «الترياج»، حيث تُفحص علاماته الحيوية ويقيّمه طبيب مختص لتحديد ما إذا كانت حالته طارئة وتتطلب الدخول إلى قسم الطوارئ، أو يمكن تحويله إلى العيادات الخارجية بعد تلقي علاج أولي.

وقال إن المريض لا يستطيع تحديد خطورة حالته بنفسه، ولذلك فإن قرار تصنيف الحالة يجب أن يبقى بيد الطبيب والطاقم المختص.

وأضاف أن الوزارة أصدرت تعليمات واضحة إلى إدارات المستشفيات بعدم إعادة أي مريض يصل إلى الطوارئ، حتى في ظل الإضرابات أو تقليص الدوام، مع الاعتراف بأن الخدمة المقدمة قد تكون محدودة نتيجة نقص الكوادر والأدوية.

تقليص دوام مراكز الطوارئ

وبيّن محيسن أن نقص الموظفين والتوريدات أجبر وزارة الصحة على تقليص ساعات عمل عدد من مراكز الطوارئ الموجودة في القرى والمناطق المهددة باعتداءات المستعمرين والاقتحامات الإسرائيلية.

وقال إن بعض المراكز لم تعد قادرة على العمل على مدار الساعة، واضطرت إلى الاكتفاء بفترة صباحية أو مسائية بدلاً من ثلاث ورديات متواصلة.

وأشار إلى أن هذه المراكز تقع في مناطق تحتاج إلى استجابة طبية عاجلة، بسبب المواجهات اليومية والاعتداءات على المواطنين وصعوبة الوصول السريع إلى المستشفيات المركزية.

الإضرابات وعدم تنسيق الدوام

وتطرق محيسن إلى تأثير قرارات تقليص الدوام والإضرابات النقابية على انتظام الخدمات، موضحاً أن الحكومة كانت قد سمحت لكل مؤسسة بوضع آلية لتقليل أيام حضور الموظفين بهدف تخفيف أعباء المواصلات في ظل عدم انتظام الرواتب.

لكنه رأى أن تدخل النقابات ووضع جداول منفصلة لكل فئة أدى في بعض الحالات إلى فقدان التنسيق، بحيث يداوم الطبيب في يوم، بينما يحضر الممرض أو الموظف الإداري المسؤول عن تسجيل المرضى في يوم آخر.

وأكد أن غياب التوافق بين جداول مختلف الفئات الصحية انعكس سلباً على قدرة المستشفيات والعيادات الخارجية على تقديم خدمة متكاملة.

وفي المقابل، شدد محيسن على أن الطواقم الطبية لا ترفض علاج المرضى بذريعة عدم تلقي الرواتب، وأن المشكلة الأساسية تتمثل في نقص عدد العاملين القادرين على الوصول إلى أماكن عملهم، وعدم إمكانية تقديم خدمة كاملة بثلث الكادر المتوفر أحياناً.

طواقم تعمل خمس ورديات متواصلة

وكشف محيسن أن بعض الأطباء والممرضين يضطرون إلى العمل ورديتين أو ثلاثاً، وفي حالات استثنائية أربع أو خمس ورديات متواصلة، عندما يتعذر وصول زملائهم بسبب الحواجز والإغلاقات العسكرية.

وقال إن كثيراً من العاملين في المستشفيات يقيمون في محافظات أو قرى بعيدة عن أماكن عملهم، ويواجهون بوابات عسكرية وإغلاقات واعتداءات على الطرق، ما يمنعهم أحياناً من الوصول.

وأكد أن هذا الواقع تسبب في إرهاق جسدي ونفسي شديد للطواقم الصحية، لكنه أشار إلى استمرارهم في أداء واجبهم ضمن الإمكانات المتاحة.

وأضاف أن طواقم طبية وإسعافية تعرضت للمنع والتوقيف والاعتقال، كما مُنعت مركبات إسعاف من الوصول إلى جرحى ومرضى.

وأشار إلى تسجيل حالات ولادة عند الحواجز أو داخل سيارات الإسعاف، بسبب منع النساء من الوصول إلى المستشفيات في الوقت المناسب.

