ضياعُ الفرصةِ غُصَّة... التصعيدُ بالتصعيد وتحولاتُ معادلاتِ الردع في الإقليم.

بقلم: عدنان عبدالله الجنيد

عدنان عبدالله الجنيد..jpg

 عدنان عبدالله الجنيد

تحولات الصراع وإعادة رسم قواعد الاشتباك

في تاريخ الصراعات الكبرى، لا تُقاس التحولات بعدد الضربات المتبادلة، بل بقدرة كل طرف على إعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض معادلات جديدة.

فالحروب الحديثة لم تعد تُدار بالسلاح وحده، بل أصبحت ساحاتٍ تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والطاقة والإعلام، بحيث تتحول كل خطوة ميدانية إلى رسالة استراتيجية تتجاوز حدود الميدان. ومن هذا المنطلق، تبدو التطورات المتسارعة في المنطقة جزءًا من مرحلة جديدة تتسم بتبدل أدوات الردع واتساع دوائر التأثير، حيث امتدت المواجهة من البحر الأحمر إلى عمق الاقتصاد السعودي، في سياق ما تصفه الجهات اليمنية بأنه إسنادٌ للشعب الفلسطيني في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس.

البحر الأحمر... سقوط الهيبة الأمريكية والإسرائيلية

لقد أثبتت الأحداث – وفق هذه القراءة – أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعرضتا لفشلٍ واضح في البحر الأحمر؛ إذ أنفقت واشنطن عشرات المليارات من الدولارات، وأرسلت حاملات الطائرات، وشكلت تحالف «حارس الازدهار»، لكنها لم تتمكن من وقف الهجمات التي تبنتها القوات اليمنية، والتي توسعت جغرافيًا وازدادت حدتها.

وتراجعت حركة الملاحة بنسبة تجاوزت 50%، وخسرت الولايات المتحدة تسع طائرات مسيرة من طراز MQ-9، كما تعرضت سفن غربية للاستهداف في البحر الأحمر، وأُعلن عن استهداف 228 سفينة مرتبطة بالكيان الصهيوني.

ومع هذا المشهد، يبرز سؤالٌ محوري: لماذا يظل النظام السعودي متمسكًا بتحالف دفاعي مع طرفٍ يرى هذا الطرح أنه أخفق في تحقيق أهدافه العسكرية، بدلًا من استثمار هذه اللحظة لفرض شروطه على واشنطن من موقع قوة؟

الفرصة الضائعة... عندما تتغلب الحسابات الآنية على الرؤية الاستراتيجية

تكشف تجارب الصراعات الممتدة أن الفرص السياسية غالبًا ما تكون أقل كلفة من استمرار المواجهات، غير أن هذه الفرص قد تضيع عندما تتغلب الحسابات الآنية على الرؤية الاستراتيجية.

فمنذ عام 2015، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا ضد اليمن، وفرضت حصارًا خانقًا أدى إلى أزمة إنسانية واسعة طالت ملايين اليمنيين. 
ووفق هذه القراءة، فإن استمرار هذا الحصار يخدم المشروع الأمريكي والإسرائيلي عبر إبقاء اليمن في دائرة الاستهداف، وصرف الأنظار عن الجرائم المرتكبة في غزة.

من البحر الأحمر إلى عمق الاقتصاد السعودي

في تطور نوعي، أعلن البيان العسكري الصادر في 25 يوليو/تموز 2026 استهداف منشآت تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع بصواريخ باليستية ومجنحة، إضافة إلى طائرات مسيرة، وذلك ردًا على الغارات الجوية.

وتحمل هذه الخطوة دلالات تتجاوز البعد العسكري إلى رسائل اقتصادية واستراتيجية؛ إذ تُعد جيزان بوابة الطاقة الجنوبية، بينما تمثل ينبع أحد أهم منافذ تصدير النفط عبر البحر الأحمر.

وبذلك، انتقلت معادلة الردع من البحر الأحمر إلى عمق الاقتصاد، تحت شعار «الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد»، حيث لم تعد المواجهة محصورة في خطوط التماس التقليدية، بل امتدت إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة البحرية.

معادلات ردع جديدة في الإقليم

يقدّم هذا الخطاب الصراع بوصفه مواجهة مع مشروع الهيمنة العالمية، ويرى أن النفوذ الأمريكي يمثل المظلة السياسية والعسكرية لاستمرار الحرب.

ومن هذا المنطلق، يُطرح مفهوم الردع باعتباره وسيلة لإعادة صياغة موازين القوة، وإثبات أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لحسم الصراعات إذا واجهه إصرار سياسي طويل النفس، وقدرة على تطوير أدوات التأثير والضغط.

الخلاصة... ضياع الفرصة غُصَّة

ضاعت الفرصة على النظام السعودي – وفق هذه القراءة – ليس بسبب قوة الخصم، بل نتيجة تغليب التبعية على السيادة، والحسابات الآنية على الرؤية الاستراتيجية.

وإذا استمرت دوامة المواجهة، فإن بنك الأهداف قد يتسع، تبعًا لتطورات الصراع، ليشمل ميادين عسكرية واقتصادية ولوجستية أكثر اتساعًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى ستظل الرياض أسيرة لتحالفٍ يراه هذا الطرح عاجزًا عن تحقيق أهدافه؟ وإلى متى سيستمر هذا الحصار، في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، وتتغير فيه موازين القوى الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت