الاقتصاد الفلسطيني أمام مرحلة تقشف ممتدة: نصف راتب حتى نهاية العام وخطة للتحول الرقمي وتأمين المحروقات والصحة

وزير المالية اصطيفان سلامة.jpg

الحكومة تراهن على الدفع الإلكتروني وزيادة الدعم الخارجي، وتحذر من تداعيات احتجاز المقاصة وتهديد العلاقات المصرفية

أكد وزير المالية الفلسطيني اصطيفان سلامة أن الحكومة تستعد لمرحلة مالية واقتصادية أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة للشهر الخامس عشر على التوالي، وبلوغ الاقتراض المصرفي سقفه الأعلى، وتراجع المساعدات الخارجية عن مستوى الاحتياجات الفعلية.

وكشف سلامة، خلال مؤتمر صحفي في مقر رئاسة الوزراء بمدينة رام الله، أن الحكومة ستواصل صرف 50% من رواتب الموظفين العموميين حتى نهاية العام الجاري، باعتبارها النسبة التي يمكن تأمينها ضمن الموارد المتاحة، موضحاً أن توفيرها يتطلب نحو 650 مليون شيقل شهرياً.

وأشار إلى أن الحكومة تدخل الشهر السادس عشر من دون تسلم أموال المقاصة، في وقت لا يتبقى لديها بعد سداد القروض والالتزامات الشهرية سوى نحو 100 مليون شيقل، مقابل احتياجات تشغيلية تقدر بنحو مليار ونصف المليار شيقل شهرياً.

وقال إن الأولوية خلال المرحلة المقبلة ستتركز على إبقاء المؤسسات العامة قادرة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات، وحماية قطاعات الصحة والتعليم والأمن والخدمات الأساسية من الانهيار، مع الاستمرار في إدارة الإنفاق وفق الإمكانات المتاحة.

أربعة مصادر لتمويل الرواتب

وأوضح سلامة أن الحكومة تعتمد في تمويل الرواتب والنفقات الأساسية على أربعة مسارات رئيسية، هي الإيرادات المحلية، والمساعدات الخارجية، والاقتراض المصرفي، وتحسين الإدارة المالية.

وأكد أن الحكومة تعمل على زيادة المساعدات الدولية، إلا أن ما يصل منها لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، فيما لم يعد الاقتراض من البنوك قادراً على توفير مساحة مالية إضافية كبيرة بعد وصوله إلى مستويات مرتفعة.

وشدد على أن الحكومة لا تعتزم فرض ضرائب جديدة على المواطنين، لكنها ستعمل على تحصيل الضرائب المستحقة ومكافحة التهرب الضريبي والتهريب، معتبراً أن حماية الإيرادات المحلية أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي والقومي الفلسطيني.

وبحسب الوزير، فإن أموال المقاصة المحتجزة لدى إسرائيل تقترب من ستة مليارات دولار، وهي أموال فلسطينية خالصة، بينما لم تؤد الاتصالات والمبادرات الدولية حتى الآن إلى صياغة حل عملي يضمن الإفراج عنها.

مخاطر على العلاقة المصرفية

وحذر سلامة من أن أي خطوة إسرائيلية لقطع العلاقة البنكية مع الجانب الفلسطيني ستتجاوز جميع الخطوط الحمراء، لما قد تسببه من تعطيل للمدفوعات المرتبطة بالمياه والكهرباء والمحروقات والاستيراد والخدمات الأساسية.

وقال إن التهديدات المصرفية تأتي ضمن سياسة ضغط اقتصادي متصاعدة تستهدف خنق السوق الفلسطينية، وتقييد حركة الأموال والبضائع والأفراد، وتعطيل عمل المعابر، وفي مقدمتها معبر الكرامة.

وأشار إلى أن استمرار هذه السياسة قد يضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية على تمويل الخدمات العامة، ويزيد الضغوط على المواطنين والقطاع الخاص والمصارف.

فائض الشيقل والتحول إلى الدفع الإلكتروني

وفي مواجهة أزمة السيولة النقدية، أعلن سلامة أن الحكومة وسلطة النقد تعملان على التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني والتقليل التدريجي من استخدام النقد، خاصة في ظل تكدس كميات كبيرة من الشيقل لدى المصارف ورفض الجانب الإسرائيلي استقبال الفائض.

وأوضح أن الشيقل يشكل نحو 53% من الكتلة النقدية المتداولة في السوق الفلسطينية، مقابل 33% للدولار و12% للدينار الأردني، لافتاً إلى وجود نحو 1.8 مليون بطاقة مصرفية يمكن البناء عليها لتوسيع المدفوعات الرقمية.

وقال إن المرحلة المقبلة قد تشهد زيادة في استخدام عملات أخرى، وفي مقدمتها الدينار الأردني، بالتوازي مع تطوير خدمات الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على التداول النقدي المباشر.

وأكد أن البنية المصرفية الفلسطينية قادرة على استيعاب هذا التحول، لكنه يحتاج إلى تعاون البنوك والتجار والبلديات والمؤسسات العامة، إلى جانب رفع وعي المواطنين وتشجيعهم على استخدام الوسائل الإلكترونية.

