تشهد منظومة الإسعاف والطوارئ والنقل الطبي في قطاع غزة تدهوراً خطيراً وغير مسبوق بسبب الحصار الإسرائيلي المشدد، ومنع إدخال سائر المستلزمات اللازمة لتشغيل وصيانة مركبات الإسعاف ومركبات الخدمات الصحية. وقد أدى ذلك إلى تراجع خطير في قدرة الطواقم الطبية على الاستجابة للحالات الطارئة، والوصول إلى الجرحى والمرضى في الوقت المناسب، وتقديم خدمات الإسعاف المنقذة للحياة في وقت يشهد فيه القطاع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والصحية في تاريخه، مع استمرار ارتفاع أعداد الجرحى والمرضى، واتساع رقعة الدمار، وتزايد الاحتياجات الطبية بصورة غير مسبوقة. ويأتي هذا التدهور في سياق الاستهداف المنهجي الذي تعرضت له المنظومة الصحية منذ أكتوبر 2023، والذي شمل تدمير المستشفيات والمراكز الصحية ومركبات الإسعاف، وفرض قيود مشددة على إدخال الأدوية والمعدات الطبية والوقود والمستلزمات التشغيلية، فضلاً عن استهداف أفراد الطواقم الطبية وقتل أكثر من (1700) منهم، واعتقال أكثر من (330) آخرين، لا يزال (88) منهم في السجون الإسرائيلية1 . وقد أسهمت هذه السياسات مجتمعة في تقويض قدرة القطاع الصحي على أداء وظائفه الأساسية، وتهدد بحرمان المدنيين من الخدمات الطبية المنقذة للحياة.
ووفقاً لمتابعات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تتولى تقديم خدمات الإسعاف والنقل الطبي في قطاع غزة أربع جهات رئيسية، هي: وزارة الصحة الفلسطينية، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وجهاز الدفاع المدني، والخدمات الطبية، إلى جانب عدد من الجمعيات الأهلية العاملة في المجال الصحي والإغاثي. وتشكل هذه الجهات مجتمعة الركيزة الأساسية للاستجابة الطبية الطارئة، ويعتمد عليها مئات آلاف المدنيين، ولا سيما الجرحى والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة. ومن ثم، فإن أي استهداف لهذه المنظومة أو عرقلة لعملها أو تعطيل لقدرتها التشغيلية لا يقتصر أثره على مؤسسة بعينها، وإنما ينعكس على قدرة القطاع الصحي بأكمله على إنقاذ الأرواح والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة.
وقد أفاد السيد محمد أبو سمك، رئيس قسم التخطيط بوحدة الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة بغزة، لباحث المركز، بأن نحو 65% من مركبات الوزارة خرجت عن الخدمة نتيجة الاستهداف المباشر، وتراكم الأعطال الفنية الناجمة عن منع إدخال مستلزمات الصيانة وقطع الغيار. وأوضح أن الوزارة تمتلك (114) مركبة إسعاف، خرجت منها (39) مركبة عن الخدمة بصورة كاملة، فيما تحتاج (35) مركبة أخرى إلى صيانة عاجلة، الأمر الذي أدى إلى تراجع القدرة التشغيلية لخدمات الإسعاف إلى مستويات تنذر بالعجز عن الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للجرحى والمرضى في مختلف أنحاء القطاع. وتعاني المركبات المتبقية نقصاً حاداً في مستلزمات التشغيل، إذ تعمل (26) مركبة بوقود السولار، في حين تعمل (14) مركبة بالبنزين، مع محدودية شديدة في توافره، بما يهدد بتوقفها في أي وقت. وأضاف أن الوزارة فقدت كذلك جزءاً كبيراً من قدرتها اللوجستية، بعد خروج (100) مركبة خدماتية عن الخدمة، من بينها (30) مركبة تعرضت لأضرار جسيمة يتعذر إصلاحها في ظل استمرار منع إدخال قطع الغيار، فيما تحتاج (80) مركبة أخرى إلى صيانة عاجلة.
وامتدت الأزمة الحالية إلى حافلات شركات النقل الخاصة المتعاقدة مع وزارة الصحة، والتي تعمل منذ أشهر دون صيانة دورية، ما ينذر بتوقفها الكامل ويزيد من صعوبة نقل المرضى والكوادر الطبية بين المستشفيات. وتجدر الإشارة إلى أن طواقم وزارة الصحة تنفذ أسبوعياً نحو (5000) مهمة لنقل المرضى والجرحى والكوادر الطبية، إضافة إلى نحو (140) مهمة لنقل الأدوية والمستلزمات الطبية بين المستشفيات والمرافق الصحية، الأمر الذي يجعل استمرار تعطل هذه المركبات تهديداً مباشراً لاستمرار الخدمات الصحية الأساسية، ولا سيما خدمات الإسعاف والإخلاء الطبي للحالات الحرجة.3
ولا تختلف أوضاع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، باعتبارها أحد المكونات الرئيسية لمنظومة الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة، عن واقع بقية مقدمي خدمات الإسعاف.
فقد أفاد الأستاذ رائد النمس، المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة، لباحث المركز، بأن الجمعية كانت تمتلك منذ بداية العدوان (99) مركبة إسعاف، لم يتبق منها في الخدمة سوى (41) مركبة فقط، منها (19) مركبة تعمل بوقود السولار وتؤدي مهام الإسعاف والطوارئ، و(22) مركبة تعمل بالبنزين بقدرة تشغيلية محدودة، وتستخدم بصورة رئيسية في أعمال التنسيق ونقل المرضى إلى المعابر، بسبب النقص الحاد في البنزين. وأوضح النمس أن (58) مركبة إسعاف خرجت عن الخدمة، من بينها (31) مركبة نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المباشر، فيما تعطلت (27) مركبة أخرى بسبب أعطال ميكانيكية جسيمة تعذر إصلاحها في ظل استمرار منع إدخال قطع الغيار والمستلزمات الفنية اللازمة للصيانة. كما تضررت القدرات اللوجستية للجمعية بصورة كبيرة، إذ كانت تمتلك (66) مركبة وآلية إدارية وخدماتية، لم يتبق منها سوى (40) مركبة في الخدمة، تعمل (28) منها فقط بوقود السولار، بينما توقفت (12) مركبة بسبب عدم توفر البنزين، في حين خرجت (26) مركبة وآلية نهائياً عن الخدمة نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المباشر.
وتعكس هذه المعطيات أن الأزمة لم تعد تقتصر على سيارات الإسعاف، وإنما امتدت لتطال المركبات والآليات المساندة التي يعتمد عليها تشغيل الخدمات الطبية والإغاثية، بما يقوض قدرة الطواقم على الاستجابة الفاعلة للحالات الطارئة، ويحد من إمكانية نقل الجرحى والمرضى والإمدادات الطبية في الوقت المناسب.
ووفقاً للمعلومات التي حصل عليها باحث المركز من اللجنة الوطنية العليا للإسعاف، تمتلك الخدمات الطبية (30) مركبة إسعاف، لم يعد يعمل منها سوى (8) مركبات فقط، منها (6) مركبات تعمل بوقود السولار ومركبتان تعملان بالبنزين، فيما خرجت 22 مركبة عن الخدمة نتيجة الاستهداف أو الأعطال الفنية.
أما جهاز الدفاع المدني، الذي يضطلع بدور محوري في عمليات الإنقاذ والإخلاء والاستجابة للحالات الطارئة، فيمتلك (17) مركبة إسعاف، لا يعمل منها حالياً سوى (10) مركبات، وهو ما يعكس التراجع في قدرته على مواصلة أداء مهامه الإنسانية، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال الوقود ومستلزمات الصيانة .5
وتكشف هذه الوقائع عن تراجع غير مسبوق في القدرة التشغيلية لمختلف مقدمي خدمات الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة، بما يشمل وزارة الصحة، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، والخدمات الطبية، وجهاز الدفاع المدني. كما تؤكد أن استمرار منع إدخال زيوت المحركات والإطارات والبطاريات وقطع الغيار وسائر مستلزمات التشغيل والصيانة ينذر بتوقف فعلي لخدمات الإسعاف والطوارئ، الأمر الذي يهدد بحرمان مئات آلاف المدنيين من الوصول إلى الرعاية الطبية العاجلة، ويضاعف من أعداد الوفيات والإصابات التي كان بالإمكان تفاديها لو توفرت الإمكانات التشغيلية الأساسية. وفي بيان سابق للمركز، أكد أ. محمود حماد، مدير عام الشؤون الإدارية بوزارة الصحة، بأن وزارة الصحة تواجه عجزاً حاداً في زيوت المحركات، حيث وصل رصيدها في المستودعات إلى (صفر)، وهو ما يضع خدمات الطوارئ والنقل الطبي أمام خطر التوقف التام .6
ولا تمثل هذه الإجراءات مجرد إخفاق في توفير الاحتياجات التشغيلية لمنظومة الإسعاف والطوارئ، وإنما تشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بالنظر إلى ما يترتب عليها من تعطيل لقدرة المرافق الطبية ووسائل النقل الطبي على أداء وظائفها الإنسانية، وحرمان المدنيين من الوصول إلى الرعاية الصحية العاجلة والمنقذة للحياة.
وبصفتها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل إسرائيل التزاماً قانونياً بضمان توفير الرعاية الصحية والإمدادات الطبية للسكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفقاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وتُلزم المادتان (55) و(56) من الاتفاقية سلطة الاحتلال بضمان تزويد السكان بالإمدادات الطبية الكافية، وضمان استمرار عمل المستشفيات والخدمات والمؤسسات الصحية واتخاذ التدابير اللازمة لصون الصحة العامة، فيما تحظر المادة (33) فرض العقوبات الجماعية أو اتخاذ أي تدابير انتقامية بحق السكان المدنيين المحميين. ومن ثم، فإن استمرار منع إدخال الإطارات والبطاريات وقطع الغيار والزيوت وسائر المستلزمات اللازمة لتشغيل وصيانة مركبات الإسعاف، رغم الحاجة الإنسانية الملحة إليها، لا يمثل مجرد امتناع عن الوفاء بهذه الالتزامات، وإنما يؤدي عملياً إلى شل قدرة منظومة الإسعاف والطوارئ على أداء وظائفها الأساسية، ويحول دون وصول الجرحى والمرضى إلى الرعاية الطبية في الوقت المناسب، بما يزيد من احتمالات الوفاة وتفاقم الإصابات والمعاناة الإنسانية.حسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
وتحظى مركبات الإسعاف والطواقم الطبية والوحدات الصحية بحماية خاصة بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الذي يوجب احترامها وحمايتها وضمان عدم عرقلة عملها أو تعطيل قدرتها على أداء مهامها الإنسانية. ولا تقتصر هذه الحماية على حظر الاستهداف المباشر، وإنما تمتد إلى حظر اتخاذ أي إجراءات من شأنها إفراغ هذه الحماية من مضمونها العملي، بما في ذلك منع الوسائل والمستلزمات الضرورية لاستمرار تشغيل خدمات الإسعاف والنقل الطبي.
كما يشكل تعطيل منظومة الإسعاف والنقل الطبي انتهاكاً مباشراً للحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة، المكفول بموجب المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966. وقد أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في تعليقها العام رقم (14)، أن هذا الحق يقتضي ضمان توافر الخدمات الصحية وإمكانية الوصول إليها فعلياً وفي الوقت المناسب، ولا سيما خدمات الطوارئ والرعاية الطبية العاجلة، وهو ما يتعذر تحقيقه في ظل استمرار تعطيل وسائل النقل الطبي ومنع توفير مستلزمات تشغيلها وصيانتها.
وإذ يُنظر إلى هذه الممارسات في سياق الاستهداف الواسع والمتواصل للمنظومة الصحية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، بما يشمل استهداف المستشفيات والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، ومنع إدخال الأدوية والمعدات الطبية والوقود ومستلزمات التشغيل والصيانة، فإنها قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لكونها تنطوي على استهداف أو تعطيل وسائل النقل الطبي، وعرقلة وصول الخدمات الطبية المنقذة للحياة، وحرمان السكان المدنيين من المواد والخدمات التي لا غنى عنها لبقائهم.كما ذكر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
كما أن إخضاع سكان قطاع غزة، بصورة متعمدة، لظروف معيشية تؤدي إلى تقويض مقومات بقائهم، بما في ذلك الحرمان المنهجي من الخدمات الطبية الأساسية وتعطيل منظومة الإسعاف والطوارئ، يستوفي أركان الأفعال المنشِئة لجريمة الإبادة الجماعية، تحديداً ما نصت عليه المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، والتي تحظر “إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً”.وفقا للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
وقال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان "إن استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال مستلزمات تشغيل وصيانة مركبات الإسعاف والنقل الطبي، في ظل التدمير الواسع الذي طال المنظومة الصحية منذ أكتوبر 2023، يهدد بانهيار فعلي لخدمات الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة، ويعرض حياة مئات الآلاف من المدنيين لخطر جسيم، ولا سيما الجرحى والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة. كما أن استمرار المجتمع الدولي في الإخفاق في اتخاذ تدابير فعالة لوقف هذه الانتهاكات يوفر بيئة تسمح باستمرار الإفلات من العقاب، ويشجع على مواصلة ارتكاب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. "
وطالب المركز الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف بالوفاء بالتزاماتها القانونية، واتخاذ تدابير فعالة لضمان احترام إسرائيل لالتزاماتها بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، وإلزامها بالرفع الفوري للحصار غير القانوني، والسماح دون قيد أو شرط بإدخال جميع المستلزمات اللازمة لتشغيل وصيانة مركبات الإسعاف والنقل الطبي، إلى جانب الأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية، بما يكفل استمرار عمل المنظومة الصحية.
ودعا المركز منظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسائر وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، إلى التدخل العاجل لتوفير الدعم الفني واللوجستي اللازم للحفاظ على استمرارية خدمات الإسعاف والطوارئ، بما يشمل توفير مركبات إسعاف جديدة، وقطع الغيار، والإطارات، والبطاريات، والزيوت، وسائر المستلزمات التشغيلية الضرورية.
وطالب بضمان الحماية الفعلية لجميع مقدمي خدمات الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة، بمن فيهم وزارة الصحة، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وجهاز الدفاع المدني، والخدمات الطبية، والجمعيات الأهلية العاملة في المجال الصحي، وضمان حماية طواقمهم ومركباتهم ومنشآتهم، وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني، ومساءلة المسؤولين عن أي اعتداءات تطالهم.
وأكد المركز أن استمرار منع دخول المستلزمات اللازمة لتشغيل وصيانة مركبات الإسعاف والنقل الطبي، إلى جانب الأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية يعتبر انتهاكاً صارخاً وتحدياً صريحاً للتدابير المؤقتة الملزمة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بتاريخ 26 يناير و28 مارس و24 مايو 2024، وكذلك الأمر الصادر في 16 مايو 2025، والتي ألزمت إسرائيل باتخاذ إجراءات فورية لضمان وصول الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية بما فيها الرعاية الصحية.
ودعا الدول الأطراف في نظام روما الأساسي إلى تقديم كل أشكال الدعم لعمل المحكمة الجنائية الدولية، وضمان تنفيذ أوامرها وقراراتها، والتعاون الكامل مع التحقيقات المتعلقة بالجرائم المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يسهم في مكافحة الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا.
