كشفت تقارير إسرائيلية عن تفاصيل إضافية لخطة إنشاء منطقة تجريبية في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، تتضمن بناء مساكن مؤقتة لإيواء عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ونشر قوة دولية متعددة الجنسيات، وتشكيل قوة شرطة فلسطينية تتولى حفظ النظام تحت إشراف الإدارة الفلسطينية الانتقالية.
وجاء الكشف عن التفاصيل عقب مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون السياسية والأمنية، «الكابينيت»، على السماح بدخول محدود لـ«قوة الاستقرار الدولية» وهيئات تابعة لـ«مجلس السلام» إلى مناطق في قطاع غزة، ضمن المشروع التجريبي المقرر إطلاقه في رفح. ولم تعلن الحكومة الإسرائيلية حتى الآن جدولًا زمنيًا نهائيًا لبدء الانتشار.
مساكن مؤقتة لعشرات الآلاف
وبحسب الخطة المتداولة، ستبدأ المرحلة الأولى بتنفيذ أعمال بنية تحتية وتجهيز مواقع لإقامة وحدات أو مبانٍ مؤقتة، تستوعب عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يرغبون في الانتقال إلى المنطقة.
وأفادت تقارير سابقة بأن المشروع قد يشمل في مرحلته الأولى مساكن متنقلة لنحو 50 ألف شخص، فيما لم يصدر إعلان رسمي يحدد الطاقة الاستيعابية النهائية أو مساحة المنطقة وموقعها الدقيق داخل رفح.
ونقلت تقارير إسرائيلية عن مصدر مطلع على الخطة قوله إن نجاح المشروع في رفح قد يؤدي إلى إطلاق مشروعات مماثلة في مناطق أخرى من القطاع، بهدف توفير مساكن مؤقتة لأعداد قد تصل إلى مئات الآلاف قبل حلول فصل الشتاء.
إلا أن هذه التقديرات لا تزال مرتبطة بنجاح المرحلة الأولى وتوافر التمويل ومواد البناء، إلى جانب استكمال ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي وانتشار القوة الدولية والإدارة الفلسطينية الجديدة.
فحص أمني قبل دخول المنطقة
ووفق الخطة، سيخضع الفلسطينيون الراغبون في الانتقال إلى المنطقة لإجراءات فحص وتدقيق، تهدف إلى منع دخول المسلحين أو الأشخاص الذين تصنفهم الجهات المشرفة على المشروع بأنهم مرتبطون بحركة حماس.
وكان مسؤول في «مجلس السلام» قد قال إن «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ستتولى إجراءات الفحص والتحكم في الدخول، بدعم من قوة الاستقرار الدولية، مع بقاء حرية الحركة متاحة للمدنيين غير المسلحين، بحسب الرواية المقدمة من المجلس.
ولم تُعلن حتى الآن المعايير التفصيلية التي ستُستخدم في عملية التدقيق، أو آلية الاعتراض على رفض دخول أي شخص، ما يثير تساؤلات بشأن الحقوق القانونية وحرية الحركة والجهة التي ستحتفظ بالسجلات والمعلومات الأمنية.
إدارة تكنوقراطية بدعم القوة الدولية
وتنص الخطة على أن تتولى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، التي تضم شخصيات فلسطينية تكنوقراطية، إدارة الخدمات والشؤون المدنية في المنطقة التجريبية.
ومن المتوقع أن تشمل مهمات اللجنة تشغيل الخدمات الأساسية، وإدارة المساعدات والإسكان، والإشراف على الشرطة الفلسطينية التي سيجري تشكيلها وتدريبها للعمل داخل المنطقة.
وستتولى قوة الاستقرار الدولية تأمين حدود المنطقة ودعم الإدارة الانتقالية والشرطة الفلسطينية، على أن تحل تدريجيًا محل القوات الإسرائيلية في المواقع التي سيجري نقل السيطرة عليها، وفق التصور الذي قدمه «مجلس السلام».
مشاركة المغرب وكازاخستان وكوسوفو
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المغرب وكازاخستان وكوسوفو ستكون من بين الدول المشاركة في القوة الدولية، إلى جانب دول أخرى سبق أن أعلنت استعدادها لتقديم عناصر، بينها إندونيسيا وألبانيا.
وكان قائد قوة الاستقرار الدولية قد أعلن في شباط/ فبراير أن الدول الخمس الأولى التي تعهدت بالمشاركة هي إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، فيما تعهدت مصر والأردن بالمساهمة في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية.
وبحسب تقارير مغربية، قد يصل حجم المساهمة المغربية إلى 500 عنصر، إلا أن هذا الرقم يمثل سقفًا محتملًا للقوة وليس عدد العناصر الذين انتشروا فعليًا حتى الآن.
وشارك أفراد من الوفدين المغربي والكوسوفي خلال الأيام الماضية في زيارات وجولات ميدانية مرتبطة بالتحضير للانتشار، فيما لم تُعلن مباشرة مهام قتالية أو أمنية فعلية داخل قطاع غزة.
كما أفادت تقارير إسرائيلية بأن نحو 30 ضابطًا مغربيًا زاروا منطقة الانتشار المخطط لها، في إطار الإجراءات التحضيرية، من دون أن يعني ذلك بدء الانتشار الكامل للقوة.
تباين بشأن حجم الانتشار الأولي
وتتباين التقارير بشأن حجم القوة التي ستدخل في المرحلة الأولى؛ إذ تتحدث مصادر إسرائيلية عن انتشار عدة مئات من العناصر، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن البداية قد تكون محدودة بعشرات العناصر والضباط الذين سيعملون من قاعدة لوجستية قرب معبر كرم أبو سالم.
وكانت تقارير قد ذكرت أن مركزًا لوجستيًا يجري تجهيزه في جنوب إسرائيل قرب المعبر، ليكون قاعدة إسناد لعناصر القوة ومعداتها، على أن ينشأ لاحقًا موقع دعم داخل قطاع غزة.
وتشير مصادقة «الكابينيت» الحالية إلى السماح بدخول أولي ومحدود، فيما يتطلب نشر قوات كل دولة الحصول على موافقة إسرائيلية منفصلة، ما يعني أن تشكيل القوة الكاملة سيجري على مراحل.
تدريب قوة شرطة فلسطينية
ومن المقرر أن تعمل قوة الاستقرار الدولية على دعم وتدريب قوة شرطة فلسطينية تتولى حفظ النظام داخل المنطقة التي ستديرها لجنة التكنوقراط.
وبحسب التقارير، ستزود القوة الفلسطينية بمعدات توصف بأنها «الحد الأدنى الضروري» لأداء مهماتها، من دون الكشف عن نوع هذه المعدات أو حجم القوة المقرر تشكيلها في المرحلة الأولى.
وتشير الخطة الأشمل إلى تدريب نحو 12 ألف شرطي فلسطيني على المدى البعيد، مقابل بناء قوة استقرار دولية قد يصل قوامها في مراحل لاحقة إلى 20 ألف عنصر، إلا أن هذه الأرقام تمثل أهدافًا بعيدة المدى وليست حجم الانتشار الحالي.
ومن المتوقع أن تبدأ عمليات التدريب تدريجيًا، بالتنسيق مع مصر والأردن وقوة الاستقرار الدولية، قبل توسيع عمل الشرطة إلى مناطق إضافية إذا نجحت تجربة رفح.
الجيش الإسرائيلي يؤيد المشروع بشروط
وأفادت التقارير بأن الجيش الإسرائيلي أبدى تأييده للمشروع التجريبي، مع التمسك بعدم السماح بإعادة إعمار واسعة أو إقامة مبانٍ دائمة قبل نزع سلاح حركة حماس وتفكيك قدراتها العسكرية.
ويرى الجيش، وفق المصادر الإسرائيلية، أن المساكن التي ستقام في المرحلة الأولى يجب أن تظل مؤقتة، وأن ترتبط أي عملية إعمار دائمة بتنفيذ بند نزع السلاح الوارد في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة.
كما يعارض مسؤولون إسرائيليون مشاركة دول يعدونها «معادية» لإسرائيل في القوة، وذكروا تحديدًا قطر وتركيا، مؤكدين أن إسرائيل ستحتفظ بحق الموافقة على الدول المشاركة وأعداد عناصرها ومهماتهم.
وكان قرار «الكابينيت» قد اشترط أن تعمل القوة بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وأن تحصل الدول المشاركة على موافقات إسرائيلية منفصلة قبل إرسال عناصرها إلى القطاع.
أسئلة بشأن الانسحاب وحرية الحركة
ولا تزال الخطة محاطة بأسئلة تتعلق بموعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة المستهدفة، وطبيعة السلطة التي ستمارسها الإدارة الفلسطينية، ومصير السكان الموجودين خارج المناطق التجريبية.
كما تحذر جهات دبلوماسية وإنسانية من أن تجميع السكان داخل مناطق محددة تخضع لفحص أمني ورقابة على الدخول قد يؤدي إلى تقييد حرية الحركة أو تكريس تقسيم قطاع غزة إلى مناطق منفصلة.
ولم توضح الجهات المشرفة على المشروع حتى الآن ما إذا كان السكان سيتمكنون من العودة إلى مناطقهم الأصلية بعد انتقالهم، أو ما إذا كانت المساكن المؤقتة ستتحول لاحقًا إلى تجمعات دائمة.
وفي المقابل، يقدم «مجلس السلام» المشروع بوصفه نقطة انطلاق لإعادة الخدمات والمساعدات، وتمكين إدارة فلسطينية انتقالية، وإيجاد نموذج يمكن توسيعه تدريجيًا إلى باقي مناطق قطاع غزة.
