دخل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026، مع تنفيذ القوات الأمريكية موجات متتالية من الضربات على مواقع عسكرية وساحلية جنوبي إيران، بالتزامن مع إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، فيما أعلنت طهران أن الأولوية في الوقت الراهن للدفاع والرد العسكري، وليس لاستئناف المفاوضات.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» بدء موجة من الضربات عند الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت غرينتش، استمرت نحو 90 دقيقة، واستهدفت أنظمة للدفاع الساحلي ومواقع لتخزين صواريخ كروز وإطلاقها في جزيرة طنب الكبرى، قبل أن تعلن بعد نحو تسع ساعات بدء موجة ثانية تستهدف قدرات عسكرية إيرانية تقول واشنطن إنها تُستخدم لتهديد السفن العابرة لمضيق هرمز.
وأفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن القوات الأمريكية قصفت عشرات الأهداف خلال عمليات امتدت عدة ساعات، قبل بدء موجة إضافية من الضربات في وقت متأخر من مساء الأربعاء، ما يشير إلى تصاعد وتيرة العمليات الأمريكية واتساع نطاقها على الساحل الإيراني والجزر القريبة من مضيق هرمز.
انفجارات في سيريك وقشم وبندر عباس
في المقابل، ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية وشبه رسمية أن مقذوفات أمريكية أصابت مواقع في محيط مدينة سيريك وجزيرة قشم بمحافظة هرمزغان، فيما سُمع دوي انفجارات في بندر عباس وكونارك وأجزاء من الأهواز.
ونقلت وكالة «مهر» عن مصادر محلية تعرض عدة مواقع في محيط الأهواز وبندر عباس لهجمات، من دون ورود تقارير فورية عن خسائر بشرية في تلك المواقع. كما أفادت وكالة «تسنيم» بسماع انفجارات في مدينة كونارك المطلة على خليج عُمان.
وأعلن التلفزيون الإيراني أن إحدى الضربات وقعت قرب مستشفى في الأهواز يضم مركزًا لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، ما أدى إلى إخلائه مؤقتًا. ولم يصدر تأكيد أمريكي مستقل بشأن استهداف محيط المستشفى.
وبحسب السلطات الإيرانية، أسفرت الضربات الأخيرة عن مقتل سبعة عسكريين على الأقل في ثكنة تابعة للواء المشاة الآلي 388 في محافظة سيستان وبلوشستان. كما أعلنت وزارة الصحة الإيرانية أن أكثر من 35 شخصًا قُتلوا وأصيب ما يزيد على 300 خلال موجات القصف الأمريكية الأخيرة، من دون تقديم تفصيل واضح لأعداد المدنيين والعسكريين بينهم.
حصار بحري واستهداف سفينة قرب جزيرة خارك
بالتوازي مع الغارات، أعادت الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، بعد انهيار التفاهم المرحلي الذي أوقف القتال مؤقتًا وفتح الباب أمام مفاوضات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وقالت «سنتكوم» إن طائرة أمريكية عطّلت ناقلة النفط «بيلما»، التي ترفع علم كوراساو، أثناء توجهها نحو جزيرة خارك، بعدما تجاهلت تحذيرات متكررة، مشيرة إلى إطلاق صواريخ «هيلفاير» على مدخنة السفينة. وأضافت أن سفينتين أخريين غيّرتا مسارهما استجابة للتعليمات الأمريكية.
وتقول واشنطن إن عملياتها تهدف إلى ضمان حرية الملاحة وإزالة القدرات الإيرانية المستخدمة في مهاجمة السفن. أما طهران فتتهم الولايات المتحدة بمحاولة فرض مسار بحري خارج ترتيباتها وسيادتها في المضيق.
طهران: الأولوية للدفاع ولا مفاوضات حاليًا
قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده لا تعتزم، في الوقت الحالي، استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن التركيز منصب على الدفاع، وأن القوات الإيرانية سترد على أي هجوم يستهدف البلاد.
وقال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن إيران تخوض «حربًا وجودية» مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن واشنطن تحاول بالقوة تقويض الترتيبات الإيرانية المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز.
ورغم لهجته التصعيدية، شدد قاليباف على أن الدبلوماسية والتفاوض يظلان من الأدوات المستخدمة لتحقيق المصالح الوطنية، معتبرًا أن الفصل المطلق بين العمل العسكري والتفاوض خطأ استراتيجي.
