استشهد أربعة فلسطينيين، بينهم سيدة، وأصيب عدد من المواطنين، بينهم أطفال ونساء، يوم الأحد 19 يوليو/تموز 2026، جراء سلسلة غارات وقصف مدفعي وإطلاق نار نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في إطار الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
وتزامن التصعيد الميداني مع إعلان جهاز الدفاع المدني بدء المرحلة الثانية من مشروع البحث عن جثامين الشهداء تحت أنقاض المنازل المدمرة، وسط إمكانات شديدة المحدودية، فيما غادر 31 مريضًا القطاع عبر معبر رفح لتلقي العلاج في الخارج.
شهداء وإصابات في حي الزيتون
وأفادت مصادر محلية وطبية بوصول جثماني شهيدين إلى مجمع الشفاء الطبي، صباح الأحد، عقب قصف مدفعي إسرائيلي استهدف تجمعًا للمواطنين في شارع كشكو بحي الزيتون، جنوب شرقي مدينة غزة، خلال ساعات الليل.
وبحسب المصادر، بقي جثمانا الشهيدين في المنطقة عدة ساعات، في ظل استمرار القصف وصعوبة وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إلى المكان.
وفي قصف مدفعي آخر استهدف المنطقة الشرقية من حي الزيتون، استشهدت المواطنة رضا أبو عصر، وأصيب عدد من أفراد عائلتها، بينهم زوجها وابنتها، وفق إفادات محلية.
وأدى القصف المتكرر إلى حالة من الخوف والنزوح بين العائلات المقيمة في المنطقة، ولا سيما النازحين الذين يعيشون داخل خيام بلاستيكية تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية، ما دفع عددًا منهم إلى مغادرة خيامهم والتوجه نحو مناطق تقع غربي مدينة غزة.
وطالب الناطق باسم جهاز الدفاع المدني، محمود بصل، اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الدولية بالتحرك العاجل لضمان وصول طواقم الإنقاذ إلى المواقع المستهدفة، واستكمال عمليات البحث عن المفقودين والمصابين.
قصف شقة سكنية وعمليات نسف في مدينة غزة
وفي مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، أصيب عدد من المواطنين، بينهم نساء وأطفال، إثر غارة نفذتها مروحية إسرائيلية واستهدفت شقة داخل عمارة سكنية في شارع عايدية.
كما نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف وتفجير لمبانٍ سكنية في المناطق الشرقية من مدينة غزة، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف شرقي حي التفاح ومناطق تقع خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
واستهدفت الزوارق الحربية الإسرائيلية ساحل مدينة غزة بالقذائف والرصاص، بينما تعرضت المناطق الشرقية من مخيم جباليا، شمالي القطاع، لقصف مدفعي وإطلاق نار من مروحيات إسرائيلية.
شهيد ومصابون في مواصي خان يونس
وفي جنوبي قطاع غزة، استشهد المواطن أسامة أبو تيم، وأصيب عشرة آخرون بجروح متفاوتة، إثر قصف إسرائيلي استهدف خيمة تؤوي نازحين في منطقة مواصي خان يونس.
كما أصيبت طفلة برصاص قوات الاحتلال في منطقة بئر 19 بالمواصي، ونقلت إلى مجمع ناصر الطبي لتلقي العلاج.
وأفادت مصادر محلية بإصابة خمسة فلسطينيين آخرين برصاص قوات الاحتلال في المنطقة ذاتها، التي تضم تجمعات كبيرة للنازحين، فيما أصيب مواطن بجروح متوسطة جراء إطلاق النار في محيط مجمع حمد السكني شمالي مدينة خان يونس.
وأطلقت الآليات العسكرية الإسرائيلية نيرانها بكثافة تجاه المناطق الجنوبية والشرقية من خان يونس، كما استهدف قصف مدفعي منطقة الشيخ ناصر ومحيط دوار بني سهيلا شرقي المدينة، بالتزامن مع غارة جوية على أطرافها الشمالية.
ولم ترد معلومات فورية عن وقوع إصابات جراء القصف الذي طال الشيخ ناصر ومحيط بني سهيلا.
