لا تجعلوا من أطفالنا دفعة أولى

أكرم أبو شرخ.jpg

بقلم: أكرم أبو شرخ

"الوطن الذي يبدأ ببيع أطفاله، سينتهي بلا أطفال وبلا وطن."
في عالم الاقتصاد، تعني "الدفعة الأولى" بداية عملية شراء، أما في غزة فقد أصبحت تعني بداية خسارة؛ خسارة مدرسة، ثم بيت، ثم طفولة، ثم مستقبل.
حين يعيش الأطفال في الخيام، فنحن لا نتحدث عن نزوح مؤقت فحسب، بل عن جيل يجري اختصاره بالتقسيط. كان القسط الأول حقيبة مدرسية تحولت إلى كيس طحين، وكان القسط الثاني غرفة دافئة أصبحت زاوية ضيقة في خيمة، أما القسط الثالث فكان ضحكة بريئة تركت الحرب على ملامحها شروخاً لا تُرى.
ندفع من أعمارهم ثمناً لتهدئة مؤجلة، وندفع من براءتهم ثمناً لمساعدات مؤقتة، وندفع من أحلامهم ثمناً لوعود ما زالت قيد الدراسة. لكن السؤال الأكبر: إلى متى يبقى مستقبل أطفالنا مرهوناً بتوقيع أو قرار أو صفقة؟
الأخطر من الألم نفسه أن نعتاد عليه؛ أن يعتاد الطفل الوقوف في طابور الماء قبل طابور المدرسة، وأن ينام عشرة أطفال على فراش واحد، وأن يتحول سؤاله البسيط: "هل نُسينا؟" إلى صرخة صامتة لا تجد إجابة.
أطفالنا ليسوا أرقاماً في تقارير الإغاثة، ولا صوراً عابرة في نشرات الأخبار. الطفل هو الطبيب الذي لم يولد بعد، والمهندس الذي سيعيد بناء ما تهدم، والعالم الذي سيصنع ملامح المستقبل. وحين تُسرق طفولته اليوم، فإننا نسرق جزءاً من وطن الغد.
كفى. يجب أن تكون الخيمة محطة عبور لا عنوان إقامة، وأن تكون المساعدة جسراً نحو الحياة الكريمة، لا بديلاً عن الحق. فالطفل من حقه سرير آمن، ونافذة تطل على الحياة، ومدرسة تحمي أحلامه لا مكاناً يخشاه.
سيكتب التاريخ يوماً ويسأل: ماذا فعلتم عندما دُفعت طفولة أطفالكم كدفعة أولى؟
احموا الطفولة اليوم... قبل أن يصبح مستقبل الوطن هو الخسارة الأكبر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت