خليل الحية يفوز برئاسة المكتب السياسي بفارق صوت واحد عن خالد مشعل.. وملفات الحرب والمفاوضات وإعادة بناء الحركة تتصدر جدول أعماله
أعلنت حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، الإثنين 20 يوليو/تموز 2026، انتخاب رئيس وفدها المفاوض خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي للحركة، خلفاً ليحيى السنوار، بعد عملية اقتراع داخلية شهدت منافسة شديدة مع رئيس الحركة في الخارج ورئيس مكتبها السياسي الأسبق خالد مشعل.
وجاء انتخاب الحية في وقت تواجه فيه الحركة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ تأسيسها عام 1987، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ومقتل عدد كبير من قادتها السياسيين والعسكريين، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بمفاوضات وقف إطلاق النار ومستقبل القطاع.
وبحسب مصادر مسؤولة في الحركة، حصل الحية على 35 صوتاً من أعضاء مجلس الشورى العام، مقابل 34 صوتاً لمنافسه خالد مشعل، ما يعكس تقارباً كبيراً داخل مؤسسات «حماس» بشأن هوية رئيسها الجديد والمسار السياسي والتنظيمي الذي ستتبعه خلال المرحلة المقبلة.
وأوضحت المصادر أن الحية حظي بتأييد واسع بين أعضاء مجلس الشورى في قطاع غزة، إذ صوّت أعضاء الإقليم لصالحه بنسبة قاربت الإجماع، كما حصل على جزء مهم من أصوات ممثلي الضفة الغربية والأسرى في السجون الإسرائيلية.
في المقابل، نال مشعل غالبية أصوات ممثلي الحركة في الخارج، إلى جانب جزء من أصوات الضفة الغربية، قبل أن يحسم الفارق الضئيل النتيجة النهائية لصالح الحية.
اقتراع سري بعد جولات مؤجلة
بدأ أعضاء مجلس الشورى العام، السبت، عملية التصويت السري لاختيار رئيس المكتب السياسي، بدلاً من المجلس القيادي الخماسي الذي أدار شؤون الحركة منذ مقتل السنوار في رفح جنوبي قطاع غزة في أكتوبر 2024.
وشارك في الاقتراع ممثلون عن أقاليم الحركة الثلاثة؛ قطاع غزة والضفة الغربية والخارج، إلى جانب عدد من أعضاء الحركة المعتقلين في السجون الإسرائيلية، وفق آليات تنظيمية وأمنية خاصة.
وكانت الانتخابات قد أُجّلت أكثر من مرة بسبب التطورات الأمنية والإقليمية، كما لم تنجح الجولة الأولى في حسم المنافسة بين الحية ومشعل، ما دفع الحركة إلى تنظيم جولة جديدة وفق لوائحها الداخلية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الجولة الأولى شهدت امتناع بعض أعضاء مجلس الشورى عن تأييد أي من المرشحين، واستخدام أوراق بيضاء، في واقعة وصفت بأنها غير مألوفة في الانتخابات الداخلية للحركة.
ولم تقتصر عملية الانتخاب على اختيار رئيس المكتب السياسي، إذ سبقتها انتخابات داخلية شملت المكاتب السياسية ومجالس الشورى في غزة والضفة الغربية والخارج، إضافة إلى تشكيل المكتب السياسي العام، الذي يضم 18 عضواً، بينهم ممثل عن «كتائب القسام»، الجناح العسكري للحركة.
ويُعد مجلس الشورى العام أعلى هيئة شوروية في «حماس»، ويضم ممثلين عن أقاليم الحركة المختلفة، ويتولى اختيار رئيس المكتب السياسي ومناقشة القرارات الاستراتيجية الكبرى.
نهاية مرحلة القيادة الجماعية
أنهى انتخاب الحية مرحلة المجلس القيادي المؤقت الذي شُكّل عقب مقتل رئيس المكتب السياسي السابق إسماعيل هنية في العاصمة الإيرانية طهران في 31 يوليو 2024، ثم مقتل خليفته يحيى السنوار في أكتوبر من العام نفسه.
وكان المجلس المؤقت يتكون من خمسة أعضاء برئاسة رئيس مجلس الشورى العام محمد درويش، وعضوية الحية ومشعل ورئيس الحركة في الضفة الغربية زاهر جبارين وأمين سر الحركة نزار عوض الله.
وتولى المجلس إدارة الملفات السياسية والتنظيمية والتفاوضية خلال الحرب، في محاولة للحفاظ على استمرارية القيادة بعد سلسلة الاغتيالات والاستهدافات التي طالت مستويات متقدمة داخل الحركة.
ومع انتخاب رئيس جديد، يُتوقع أن يتحول المجلس الخماسي إلى إطار استشاري يشارك في مناقشة القضايا الأساسية، بينما تنتقل صلاحيات القيادة التنفيذية والسياسية بصورة مباشرة إلى رئيس المكتب السياسي.
ويأتي اختيار الحية لاستكمال الفترة المتبقية من الدورة القيادية الحالية، قبل إجراء انتخابات داخلية أشمل، يُرجح تنظيمها في نهاية العام أو مطلع عام 2027.
مفاوض غزة في موقع القيادة
برز خليل الحية خلال الحرب بوصفه رئيساً لوفد «حماس» في مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وشارك في الجولات التي استضافتها قطر ومصر، بالتنسيق مع الوسطاء الإقليميين والدوليين.
ومنحه هذا الدور حضوراً واسعاً في المشهدين الفلسطيني والإقليمي، كما وضعه في قلب القرارات المتعلقة بشروط وقف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
وكان الحية يشغل منصب رئيس الحركة في قطاع غزة، كما تولى في مراحل سابقة مسؤولية مكتب العلاقات العربية والإسلامية، وشارك في مفاوضات حرب عام 2014، والمحادثات التي أعقبت جولة التصعيد المعروفة فلسطينياً باسم «سيف القدس» عام 2021.
ويُنظر إلى رئاسة الحية لوفد التفاوض باعتبارها أحد العوامل التي عززت فرصه في الانتخابات، خصوصاً أن ملف وقف الحرب بات يتقدم على بقية الملفات السياسية والتنظيمية داخل الحركة.
وقالت «حماس» في بيانها إن إنجاز الاستحقاق الداخلي في ظل الظروف الأمنية والسياسية الراهنة يؤكد استمرار عمل مؤسسات الحركة وهيئاتها الشوروية، رغم الاستهداف المتواصل لقياداتها وكوادرها.
وأضافت أن أولويتها خلال المرحلة المقبلة تتمثل في وقف الحرب على قطاع غزة، ورفع الحصار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والطبية، وبدء عملية إعادة الإعمار، إلى جانب مواجهة مشاريع تهجير الفلسطينيين ودعم الأسرى في السجون الإسرائيلية.
من هو خليل الحية؟
وُلد خليل إسماعيل الحية في مدينة غزة في 5 نوفمبر 1960، ودرس العلوم الشرعية قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في علوم الحديث النبوي.
بدأ نشاطه الإسلامي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل تأسيس حركة «حماس» رسمياً عام 1987، ثم تدرج في مواقعها التنظيمية والسياسية وصولاً إلى عضوية المكتب السياسي ونيابة رئاسة الحركة في قطاع غزة.
وفي الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، فاز الحية بعضوية المجلس التشريعي، وتولى رئاسة كتلة «التغيير والإصلاح» التابعة للحركة، قبل أن يصبح أحد أبرز وجوهها السياسية والإعلامية.
وتعرض الحية للاعتقال عدة مرات، كما نجا من محاولات اغتيال إسرائيلية متكررة. وفي عام 2007، استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً لعائلته في حي الشجاعية بمدينة غزة، ما أدى إلى مقتل عدد من أقاربه.
كما فقد عدداً من أبنائه وأفراد أسرته في غارات إسرائيلية خلال جولات القتال المتعاقبة، من بينها حرب عام 2014 والحرب التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وتعرض الحية ووفد الحركة المفاوض لمحاولة اغتيال في العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر 2025، بحسب ما أعلنته الحركة، وأسفرت الضربة عن مقتل نجله همام وعدد من مرافقي الوفد، بينما نجا الحية من الهجوم.
تحديات تتجاوز الانتخابات
لا تقتصر مهمة الحية على إعادة ترتيب القيادة الداخلية، إذ يتولى رئاسة الحركة وسط تحديات سياسية وأمنية ومالية غير مسبوقة.
وفي مقدمة هذه التحديات، الوصول إلى اتفاق يوقف الحرب في قطاع غزة ويضمن انسحاب القوات الإسرائيلية وإدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار، مع التوصل إلى صيغة مقبولة بشأن الأسرى الإسرائيليين والمعتقلين الفلسطينيين.
كما يواجه الحية مهمة ترميم الهيكل التنظيمي للحركة بعد مقتل عدد من قادتها، وإعادة بناء قنوات الاتصال بين أقاليم غزة والضفة الغربية والخارج، في ظل القيود الأمنية والملاحقات الإسرائيلية.
وسيكون عليه كذلك إدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية وحركة «فتح»، والتعامل مع الدعوات الإقليمية والدولية لتشكيل إدارة جديدة لقطاع غزة بعد الحرب، ومستقبل مشاركة «حماس» في النظام السياسي الفلسطيني.
وعلى المستوى الخارجي، يُتوقع أن يعمل الحية على الحفاظ على علاقات الحركة مع قطر ومصر وتركيا، إلى جانب مواصلة اتصالاتها مع إيران وروسيا والصين ودول أخرى.
ويُعرف عن الحية تأييده لتعزيز علاقات «حماس» مع إيران و«حزب الله» اللبناني، ومشاركته في لقاءات سياسية عدة مع مسؤولي ما يعرف بـ«محور المقاومة»، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة التوازن الذي سيعتمده بين علاقات الحركة الإقليمية ومتطلبات التفاوض مع الوسطاء.
دلالات الفارق الضئيل
يكشف فوز الحية بفارق صوت واحد عن حجم التباين داخل مؤسسات «حماس» بين تيارين رئيسيين؛ أولهما يستند إلى ثقل قيادة قطاع غزة والجناح العسكري، والثاني يتمتع بنفوذ واسع داخل مؤسسات الحركة في الخارج.
ويتمتع مشعل بخبرة سياسية وتنظيمية طويلة، بعدما ترأس المكتب السياسي للحركة لسنوات، وأدار علاقاتها الدولية من خارج الأراضي الفلسطينية.
أما الحية، فيستمد ثقله من موقعه داخل قيادة غزة، وقربه من دوائر صنع القرار خلال الحرب، ودوره المباشر في المفاوضات، إلى جانب علاقاته مع قيادة الجناح العسكري.
ولا يعني انتهاء الاقتراع انتهاء هذه التباينات، إذ سيحتاج الرئيس الجديد إلى المحافظة على وحدة المؤسسات القيادية، وضمان مشاركة مختلف الأقاليم والتيارات في صياغة القرارات السياسية والعسكرية.
وبذلك، يدخل خليل الحية إلى رئاسة المكتب السياسي لـ«حماس» في مرحلة لا تمنحه وقتاً طويلاً للاحتفاء بالنتيجة، إذ تنتظره ملفات الحرب والمفاوضات وإعادة بناء الحركة، فضلاً عن السؤال الأكثر تعقيداً: كيف ستوازن القيادة الجديدة بين استمرار المواجهة ومتطلبات التسوية ووقف معاناة سكان قطاع غزة؟