استمرار خروقات وقف إطلاق النار
وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة من خلال القصف الجوي والمدفعي، وإطلاق النار تجاه المدنيين ومناطق النازحين، إلى جانب عمليات النسف والتدمير والتوغل داخل المناطق الواقعة خلف "الخط الأصفر".
كما تستمر القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة البضائع والمساعدات الإنسانية وسفر المرضى، فضلًا عن إبقاء المعابر مغلقة أو تشغيلها بصورة محدودة لا تتناسب مع الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة لسكان القطاع.
ويصف فلسطينيون اتفاق وقف إطلاق النار بأنه تحول إلى "وهم"، في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم التزام الاحتلال بوقف الهجمات أو السماح بإدخال الكميات المتفق عليها من الغذاء والدواء والوقود ومستلزمات الإيواء.
ووفق أحدث بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 إلى 1156 شهيدًا، إضافة إلى 3703 مصابين، إلى جانب انتشال جثامين 802 شهيد من تحت الأنقاض.
وبلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 نحو 73 ألفًا و281 شهيدًا، و173 ألفًا و811 مصابًا، في ظل دمار واسع طال غالبية البنية التحتية المدنية والمنازل والمنشآت الصحية والتعليمية في القطاع.
الدفاع المدني يبدأ البحث عن 1072 جثمانًا
إنسانيًا، أعلن جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة بدء المرحلة الثانية من مشروع انتشال جثامين الشهداء والمفقودين من تحت أنقاض المنازل والمباني التي دمرها الاحتلال خلال الحرب.
وقال الناطق باسم الجهاز، محمود بصل، خلال مؤتمر صحفي عقد في مدينة غزة، إن المرحلة الجديدة ستنفذ على مدار 800 ساعة عمل، وستشمل البحث داخل أنقاض 147 منزلًا ومبنى مدمرًا في محافظات غزة وشمال غزة والوسطى.
وأوضح بصل أنه يُعتقد وجود نحو 1072 جثمانًا تحت أنقاض المواقع المستهدفة، مشيرًا إلى أن المشروع يحمل أبعادًا إنسانية وأخلاقية ووطنية تجاه آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها ودفنهم بما يحفظ كرامتهم.
وبدأت أعمال المرحلة الثانية من أمام مربع سكني يعود لعائلتي أبو شريعة والحساينة في حي الصبرة بمدينة غزة، كانت قوات الاحتلال قد دمرته خلال الحرب، ما أسفر عن استشهاد 308 مواطنين، بينهم 44 طفلًا و37 امرأة.
معدات محدودة أمام آلاف الأطنان من الركام
وأكد الدفاع المدني أن عمليات البحث والانتشال تنفذ بإمكانات وصفها بـ"المتواضعة جدًا"، إذ لا يتوفر للمشروع سوى حفار واحد وجرّافة واحدة وشاحنة، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وقال بصل إن هذه الآليات لا تتناسب مع حجم الدمار أو آلاف الأطنان من الركام التي تغطي المواقع المستهدفة، ولا تمكّن الطواقم من تنفيذ عمليات الانتشال بالسرعة المطلوبة.
وأضاف أن عددًا كبيرًا من مركبات الإنقاذ والآليات التابعة للدفاع المدني تعرض للتدمير والاستهداف خلال الحرب، ما جعل الطواقم تعمل في ظروف شديدة الخطورة وبأدوات يدوية وإمكانات شبه معدومة.
وطالب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والإنسانية بالضغط على الاحتلال للسماح بإدخال المعدات الثقيلة والآليات الفنية اللازمة، وتوسيع نطاق المشاركة الدولية في عمليات انتشال الجثامين باعتبارها أولوية إنسانية عاجلة.
وأشار إلى أن طواقم الدفاع المدني تمكنت خلال المرحلة الأولى من المشروع، التي انطلقت نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 واستمرت أكثر من 500 ساعة، من انتشال 333 جثمانًا ورفاتًا من تحت أنقاض 54 منزلًا ومبنى.
وأوضح أن ضعف الإمكانات حال دون الوصول إلى نحو 226 جثمانًا من أصل 559 جثمانًا كان يُعتقد وجودها في المواقع التي شملتها المرحلة الأولى.
وبحسب إحصاء سابق للمكتب الإعلامي الحكومي، يبلغ عدد المفقودين الفلسطينيين منذ بدء العدوان نحو 9500 شخص، بينهم شهداء لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض، وآخرون ما زال مصيرهم مجهولًا.
إجلاء 31 مريضًا عبر معبر رفح
وفي تطور إنساني آخر، غادر 31 مريضًا من قطاع غزة، الأحد، عبر معبر رفح البري، في إطار عملية إجلاء طبي لتلقي العلاج خارج القطاع.
وشاركت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني في نقل المرضى ومرافقيهم من مستشفى المواصي الميداني إلى المعبر، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والجهات المختصة.
وتأتي عملية الإجلاء في ظل انهيار واسع أصاب المنظومة الصحية في قطاع غزة، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، إلى جانب وجود آلاف المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى تدخلات طبية تخصصية غير متوفرة داخل القطاع.
الإفراج عن 16 معتقلًا
كما أفرجت قوات الاحتلال عن 16 معتقلًا فلسطينيًا من قطاع غزة، كانت قد اعتقلتهم خلال الحرب.
ووصل المعتقلون المفرج عنهم عبر معبر كرم أبو سالم إلى مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، حيث خضعوا للفحوصات الطبية، بتنسيق من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
حماس تطالب الوسطاء بالتدخل
سياسيًا، قالت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة تمثل "جريمة حرب متعمدة وامتدادًا لحرب الإبادة الجماعية".
وأضافت الحركة أن استمرار سقوط الضحايا المدنيين يكشف سعي حكومة الاحتلال إلى مواصلة العدوان تحت غطاء اتفاق وقف إطلاق النار، مستفيدة من حالة الصمت والعجز الدولي.
وطالبت الإدارة الأمريكية والدول الضامنة والوسطاء بالتدخل الفوري لإلزام الحكومة الإسرائيلية بوقف هجماتها والوفاء بالتزاماتها الواردة في الاتفاق.
كما دعت المجتمع الدولي ومؤسساته إلى تحمل مسؤولياته في حماية المدنيين الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
تحذير حقوقي من تصاعد استهداف المدنيين
من جهتها، حذرت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان من تصاعد الهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين في قطاع غزة رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
وقالت المؤسسة إنها رصدت، خلال الفترة من 11 إلى 17 تموز/ يوليو 2026، زيادة ملحوظة في عمليات القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار المباشر، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عشرات المدنيين، بينهم أطفال ونساء.
وأشارت إلى أن الهجمات طالت خيام النازحين والأعيان المدنية ومراكز الشرطة وورش العمل والمركبات، معتبرة أن تكرار استهداف المدنيين يعكس سياسة ممنهجة ويشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.
وطالبت المؤسسة بفتح تحقيقات دولية مستقلة في الهجمات التي أوقعت ضحايا مدنيين، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير الحماية الدولية لسكان القطاع، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.
رفض خطط التجمعات السكانية المؤقتة
وفي سياق متصل، انتقدت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين خططًا قالت إن "مجلس السلام" برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتزم تنفيذها في قطاع غزة، وتتضمن إقامة تجمعات سكانية داخل منازل مؤقتة تخضع لرقابة أمنية دائمة، بدلًا من تنفيذ مشروع شامل لإعادة الإعمار.
وقالت الجبهة إن قطاع غزة "ليس مختبرًا للتجارب السياسية والأمنية"، مؤكدة حق الفلسطينيين في إعادة إعمار المنازل والمنشآت التي دمرها الاحتلال، وتوفير مساكن دائمة وفرص عمل ومشاريع إنتاجية وزراعية لسكان القطاع.
وحذرت من أن الاكتفاء بتجمعات سكانية مؤقتة وغياب خطط الإعمار الحقيقية قد يفتح الباب أمام دفع السكان إلى الهجرة تحت مسمى "الهجرة الطوعية"، بينما تكون في جوهرها هجرة قسرية ناجمة عن انعدام مقومات الحياة.
ودعت الجبهة إلى مناقشة خطط الإعمار بصورة جدية مع الفصائل الفلسطينية والوسطاء وممثلي المجتمع الدولي، والتعامل مع إعادة إعمار غزة بوصفها قضية سياسية ووطنية وإنسانية، وليست مجرد ملف إغاثي مؤقت.
