دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يومها الـ144، وسط تصاعد التهديدات المتبادلة بشأن المنشآت النووية، واستمرار الحصار البحري الأميركي، في وقت تدرس فيه إسرائيل سيناريوهات تدخلها المحتمل، بين البقاء خارج المواجهة الحالية والانضمام إلى عملية واسعة ومنسقة مع واشنطن.
ويأتي التصعيد بعد أكثر من شهر على توقيع مذكرة تفاهم أميركية إيرانية في 18 يونيو/حزيران، وُضعت باعتبارها إطارًا لمفاوضات أوسع، لكنها لم تمنع تجدد الضربات والحصار والتهديدات باستهداف منشآت جديدة. وكان المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قد أعلن موافقته على المذكرة رغم تحفظاته، بعد حصول طهران على ضمانات تتعلق بحقوقها في أي مفاوضات لاحقة.
ترامب يهدد بضرب أي نشاط نووي جديد
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستهاجم مجددًا أي موقع تحاول إيران إعادة تشغيل نشاط نووي فيه، ملوحًا خصوصًا باستهداف منشأة تحت الأرض تعرف في التقارير الغربية والإسرائيلية باسم «جبل الفأس»، قرب نطنز.
وتعتقد إسرائيل، وفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أن إيران نقلت أجهزة طرد مركزي إلى المنشأة، لكن طبيعة النشاط داخلها ومدى تشغيلها لم يُحسما بصورة مستقلة. كما لا توجد معلومات علنية مؤكدة تثبت نقل مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب إليها.
وكانت واشنطن قد استأنفت في 14 يوليو/تموز فرض حصار بحري على حركة السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، بعد جولة سابقة بدأت في أبريل/نيسان، ضمن حملة عسكرية واقتصادية تهدف إلى الحد من صادرات إيران وقدراتها العسكرية.
وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن الحصار «فعال» ويمكن مواصلة الضغط من خلاله، مقدرًا كلفة العمليات ضد إيران بنحو 37.5 مليار دولار، بحسب إفادة نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية عن جلسة في مجلس الشيوخ. وأضاف أن الولايات المتحدة لا تستطيع تدمير كل زورق أو صاروخ إيراني، لكنها قادرة على الاستمرار في تقليص قدرات طهران وفرض قيود على موانئها.
وفي السياق ذاته، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، إن القيادة المركزية تعمل باستمرار لمنع إيران من ترهيب القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، في ظل تعرض قواعد ومنشآت أميركية وحليفة لهجمات متكررة.
طهران: الحقوق النووية ليست موضع تنازل
في المقابل، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده تواصل إدارة ملفاتها السياسية والعسكرية تحت قيادة المرشد مجتبى خامنئي، مشددًا على أن الدخول في مفاوضات مع واشنطن لا يعني تخلي إيران عن حقوقها.
وقال بزشكيان إن مستوى التواصل مع خامنئي، الذي لم يظهر علنًا منذ إصابته في بداية الحرب، يتزايد يومًا بعد يوم، وإن الحكومة تعمل على معالجة الأزمات وفق توجيهاته.
وهددت القيادة العسكرية الإيرانية، ممثلة بمقر «خاتم الأنبياء»، بأن أي استهداف أميركي جديد للمنشآت النووية أو المراكز الحساسة سيُعد توسيعًا للحرب، وسيجعل المصالح الأميركية ومصالح حلفائها أهدافًا للقوات الإيرانية.
كما قال متحدث عسكري إيراني إن قدرات الردع الإيرانية امتدت إلى ما وراء حدود البلاد، بما يجعل اقتراب أي قوات برية مهاجمة أمرًا بالغ الصعوبة. وأعلن الجيش الإيراني إسقاط طائرة مسيّرة وصفها بـ«المعادية» غربي البلاد، من دون تقديم أدلة مستقلة بشأن هويتها أو مكان انطلاقها.
إسرائيل تفضّل الانتظار
على الجانب الإسرائيلي، عقد المجلس الوزاري المصغر اجتماعًا استمر ساعات لبحث احتمال توسيع ترامب حملته العسكرية، والسيناريوهات التي قد تدفع إسرائيل إلى العودة للمشاركة المباشرة.
ووفق تقارير إسرائيلية، يتبلور موقف يفضّل عدم الانضمام إلى هجمات أميركية محدودة، والاكتفاء في المرحلة الحالية بمراقبة التطورات وترك الضغوط العسكرية والاقتصادية تتراكم على القيادة الإيرانية.
لكن هذا الموقف قد يتغير في حال تعرض إسرائيل لهجوم إيراني مباشر، أو قررت واشنطن شن عملية كبيرة تستهدف بصورة واسعة البرنامج النووي والصواريخ والبنية العسكرية الإيرانية.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين قولهم إنهم لا يريدون الدخول في جولة قصيرة ثم مطالبتهم بوقفها بعد أيام، بل يفضلون، في حال المشاركة، عملية منسقة وواسعة ذات أهداف واضحة.
كما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن إسرائيل ترى أن قرار توسيع الحرب بات بيد ترامب، وأن ضربة أميركية لـ«جبل الفأس» قد تنقل المواجهة من عمليات محدودة إلى حرب أوسع. وفي المقابل، أفادت تقارير أخرى بأن مسؤولين إسرائيليين يعتبرون استمرار الحصار والضغط الاقتصادي الأميركي خيارًا يخدم مصالحهم من دون تحميل تل أبيب مسؤولية دفع واشنطن إلى الحرب.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، تكتفي إسرائيل حاليًا بالمراقبة، لكنها مستعدة للتدخل إذا استهدفت إيران أراضيها أو منشآتها. ويعكس هذا الموقف رغبة في تجنب عملية جزئية، مقابل الاستعداد لرد واسع إذا اتسعت المواجهة.
بريطانيا تسمح باستخدام قواعدها دفاعيًا
وفي بريطانيا، وافقت الحكومة الجديدة برئاسة آندي بيرنهام، بحسب تقارير صحافية بريطانية، على استمرار استخدام الولايات المتحدة قواعد عسكرية بريطانية لتنفيذ عمليات توصف بأنها «دفاعية» ضد التهديدات الإيرانية.
ويمثل ذلك استمرارًا للسياسة التي اتبعها رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، الذي سمح باستخدام القواعد في عمليات دفاعية، مع التأكيد آنذاك أن القوات البريطانية لا تشارك في الهجمات الأميركية والإسرائيلية داخل إيران. ولم يصدر بيان حكومي بريطاني مفصل يحدد نطاق التفويض الجديد أو الأهداف المسموح بضربها.
لبنان حاضر في حسابات التصعيد
وتزامنت التطورات مع استقبال ترامب الرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، حيث بحث الجانبان تنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني.
وقال عون إن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ضروري لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة من بسط سلطتها، فيما تعهد ترامب بمواصلة دعم الجيش اللبناني ودفع تنفيذ الانسحاب التدريجي من مناطق في الجنوب.
وبدأ الجيش اللبناني الانتشار في بلدة زوطر الغربية بعد انسحاب إسرائيلي منها، في أول اختبار ميداني للمناطق التجريبية المنصوص عليها في الاتفاق. غير أن الجيش اللبناني قال إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار قرب وحداته خلال عملية الانتشار، ما أبرز هشاشة التفاهمات واحتمال تعثرها إذا استمرت الاحتكاكات.
مفترق بين الهدنة والتوسع
تتزامن التهديدات العسكرية مع تحركات يقودها وسطاء إقليميون للتوصل إلى هدنة مؤقتة، وسط تقارير عن مقترح لوقف إطلاق النار عشرة أيام، يتيح التفاوض بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي.
وبذلك تقف المواجهة أمام مسارين: إما العودة إلى تفاوض محدود يستند إلى مذكرة يونيو/حزيران، أو توسيع الحرب بضرب منشآت نووية إيرانية جديدة، وهو خيار تهدد طهران بالرد عليه باستهداف المصالح الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
ولا تزال حسابات إسرائيل جزءًا أساسيًا من المشهد، لكنها تبدو في الوقت الحالي أقرب إلى الانتظار، ما دامت الولايات المتحدة تتحمل العبء العسكري والاقتصادي، مع إبقاء خيار التدخل مفتوحًا إذا تعرضت لهجوم مباشر أو تحولت العمليات الأميركية إلى حملة واسعة.