«يبوس» إضافة إلى الراتب وليس بديلاً عنه

وفي ما يتعلق بتطبيق «يبوس»، أوضح سلامة أنه يمثل أداة إضافية تتيح للموظفين الاستفادة من جزء من مستحقاتهم المتراكمة، ولا يشكل بديلاً عن نسبة الـ50% التي تدفعها الحكومة من الراتب.

وأكد أن الاشتراك في التطبيق اختياري، ولا يتضمن فرض رسوم أو ضرائب، كما لا يمس الحقوق المالية للموظفين، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على إدراج الموظفين والمتقاعدين وتوسيع الخدمات المتاحة عبر التطبيق بالتعاون مع البلديات والمؤسسات المختلفة.

انفراج متوقع في أزمة المحروقات

وتوقع وزير المالية أن تبدأ أزمة المحروقات بالانحسار مع مطلع الأسبوع المقبل، بعد معالجة جانب من مشكلة السيولة النقدية والعمل على زيادة الكميات الواردة إلى السوق.

وأوضح أن السوق الفلسطينية تحصل يومياً على نحو ثلاثة ملايين لتر من المحروقات، إلا أن عمليات التوريد تأثرت بعوامل عدة، من بينها محدودية السعات التخزينية، والقيود المفروضة على حركة الصهاريج، وتعقيد إجراءات النقل عبر المعابر.

وكشف أن الجيش الإسرائيلي طلب تشغيل نحو 250 صهريجاً من أصل 450 صهريجاً كانت تستخدم في نقل المحروقات إلى السوق الفلسطينية، ما قلص عدد الصهاريج المتاحة وأثر في انتظام التوريد.

وأضاف أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع هيئة الشؤون المدنية والجهات المختصة على الإفراج عن الصهاريج المحتجزة، وتأمين استمرار إدخال الوقود خلال أيام العطل، بما يساعد على إنهاء الطوابير أمام المحطات تدريجياً.

وأشار إلى وجود عمليات تهريب للمحروقات داخل السوق الفلسطينية، مؤكداً أن الجهات المختصة تعمل على تقييم حجمها ومعالجتها وفق القانون، في ظل عدم وجود تقدير نهائي حتى الآن للكميات المهربة.

شركة وطنية لإدارة قطاع المحروقات

وفي إطار إعادة هيكلة قطاع الطاقة، أوضح سلامة أن مشروع إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات يهدف إلى الفصل بين مهام التنظيم والرقابة التي تتولاها هيئة البترول، وبين العمليات التشغيلية المتعلقة بالشراء والبيع والنقل.

وقال إن الشركة ستكون حكومية ومملوكة بالكامل للدولة، ولن تؤثر في عمل محطات الوقود أو الخدمات المقدمة للمواطنين، بل ستعمل على رفع كفاءة الإدارة وتعزيز الحوكمة والشفافية.

وأشار إلى أن فكرة تأسيس الشركة تستند إلى قرار حكومي سابق صدر عام 2018، وأن مشروع تعديل قانون هيئة البترول يتضمن الأساس القانوني لإنشائها.

الصحة والرواتب في مقدمة الأولويات

وأكد سلامة أن قطاعي الصحة والرواتب سيبقيان في مقدمة أولويات الإنفاق خلال المرحلة المقبلة، باعتبارهما الأكثر ارتباطاً باستمرار المؤسسات وحياة المواطنين.

وأوضح أن الحكومة صرفت منذ بداية العام وحتى نهاية يونيو/حزيران نحو 300 مليون شيقل للمستشفيات والأدوية، وتخطط لصرف 350 مليون شيقل إضافية حتى نهاية العام، ليصل إجمالي الإنفاق المخصص للقطاع الصحي إلى نحو 750 مليون شيقل.

وأشار إلى أن الحكومة تجري اتصالات مع الشركاء الدوليين لتوجيه مزيد من الدعم إلى المستشفيات وشراء الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل اتساع الفجوة بين الاحتياجات الصحية والموارد المالية المتاحة.

وقال إن الحكومة صرفت خلال الشهر الماضي وحده نحو 160 مليون شيقل لقطاع الصحة، في محاولة للحفاظ على استمرار الخدمات العلاجية وتخفيف الأعباء عن المستشفيات.

مرحلة ضغوط بلا حلول سهلة

وتوقع سلامة زيادة الضغوط المالية والاقتصادية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، في ظل استمرار احتجاز المقاصة والقيود المصرفية والإسرائيلية على التجارة والحركة والتوريد.

وأكد أن الحكومة ستواصل العمل على توفير الخدمات الأساسية، وتحسين الإيرادات، وتوسيع الدفع الإلكتروني، وتأمين المحروقات، وحماية القطاع الصحي، مع مصارحة المواطنين بحدود الإمكانات المتاحة.

وحمل المجتمع الدولي مسؤولية استمرار الأزمة، معتبراً أن مستوى الدعم الحالي لا يتناسب مع حجم الظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني.

وبذلك تدخل المالية الفلسطينية المرحلة المقبلة بخيارات محدودة تقوم على إدارة الأزمة لا إنهائها: صرف نصف راتب، وحماية الحد الأدنى من الخدمات، وتوسيع البدائل الرقمية، والبحث عن دعم خارجي، إلى حين الإفراج عن أموال المقاصة أو التوصل إلى ترتيبات مالية تقلل من قدرة إسرائيل على التحكم في الموارد الفلسطينية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله