تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً سياسية وعسكرية متزايدة مع استمرار الحرب على إيران من دون ظهور نهاية واضحة لها، في وقت تحولت فيه السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز إلى العقدة الرئيسية التي تحدد مسار التصعيد وفرص العودة إلى المفاوضات.
وحذر وزير الدفاع الأميركي ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق ليون بانيتا من أن الولايات المتحدة باتت في «ورطة كبرى»، مشبهاً المأزق الراهن بالحروب الأميركية الطويلة في فيتنام والعراق وأفغانستان.

وقال بانيتا، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن التاريخ يُظهر أن الحروب المفتوحة لا تنتهي بنتائج جيدة، منتقداً غياب هدف واضح للحملة العسكرية التي يقودها ترامب ضد إيران. وأضاف أن التقديرات الاستخبارية الأميركية تشير إلى أن الغارات المتواصلة لم تنجح في دفع طهران إلى تغيير موقفها التفاوضي.
ورأى بانيتا أن ترامب بات محاصراً بين مواصلة الهجمات، التي لم تحقق تحولاً سياسياً واضحاً، وبين محاولة إيجاد مخرج يوقف الحرب، فيما يدفع الأميركيون ثمناً اقتصادياً متزايداً نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتكاليف المعيشة.
وكان سعر خام برنت قد تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع اتساع نطاق المواجهة وتهديد حركة السفن في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما زاد المخاوف داخل الإدارة الأميركية من تحول الحرب إلى أزمة طاقة تضرب الاقتصاد قبل انتخابات التجديد النصفي.
ترامب يوقف الضربات مؤقتاً ويبقي الهجوم الواسع مطروحاً
وجاءت تحذيرات بانيتا بينما يرسل ترامب رسائل متناقضة بشأن المرحلة المقبلة. فقد كشفت مصادر أميركية أن الرئيس أمر الجيش، الجمعة 24 يوليو/تموز، بعدم تنفيذ ضربات جديدة على إيران، منهياً بذلك سلسلة من الهجمات اليومية استمرت 13 يوماً.
وصدر قرار تعليق الضربات بعد ساعات من وصول وفد عُماني إلى طهران لإجراء محادثات تركز على ترتيبات إعادة فتح مضيق هرمز، ما عزز التكهنات بأن واشنطن تمنح المسار الدبلوماسي فرصة مؤقتة. غير أن القرار لم يُعلن باعتباره وقفاً لإطلاق النار، ولم يتضح ما إذا كان يمثل تحولاً دائماً أم توقفاً تكتيكياً قصيراً.
وكان ترامب قد قال قبل ذلك بيومين إنه يدرس تنفيذ «هجوم ضخم» على إيران يفوق العمليات السابقة حجماً، مؤكداً أن الجيش مستعد، لكنه لم يتخذ قراراً نهائياً. كما واصل التلويح باستئناف حرب واسعة إذا لم تحصل واشنطن على كامل مطالبها من طهران.
وتشير هذه التحركات إلى أن ترامب يحاول الجمع بين الضغط العسكري وفتح نافذة تفاوضية، من دون التخلي عن خيار التصعيد، في ظل تقديرات بأن استمرار الغارات وحده لن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات جوهرية.
إسرائيل تبقي تأهبها مرتفعاً
وفي إسرائيل، استعدت المؤسسة الأمنية لاحتمال تنفيذ هجوم أميركي واسع على إيران، ولرد إيراني قد يشمل إطلاق صواريخ باتجاه الأراضي المحتلة.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، فوجئت تل أبيب بقرار ترامب وقف الضربات المقررة الجمعة، بعدما كانت تتوقع جولة أميركية كبيرة قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي وانضمام إسرائيل مجدداً إلى العمليات إذا استهدفتها إيران.
ورغم تجميد الضربة، بقي مستوى التأهب الإسرائيلي مرتفعاً، استناداً إلى تقدير يفيد بأن إيران قد لا توافق على الشروط الأميركية المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي.

هرمز في قلب المأزق
ويتصدر مضيق هرمز الخلاف بين واشنطن وطهران، بعدما انهارت فعلياً التفاهمات المرحلية التي نصت على إنهاء الحرب وفتح الممر البحري وإطلاق مفاوضات نووية لمدة 60 يوماً.
وكانت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية المعلنة في 17 يونيو/حزيران قد تضمنت إعادة فتح المضيق أمام الملاحة، مقابل إجراءات أميركية شملت تخفيف قيود على صادرات النفط الإيرانية وبدء مسار تفاوضي جديد، إلا أن تبادل الهجمات على السفن والقوات العسكرية أعاد الطرفين إلى المواجهة.
وقال بانيتا إن استعادة واشنطن نفوذها في المفاوضات تتطلب، من وجهة نظره، ضمان حرية المرور في المضيق وعدم ترك السيطرة عليه لإيران، محذراً في الوقت ذاته من أن أي تحرك عسكري لتحقيق ذلك قد يفتح الباب أمام عمليات برية ومواجهة أكثر اتساعاً وتعقيداً.
في المقابل، تؤكد طهران التزامها بضمان مرور السفن وفق الترتيبات التي تعلنها، وترفض إنشاء ممرات بحرية موازية لا تراعي ما تصفه باعتباراتها الأمنية والإستراتيجية. وقال مساعد وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن أي آليات تتجاوز موقف إيران لن تضمن العبور الآمن في المضيق.
إجراءات غربية تعكس حساسية التحركات العسكرية
وفي مؤشر على حساسية التطورات العسكرية المحيطة بالممرات البحرية، وافق الاتحاد الأوروبي على طلب أميركي يقضي بتأخير نشر صور أقمار «سينتينل-1» و«سينتينل-2» التابعة لبرنامج «كوبرنيكوس» فوق منطقة محددة في بحر عُمان لمدة 24 ساعة.
وأوضح القرار الأوروبي الرسمي أن واشنطن قدمت طلبها في 26 مايو/أيار ضمن آلية الاتحاد للاستجابة للتهديدات الفضائية، وأن التأخير يستهدف منع استخدام الصور والبيانات بصورة قد تضر بالمصالح الأمنية للاتحاد الأوروبي أو حلفائه.
خيارات سياسية تضيق أمام ترامب
وتكشف التطورات عن تضاؤل الخيارات المتاحة أمام ترامب؛ فالهجوم الواسع قد يؤدي إلى رد إيراني يوسع الحرب ويضاعف أسعار الطاقة والخسائر العسكرية، بينما قد يُنظر إلى وقف الضربات والعودة إلى التفاوض باعتباره تراجعاً عن الشروط التي أعلنتها واشنطن.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو الضربات المحدودة قادرة على حسم المواجهة أو تغيير حسابات طهران، وفق التقديرات الاستخبارية التي أوردتها «سي إن إن»، ما يضع الإدارة الأميركية أمام حرب استنزاف عسكرية واقتصادية يصعب إنهاؤها من دون تسوية شاملة لقضية هرمز والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية الإقليمية.
وبين التهديد بـ«هجوم ضخم» وتعليق الضربات لإفساح المجال أمام الوساطة العُمانية، يبدو أن ترامب يبحث عن اتفاق يتيح له إعلان تحقيق أهداف الحرب، من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تشبه الحروب الطويلة التي حذر بانيتا من تكرارها.