وقال متحدث باسم الجيش الإيراني إن إعادة فتح مضيق هرمز مرتبطة بالتزام الولايات المتحدة ببنود مذكرة التفاهم المكونة من 14 نقطة، وقبول ما وصفه بالقواعد والترتيبات الإيرانية لحركة السفن في المضيق. وبذلك تتمسك طهران عمليًا بإبقاء الممر مغلقًا أو مقيدًا ما لم تتراجع واشنطن عن إجراءات الحصار.
كما هدّد الحرس الثوري بتوسيع نطاق المواجهة إلى صادرات الطاقة الإقليمية، معلنًا أن تصدير النفط والغاز سيكون «للجميع أو لا أحد»، في إشارة إلى احتمال استهداف طرق ومنشآت الطاقة إذا استمر منع الصادرات الإيرانية.
هجمات إيرانية واعتراضات في الكويت والعراق
أعلن الحرس الثوري تنفيذ هجمات على أهداف عسكرية أمريكية في البحرين والكويت والأردن، ردًا على الضربات الأمريكية. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حجم الأضرار التي قالت طهران إنها ألحقتها بتلك المواقع.
وأكدت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية أن الدفاعات الجوية اعترضت أربعة صواريخ جوالة و21 طائرة مسيّرة معادية، من دون تسجيل إصابات أو أضرار مادية.
وفي إقليم كردستان العراق، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب اعتراض ثماني طائرات مسيّرة فوق أربيل مساء الأربعاء، بينها مسيّرات اقتربت من محيط القنصلية الأمريكية. وتسبب حطام الاعتراض بأضرار في سيارة أجرة، من دون إصابات، بينما لم يصدر تعليق أمريكي فوري يحدد مصدر الطائرات.
ترمب يلوّح بالتسوية والتصعيد معًا
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران تسعى إلى تسوية وإن مسؤولين إيرانيين يريدون الاجتماع مع الجانب الأمريكي، لكنه لوّح في الوقت نفسه بمواصلة العمليات العسكرية إذا لم توافق طهران على شروط واشنطن.
ورفض ترامب تحديد مهلة زمنية قبل توسيع الهجمات، وقال إن الإيرانيين يدركون ما ينبغي عليهم فعله، مضيفًا أن واشنطن ستقرر ما إذا كانت ستتوصل إلى تسوية معهم أو «تنهي الأمر». ولم تعلن الإدارة الأمريكية عن اتصالات تفاوضية مباشرة جديدة تؤكد الرواية التي قدمها ترمب.
مناقشة السيطرة على جزيرة خارك
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب ترأس، مساء الثلاثاء، اجتماعًا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض نوقشت خلاله خيارات لتوسيع الحرب، بينها استخدام قوات أمريكية للسيطرة على جزيرة خارك ومناطق أخرى قرب مضيق هرمز.
كما شملت المناقشات احتمال استهداف منشأة محصنة تحت الأرض تُعرف أمريكيًا باسم «جبل الفأس»، وتشتبه واشنطن في ارتباطها بالبرنامج النووي الإيراني، إلى جانب توسيع الغارات لتشمل أهدافًا إضافية ومنشآت للطاقة. ولم تتخذ الإدارة، بحسب المصادر، قرارًا نهائيًا بتنفيذ هذه الخيارات.
وقال مسؤولون أمريكيون لوكالة «رويترز» إن الغارات الحالية لا تستهدف فقط القدرات المرتبطة بمهاجمة السفن، بل تعمل أيضًا على إضعاف الدفاعات الجوية والرادارات والمواقع الصاروخية الإيرانية، بما يهيئ الميدان لعمليات أكثر تعقيدًا إذا أمر ترمب بها لاحقًا.
مساران متوازيان: ضغط عسكري وباب دبلوماسي شبه مغلق
تشير التطورات الجارية إلى أن واشنطن تتحرك على مسارين متوازيين: تكثيف الضغط العسكري والبحري لإجبار إيران على فتح مضيق هرمز، مع إبقاء احتمال العودة إلى التفاوض مطروحًا.
في المقابل، تربط طهران أي تهدئة بتنفيذ مذكرة التفاهم السابقة والاعتراف بترتيباتها في المضيق، فيما تؤكد أنها لا تخطط لاستئناف المفاوضات تحت القصف.
وبذلك تبقى احتمالات التوسع العسكري قائمة، خصوصًا مع مناقشة واشنطن السيطرة على جزر ومواقع استراتيجية، في حين لا تظهر حتى فجر الخميس 16 يوليو/تموز مؤشرات مؤكدة على وجود مسار تفاوضي مباشر قادر على وقف التصعيد.