نقص القدرة على توفير وجبات المرضى

وكشف محيسن أن الأزمة وصلت إلى صعوبة توفير وجبات الإفطار والغداء والعشاء للمرضى داخل المستشفيات.

وقال إن وزارة الصحة اضطرت إلى وقف تقديم الوجبات للطواقم المناوبة، وطلبت من الأطباء والممرضين توفير طعامهم بأنفسهم، بهدف إعطاء الأولوية لما يتوفر من موارد لإطعام المرضى.

وأضاف أن مستشفيات حكومية تعتمد حالياً على تبرعات المجتمع المحلي والبلديات والمحافظات واللجان والمؤسسات لتأمين بعض الوجبات.

لكنه حذر من أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تشكل حلاً دائماً، لأن إمكانات الجهات المحلية محدودة هي الأخرى في ظل الأزمة الاقتصادية.

المخزون الاحتياطي على وشك النفاد

وأوضح محيسن أن الوزارة وضعت في بداية الأزمة خطة طوارئ تضمنت تخزين احتياجات تكفي المستشفيات لمدة ثلاثة أشهر، على أن تستخدم فقط عند نفاد المخزون الدوري.

وأضاف أن نفاد كميات واسعة من المستودعات المركزية اضطر الوزارة إلى البدء باستخدام الاحتياطي، محذراً من أن هذا المخزون أصبح بدوره على وشك النفاد.

وقال إن استمرار الظروف الحالية من دون تدخل مالي وتوريد عاجل يعني دخول المستشفيات مرحلة أكثر خطورة خلال الأشهر المقبلة، وربما قبل نهاية عام 2026.

وأكد أن الوزارة خاطبت المؤسسات الدولية والجهات المانحة مراراً، وقدمت قوائم بالاحتياجات الطارئة، وحصلت على كميات من الأدوية والمستلزمات، إلا أن هذه المساعدات شارفت على النفاد.

مقترح لحكومة طوارئ صحية

ودعا محيسن الحكومة الفلسطينية إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام في ظل استمرار الأزمة، مقترحاً التركيز على ثلاثة قطاعات أساسية هي الصحة والتعليم والأمن.

وقال إن هذه القطاعات تشكل أساس صمود المجتمع واستمرار مؤسسات الدولة، داعياً إلى إعادة توجيه الموازنات التشغيلية لتوفير الأدوية والمستلزمات، وتسديد جزء من ديون شركات التوريد والمستشفيات الخاصة.

وأضاف أن الحكومة مطالبة، في حال استمرار الأزمة، بالاختيار بين مواصلة إدارة المؤسسات بصورتها الاعتيادية أو الانتقال إلى آلية عمل تشبه حكومة الطوارئ، تركز مواردها المحدودة على الخدمات الأكثر إلحاحاً.

وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين أدوية السرطان والأمراض المزمنة، وفلاتر غسيل الكلى، ومستهلكات غرف العمليات والطوارئ، وضمان استمرار عمل المستشفيات ومراكز الرعاية الأساسية.

تحذير من وصول المستشفيات إلى نقطة العجز

وقال محيسن إن وزارة الصحة واصلت خلال الفترة الماضية تقديم الخدمات رغم الضغوط، ما جعل المواطن لا يشعر في البداية بحجم الأزمة، إلا أن القدرة على امتصاص النقص أصبحت محدودة.

وأضاف: «وصلنا إلى خط لم نعد قادرين بعده على إخفاء حجم العجز»، محذراً من أن استمرار احتجاز أموال المقاصة ونقص التوريدات وعدم انتظام عمل الكوادر قد يدفع المنظومة الصحية إلى مرحلة لا تستطيع فيها توفير الحد الأدنى من الخدمات.

وأكد أن إنقاذ القطاع الصحي يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً، إلى جانب معالجة الأزمة المالية وتسديد مستحقات الموردين والمستشفيات، وتحييد الخدمات الصحية عن الضغوط والإجراءات السياسية.

وشدد على أن انهيار المستشفيات لا يمس مؤسسة حكومية فقط، بل يهدد بصورة مباشرة حياة المرضى وقدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، داعياً جميع الأطراف المحلية والدولية إلى التعامل مع التحذيرات الصحية باعتبارها إنذاراً عاجلاً وليس مجرد توصيف لأزمة مؤقتة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله