حمّلت الرئاسة الفلسطينية حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن التصعيد المتسارع في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، محذرة من أن استمرار اعتداءات الجيش والمستوطنين، وما يرافقها من قتل وحرق وتدمير للممتلكات وتوسيع للاستيطان، يدفع الأوضاع نحو انفجار قد تمتد تداعياته إلى المنطقة بأسرها.
وجاء موقف الرئاسة الجمعة 24 تموز/ يوليو 2026 عقب الأحداث الدامية في قرية تل جنوب غرب نابلس، التي أسفرت، وفق الحصيلة الرسمية الواردة في بيانها، عن استشهاد أربعة فلسطينيين من عائلة واحدة وإصابة آخرين بجروح خطيرة، قبل أن تمتد هجمات المستوطنين إلى عدد من القرى والبلدات في محافظات نابلس وقلقيلية ورام الله والبيرة وجنين والخليل.
وأدانت الرئاسة ما وصفته بـ«الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال والمستوطنون الإرهابيون» بحق الفلسطينيين، مشيرة إلى الاعتداءات التي شهدتها بلدات وقرى عوريف وصرة وإماتين وفرعتا وإمريحة ومسافر يطا، إلى جانب اقتحام مستشفى نابلس التخصصي والاعتداء على طواقمه واعتقال مواطنين من داخله.
وقالت إن حكومة الاحتلال توفر للمستوطنين الحماية السياسية والعسكرية والدعم المالي، وتتيح لهم تنفيذ هجمات تهدف إلى ترهيب السكان الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم ودفعهم نحو التهجير القسري.
وبحسب الرئاسة، أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين منذ بداية العام الجاري عن استشهاد 87 فلسطينياً في الضفة الغربية، بينهم 21 برصاص المستوطنين.
إدانة قرارات نتنياهو وكاتس
وانتقدت الرئاسة القرارات التي أعلنها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس عقب أحداث تل، وفي مقدمتها تعزيز القوات العسكرية، وتشديد الحصار على نابلس ومحيطها، وتوسيع عمليات المداهمة والاعتقال، وتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وإقامة بؤر جديدة.
ورأت أن هذه الإجراءات تؤكد استخدام الحوادث الميدانية ذريعة لتوسيع الاستيطان وفرض مزيد من الوقائع على الأرض، بدلاً من وقف هجمات المستوطنين والتحقيق في الجرائم التي يرتكبونها بحق المدنيين الفلسطينيين.
وطالبت الرئاسة الإدارة الأميركية بالتدخل لإلزام إسرائيل بوقف التصعيد واعتداءات المستوطنين، كما دعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وتوفير حماية دولية للفلسطينيين ومساءلة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
وحذرت من أن بقاء المجتمع الدولي في دائرة الإدانة اللفظية، من دون إجراءات عملية، سيشجع حكومة الاحتلال والمستوطنين على تصعيد هجماتهم.
اتصالات عربية ودولية يجريها حسين الشيخ
وفي إطار التحرك السياسي الفلسطيني، أجرى نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ اتصالات عاجلة مع مسؤولين عرب ودوليين، لحثهم على التدخل والضغط من أجل وقف اعتداءات المستوطنين والجيش الإسرائيلي.
وقال الشيخ إن اتصالاته جاءت عقب تصاعد عمليات القتل وإحراق الأراضي والمزروعات وسرقة المواشي وقطع الأشجار في تل ودير جرير والمغير وبيت فوريك وغيرها من القرى والمخيمات.
ووصف ما يجري بأنه «استباحة غير مسبوقة للبشر والشجر والحجر»، محذراً من عواقب استمرار الهجمات المنظمة، ومطالباً بتوفير الحماية للفلسطينيين واتخاذ خطوات دولية عاجلة لوقف الاعتداءات.
الخارجية: الرواية الإسرائيلية غطاء للحصار والاستيطان
من جهتها، رفضت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية الرواية الإسرائيلية بشأن أحداث تل، معتبرة أنها تهدف إلى تحويل المعتدي إلى ضحية وتبرير تشديد الحصار والإغلاقات على المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.
وقالت الوزارة إن الخطاب الإسرائيلي يستخدم لتبرير تقطيع أوصال الضفة بالحواجز والطرق المنفصلة، وتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات القائمة وإنشاء مستوطنات جديدة.
وحذرت من توظيف التصعيد وخطاب التحريض في المنافسة السياسية والانتخابية داخل إسرائيل، مشيرة إلى أن تصريحات مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية تهيئ البيئة السياسية والإعلامية لتوسيع العمليات العسكرية والتهجير القسري.
واعتبرت الخارجية أن أحداث تل تعكس تكاملاً في الأدوار بين قوات الاحتلال والمستوطنين، ضمن سياسة رسمية تستهدف المدنيين الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
وطالبت بفرض عقوبات على منظومة الاستيطان ورموزها، ووقف مصادر تمويلها، ومنع دخول منتجات المستوطنات إلى الأسواق الدولية، ومقاطعة الشركات والمؤسسات التي تساند المشروع الاستيطاني.
كما دعت إلى تفعيل الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن اعتداءات المستوطنين والقادة الذين يوفرون لهم الحماية والدعم.
المجلس الوطني: الإرهاب الاستيطاني أداة رسمية
وقال رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح إن الاعتداءات في الضفة لم تعد حوادث منفصلة، بل تحولت إلى سياسة منظمة للتهجير والتطهير العرقي وفرض الوقائع بالقوة.
واعتبر أن أحداث تل تمثل دليلاً على الشراكة بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في تنفيذ اعتداءات ترقى، بحسب وصفه، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأضاف أن الصمت الدولي لم يعد موقفاً محايداً، بل أصبح غطاءً لاستمرار الانتهاكات وتقويض العدالة الدولية، داعياً إلى ملاحقة قادة الاحتلال والتنظيمات الاستيطانية المسلحة ومحاسبتهم.
وفي السياق ذاته، قالت دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني في منظمة التحرير إن تصاعد اعتداءات المستوطنين يرتبط بالحماية السياسية والقانونية والعسكرية التي تقدمها حكومة الاحتلال.
وأشارت الدائرة في بيانها إلى استشهاد أربعة فلسطينيين في تل، وهي حصيلة تختلف عن الحصيلة الرسمية التي أعلنتها الرئاسة ووزارة الصحة والبالغة أربعة شهداء. ولم يتضمن البيان توضيحاً لسبب الاختلاف أو هوية شهيد خامس.
وطالبت الدائرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف باتخاذ إجراءات فورية لوقف الاعتداءات وتوفير الحماية الدولية، كما دعت المحكمة الجنائية الدولية إلى تسريع إجراءات التحقيق والملاحقة.
«فتح»: مرحلة أكثر تنظيماً في استهداف الضفة
وحمّلت حركة «فتح» حكومة نتنياهو ووزيريها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش المسؤولية عن اعتداءات المستوطنين، معتبرة أنها توفر لهم الحماية والإسناد السياسي والعسكري.
وقالت الحركة إن الهجمات في تل وبيت فوريك ودير جرير والمغير وجيت تأتي ضمن مشروع واحد يستهدف الأرض والسكان والمقدسات الفلسطينية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة والاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى.
ووفق بيان «فتح»، أسفرت الأحداث الأخيرة عن استشهاد أربعة فلسطينيين في تل، واثنين في بيت فوريك، وشهيد في جنين، واثنين في دير جرير، وشهيد في المغير، إضافة إلى عشرات الإصابات.
ودعت الحركة إلى تعزيز لجان الحراسة والإسناد الشعبي في القرى والبلدات، وتوحيد جهود القوى والفصائل والمؤسسات الفلسطينية لحماية السكان والممتلكات والأراضي.
كما طالب المجلس الثوري لحركة «فتح» بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، وفرض عقوبات على المسؤولين عن اعتداءات المستوطنين وكل من يوفر لهم الحماية أو الدعم.
وحذر المجلس من أن الضفة الغربية تتعرض لحملة قتل وحرق وتهجير متصاعدة، بالتزامن مع استمرار الحرب والدمار في قطاع غزة وسياسات الاستيطان والتهويد في القدس.
الفصائل تدعو إلى توسيع الحماية الشعبية
وجدّدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دعوتها إلى تشكيل لجان حماية شعبية في مختلف مناطق الضفة الغربية، معتبرة أن التصدي لهجمات المستوطنين أصبح ضرورة ميدانية لحماية القرى والأراضي والمنازل.
وأشادت الجبهة بعملية إطلاق النار التي وقعت قرب تل، ووصفتها بأنها رد على اعتداءات المستوطنين والجيش الإسرائيلي.
بدورها، دعت نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ماجدة المصري إلى إعلان التعبئة الوطنية العامة وتشكيل قيادة وطنية موحدة لمواجهة تصاعد الاعتداءات.
وقالت المصري إن المرحلة المقبلة، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، قد تشهد مزيداً من التصعيد، معتبرة أن قوى اليمين الإسرائيلي قد تستخدم الدم الفلسطيني لتحقيق مكاسب انتخابية.
كما قالت جبهة النضال الشعبي إن الهجوم على تل جاء ضمن ما وصفته بـ«إرهاب منظم بقرار سياسي»، واتهمت الحكومة الإسرائيلية بتسليح المستوطنين وتحويلهم إلى ميليشيات تعمل على تنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين.
وطالبت الجبهة المجتمع الدولي بسحب أسلحة المستوطنين ومحاسبتهم وإدراج الجماعات المتورطة في الاعتداءات على قوائم الإرهاب الدولية.
حماس والجهاد الإسلامي تتوعدان بمواصلة المقاومة
وقال رئيس حركة حماس في الضفة الغربية زاهر جبارين إن الفلسطينيين لن يرضخوا لما وصفه بالإرهاب المنظم الذي ترعاه حكومة نتنياهو، مؤكداً استمرار المقاومة في مواجهة الاحتلال.
ودعا جبارين الدول العربية والإسلامية إلى مقاطعة إسرائيل، وطالب الدول الغربية بفرض عقوبات على المستوطنين وشن حملة مقاطعة ضدهم.
كما أشاد بتصدي سكان تل للمستوطنين، وقال إن الضفة الغربية ستواصل مواجهة خطط بن غفير وسموتريتش الرامية إلى توسيع الاستيطان وإضعاف الوجود الفلسطيني.
ونعت حركة الجهاد الإسلامي شهداء تل، قائلة إنهم قُتلوا خلال تصديهم لهجوم المستوطنين، وأشادت بانتزاع أحد الفلسطينيين سلاح مسؤول أمن إسرائيلي وإطلاق النار باتجاهه ومن كانوا برفقته.
واعتبرت الحركة أن ما وقع يمثل «دفاعاً مشروعاً»، ودعت القوى الفلسطينية إلى توحيد صفوفها وتوسيع المواجهة في نقاط التماس.
وقال عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي علي أبو شاهين إن التصعيد في الضفة يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، داعياً إلى وحدة سياسية وميدانية فلسطينية وتحرك عربي وإسلامي يتجاوز بيانات الإدانة.
منظمة التعاون الإسلامي تدعو للمحاسبة
على الصعيد الإقليمي، أدانت منظمة التعاون الإسلامي تصاعد اعتداءات المستوطنين والعمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ولا سيما في تل ودير جرير، معتبرة أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية.
وقالت المنظمة إن إحراق المنازل والأراضي الزراعية وسرقة المواشي وتدمير الممتلكات تأتي في سياق خطط للتهجير القسري والتطهير العرقي.
ودعت مجلس الأمن والمحاكم والهيئات القضائية الدولية إلى محاسبة المسؤولين وتوفير حماية دولية للفلسطينيين، وحثت الدول على اتخاذ خطوات ضد منظومة الاحتلال والاستيطان وكياناتها غير القانونية.
ألبانيز: الهجمات المميتة يجب أن تتوقف
وقالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز إن المستوطنين الإسرائيليين يصعدون هجماتهم المميتة ضد الفلسطينيين العزل في الضفة الغربية.
ودعت إلى وقف الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، مشيرة إلى أحداث تل وفرعتا، وإلى الخطاب العلني الصادر عن قادة المستوطنين والمسؤولين الإسرائيليين.
الأردن يحذر من صراع إقليمي أوسع
وحذر نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي من أن الحكومة الإسرائيلية تدفع الضفة الغربية نحو الانفجار.
وقال الصفدي إن الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة والقدس، بما فيها المساس بالوضع التاريخي والقانوني للمقدسات، تمثل إجراءات غير قانونية واستفزازات خطيرة.
وأكد أن استمرار هذه السياسات قد يدفع المنطقة إلى صراع جديد تتجاوز تداعياته الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل قبل فوات الأوان.
تصعيد سياسي وميداني مفتوح
تتزامن المواقف الفلسطينية والعربية والدولية مع استعداد الجيش الإسرائيلي لتوسيع عملياته في نابلس ومناطق أخرى من الضفة، وتعزيز قواته وإقامة مزيد من الحواجز وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
كما تثير القرارات الإسرائيلية المتعلقة بشرعنة البؤر الاستيطانية وإنشاء بؤر جديدة مخاوف من استغلال الأحداث الميدانية لتسريع ضم الأراضي وتوسيع السيطرة الاستيطانية.
وفي ظل استمرار الهجمات والعمليات العسكرية، تتصاعد الدعوات الفلسطينية إلى حماية القرى وتشكيل لجان شعبية، بالتوازي مع تحركات سياسية تهدف إلى دفع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى فرض إجراءات عملية توقف اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني.
