صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون السياسية والأمنية، المعروف بـ«الكابينيت»، مساء الأحد 26 يوليو/تموز 2026، على السماح بدخول جهات تابعة لما يسمى «مجلس السلام» وقوة أمنية دولية متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة، في إطار ترتيبات تتعلق بالمرحلة المقبلة من إدارة القطاع، تبدأ بإطلاق مشروع تجريبي في مدينة رفح جنوبي غزة.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، بينها صحيفتا «يديعوت أحرونوت» و«يسرائيل هيوم»، وهيئة البث الإسرائيلية وقناة «i24NEWS»، فإن القرار يشمل منح «مجلس السلام» و«لجنة إدارة غزة» التابعة له وضعًا يسمح لهما ببدء تنفيذ خطة لإعادة تشغيل خدمات أساسية وإدخال مساعدات إنسانية وإقامة مساكن مؤقتة في مناطق لا تخضع لسيطرة حركة حماس.
ومن المقرر، وفق التقارير، أن تبدأ المرحلة التجريبية في منطقة قريبة من مدينة رفح خلال الأسابيع المقبلة، على أن تتولى ما توصف بـ«لجنة التكنوقراط الفلسطينية» إدارة الخدمات والشؤون المدنية فيها، بدعم من «قوة الاستقرار الدولية» التي يجري العمل على تشكيلها من عناصر ينتمون إلى عدد من الدول.
منطقة تجريبية لإعادة الخدمات وإقامة مساكن مؤقتة
وتتضمن الخطة إنشاء منطقة تصفها الجهات القائمة عليها بأنها «إنسانية تجريبية»، تشمل إعادة تأهيل شبكات وخدمات أساسية، وتوفير المساعدات للسكان، إلى جانب إنشاء مبانٍ أو وحدات سكنية مؤقتة لإيواء فلسطينيين يرغبون في الانتقال إليها.
ووفق الرواية الإسرائيلية، ستقام المنطقة في أراضٍ لا تخضع لإدارة حركة حماس، فيما أشارت تقارير إلى أنها قد تكون ضمن المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية أو بالقرب من خطوط انتشار الجيش في جنوب القطاع.
ولم تتضح حتى الآن الحدود الجغرافية الدقيقة للمنطقة المقترحة، أو عدد السكان الذين يمكن استقبالهم فيها، أو طبيعة الخدمات التي ستقدم لهم، كما لم تكشف التقارير عن الجهة التي ستتولى تمويل المشروع وآليات الإشراف على عمليات الإعمار والإغاثة.
وتقول الخطة إن نجاح المشروع في رفح قد يمهد لتوسيع النموذج لاحقًا إلى مناطق أخرى من قطاع غزة، من دون توضيح مصير السكان الموجودين في المناطق المستهدفة أو الصلاحيات السياسية والأمنية التي ستمنح للهيئة الإدارية الفلسطينية.
تدقيق أمني للراغبين في الانتقال
وزعمت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الفلسطينيين الراغبين في الإقامة داخل المنطقة الجديدة سيخضعون لإجراءات تدقيق أمني مشددة، بهدف التأكد من عدم ارتباطهم بحركة حماس أو أجهزتها العسكرية والأمنية.
ولم تحدد التقارير الجهة التي ستنفذ عمليات التدقيق، وما إذا كانت ستتولاها القوة الدولية أو أجهزة أمنية إسرائيلية أو أطراف فلسطينية وإقليمية، كما لم توضح المعايير التي ستعتمد لقبول السكان أو رفض انتقالهم.
ويثير هذا البند تساؤلات بشأن حرية حركة الفلسطينيين، والضمانات القانونية والإنسانية التي ستمنح لهم، واحتمال استخدام إجراءات التدقيق أداة للتحكم في عودة النازحين أو إعادة توزيع السكان داخل القطاع.
قوة متعددة الجنسيات ومقر محتمل قرب رفح
وقالت هيئة البث الإسرائيلية إن مصادقة «الكابينيت» تعني عمليًا منح الضوء الأخضر للبدء بإنشاء مقر تمركز لـ«قوة الاستقرار الدولية» بالقرب من مدينة رفح.
وبحسب المعطيات الإسرائيلية، ستعمل القوة بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وستتولى تقديم الدعم الأمني للجنة الفلسطينية المكلفة بإدارة المنطقة التجريبية، إضافة إلى المساهمة في تأمين عمليات إدخال المساعدات وتشغيل المرافق المدنية.
وتحدثت تقارير عن مشاركة محتملة لعناصر من دول بينها المغرب وأوغندا وكوسوفو، فيما قال مسؤول إسرائيلي إن عدد الممثلين في المرحلة الأولى لن يتجاوز نحو 200 عنصر.
ولم تصدر تفاصيل رسمية متكاملة عن تركيبة القوة، وتسلسل قيادتها، وقواعد الاشتباك الخاصة بها، أو المدة الزمنية لعملها داخل القطاع، كما لم يتضح ما إذا كانت الدول التي ذُكرت في التقارير قد اتخذت قرارات نهائية بإرسال قواتها.
إسرائيل تشترط موافقتها على الدول المشاركة
وقال مسؤول سياسي إسرائيلي إن «الكابينيت» قرر أن تكون إسرائيل الجهة المخولة بالموافقة على الدول التي يسمح لها بإرسال قوات أو ممثلين إلى المنطقة.
وأضاف أن الموافقة الإسرائيلية ستقتصر، وفق القرار، على الدول التي تربطها بإسرائيل علاقات أو معاهدات سلام، ولا تتخذ إجراءات ضدها أو ضد كبار مسؤوليها في المحافل الدولية.
كما أقر «الكابينيت»، بحسب المسؤول، منح أفراد القوة الدولية حصانات قانونية استنادًا إلى قانون «حصانات المنظمات الدولية»، على أن يتطلب دخول أي قوة بصورة فعلية موافقة منفصلة من رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزيري الأمن والخارجية.
وتعكس هذه الشروط رغبة إسرائيل في الاحتفاظ بقدرتها على التحكم في هوية الدول المشاركة، ومهمات القوة ومناطق انتشارها، رغم تقديم المشروع بوصفه ترتيبات دولية لإدارة الأوضاع الأمنية والإنسانية في غزة.
لا انسحاب قبل نزع سلاح حماس
وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن موافقة الحكومة المبدئية على دخول القوة الدولية لا تعني تغيير موقفها من استمرار انتشار الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.
وقال إن إسرائيل تتمسك بسيطرة جيشها على ما تسميه «الخط الأصفر»، ولن تنفذ انسحابًا إضافيًا ما لم يتم نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية ونزع السلاح من قطاع غزة بصورة كاملة.
وأضاف أن القوة الدولية ستعمل بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي في المناطق التي يسمح لها بالانتشار فيها، في حين ستظل القرارات المتعلقة بالتحركات الأمنية والعسكرية خاضعة للموافقات الإسرائيلية.
وتقول حركة حماس إن الإصرار الإسرائيلي على طرح نزع السلاح قبل تنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار يمثل قفزًا على مراحله، ولا سيما البنود المتعلقة بالانسحاب وإعادة الإعمار وفتح المعابر وإدخال المساعدات.
وتؤكد الحركة أنها نفذت التزامات المرحلة الأولى من الاتفاق، بما في ذلك إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين المشمولين بها، بينما تتهم إسرائيل بمواصلة القصف وتقييد دخول الإغاثة وعدم تنفيذ التزاماتها.
بن غفير يعارض ويدعو إلى تهجير السكان
وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المعارض الوحيد للقرار داخل «الكابينيت»، وفق ما أفادت به وسائل إعلام إسرائيلية.
وقال بن غفير إن إسرائيل ليست ملزمة بالمضي في الخطة ما دامت حماس لم تنزع سلاحها، مجددًا دعوته إلى ما وصفه بـ«تشجيع الهجرة» من قطاع غزة، في إشارة إلى تهجير سكانه.
في المقابل، دافع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن المصادقة على المقترح، معتبرًا أنه ليس من مصلحة إسرائيل أن تظهر بوصفها الطرف الذي يعطل خطة تحظى بدعم دولي.
ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن ساعر قوله خلال الاجتماع إن الخطة قد لا تنجح، لكن إسرائيل لا ينبغي أن تكون الجهة التي تفشلها مسبقًا.
لقاءات إسرائيلية مع مسؤولي «مجلس السلام»
وذكرت قناة «i24NEWS» أن المدير العام لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، آري لايتستون، التقيا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين خلال الأسبوع الماضي.
وبحسب القناة، أطلع المسؤولان الجانب الإسرائيلي على تطورات المحادثات التي عقدت في القاهرة، والخطوات المقترحة لعمل المجلس والقوة الدولية في قطاع غزة.
ونقلت القناة عن مسؤول في «مجلس السلام» وصفه الاجتماعات بأنها «مفيدة ومثمرة»، من دون الكشف عن نتائج محددة أو توضيح الأطراف التي شاركت في المحادثات التي جرت في القاهرة.
كما أشارت تقارير إلى أن ملادينوف عقد لقاءات مع ضباط وممثلين عن دول مرشحة للمشاركة في القوة الدولية، في إطار التحضير لإنشاء مقرها الأول قرب رفح.
تحركات قبل لقاء نتنياهو وترامب
وربطت «يسرائيل هيوم» بين قرار «الكابينيت» ومساعي نتنياهو لدفع خطوات متعلقة بمستقبل قطاع غزة قبل لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن.
وتسعى الحكومة الإسرائيلية، بحسب الصحيفة، إلى بلورة موقف بشأن ترتيبات «اليوم التالي» للحرب، في ظل ضغوط دولية وإقليمية لتحديد آلية لإدارة القطاع وإعادة إعمار ما دمرته العمليات العسكرية.
ورغم المصادقة على المقترح، لم تنشر الحكومة الإسرائيلية الصيغة الكاملة للخطة، كما لم توضح العلاقة القانونية بين «مجلس السلام» ولجنة التكنوقراط والقوة الدولية، أو حدود الدور الفلسطيني في اتخاذ القرارات.
المشروع يثير أسئلة بشأن تقسيم القطاع وعودة النازحين
وتثير الخطة المقترحة جملة من التساؤلات السياسية والإنسانية، خصوصًا مع ربط تقديم الخدمات والمساعدات بانتقال السكان إلى مناطق تخضع لترتيبات أمنية وإدارية جديدة.
ويخشى فلسطينيون من أن يؤدي إنشاء مناطق منفصلة تخضع لإدارة دولية ورقابة أمنية إسرائيلية إلى تكريس تقسيم قطاع غزة إلى مناطق نفوذ، أو فرض وقائع ديموغرافية جديدة تحول دون عودة النازحين إلى مدنهم وبلداتهم الأصلية.
كما لم تتضمن المعلومات المنشورة ضمانات بشأن عدم تحول المساكن المؤقتة إلى تجمعات دائمة، أو بشأن حق السكان في مغادرة المناطق الجديدة والعودة منها بحرية، فضلًا عن غياب تفاصيل واضحة حول مشاركة المؤسسات الفلسطينية الرسمية والمجتمعية في إدارة المشروع.
تصعيد الاغتيالات رغم وقف إطلاق النار
وتأتي المصادقة على الخطة في وقت تواصل فيه إسرائيل تنفيذ غارات وعمليات اغتيال في قطاع غزة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
وأعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة، الأحد، اغتيال مدير جهاز الأمن الداخلي في المحافظة الوسطى، العقيد وائل موسى اللداوي، البالغ من العمر 44 عامًا، والرائد رامز توفيق أبو زريق، البالغ 49 عامًا، إثر استهداف مركبتهما في مدينة دير البلح وسط القطاع.
وقالت مصادر ميدانية إن اللداوي كان يتولى ملفات أمنية تتعلق بملاحقة العصابات المسلحة والمتهمين بالتخابر مع إسرائيل، بالتنسيق مع أجهزة وفصائل فلسطينية.
وكانت الوزارة قد أعلنت، السبت، اغتيال مدير شرطة محافظة شمال غزة، العميد عبد الناصر محمد المقادمة، إثر استهدافه في منطقة شمال غربي مدينة غزة.
كما تعرض ضباط وعناصر آخرون في الشرطة والأجهزة الأمنية لسلسلة غارات خلال الأيام الماضية، بينها هجمات استهدفت مسؤولين في شرطة جباليا ومقار ودوريات أمنية.
وفي 14 تموز/ يوليو، استهدف الجيش الإسرائيلي مركز شرطة مخيم جباليا، ما أدى إلى القضاء على عدد من ضباط وأفراد الشرطة، بينهم مسؤولون في المركز.
وتتباين الأرقام الواردة في المصادر بشأن عدد ضباط وعناصر الشرطة والأمن الذين قضوا منذ بدء وقف إطلاق النار، إذ تشير بعض البيانات إلى القضاء على 49 عنصرًا على الأقل، فيما ترفع بيانات أخرى العدد إلى 53 من القادة والضباط والأفراد.
وزارة الداخلية: استهداف الشرطة يهدف إلى نشر الفوضى
واتهمت وزارة الداخلية في غزة إسرائيل بتعمد استهداف مفاصل العمل الشرطي والأمني بهدف نشر الفوضى وإضعاف المؤسسات المدنية المسؤولة عن حفظ النظام وتسيير شؤون السكان.
وطالبت الوزارة الوسطاء والمجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف استهداف جهاز الشرطة، مؤكدة أن عناصره يؤدون مهمات مدنية تشمل تنظيم الأسواق وحماية المساعدات وملاحقة الجرائم والعصابات المسلحة.
وتقول جهات فلسطينية إن استهداف الشرطة، بالتزامن مع طرح قوة أمنية دولية وإدارة جديدة للقطاع، يهدف إلى تفكيك المؤسسات القائمة وتهيئة المجال لفرض ترتيبات إدارية وأمنية من خارج التوافق الفلسطيني.
أزمة إنسانية متفاقمة واتفاق يوصف بـ«الشكلي»
ويصف فلسطينيون اتفاق وقف إطلاق النار بأنه شكلي، في ظل استمرار الغارات والاغتيالات وإغلاق المعابر أو تقييد عملها، واقتصار دخول المساعدات على كميات محدودة لا تلبي احتياجات نحو 2.4 مليون فلسطيني.
ووفق المعطيات الواردة في المصادر الفلسطينية، أدت الاعتداءات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق إلى القضاء على نحو 1200 فلسطيني وإصابة 3888 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب استمرار الدمار الواسع وانهيار قطاعات الصحة والإسكان والمياه والخدمات العامة.
وفي ظل هذه الأوضاع، تطرح الخطة المدعومة أميركيًا بوصفها مدخلًا لإعادة الخدمات وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بينما يرى منتقدوها أنها تفتقر إلى الشفافية والضمانات السياسية والقانونية، وقد تمنح إسرائيل قدرة مستمرة على التحكم في الأرض والسكان وشكل الإدارة المستقبلية لقطاع غزة.
