دخل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التهديد المتبادل، في اليوم الـ154 على اندلاع الحرب، وبعد 45 يوماً من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في 17 يونيو/حزيران 2026، وسط تقارير متضاربة بشأن اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً نهائياً بشن حملة جوية جديدة تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية.
وبينما تؤكد واشنطن أنها لا تزال تمنح المسار الدبلوماسي فرصة، تشير التحركات العسكرية والتسريبات الإعلامية إلى إعداد خيارات واسعة تتراوح بين ضربات قصيرة ومكثفة، وحملة جوية قد تمتد أسبوعين. وفي المقابل، أعلنت طهران إعداد خطة رد تشمل منشآت حيوية إسرائيلية ومصالح ومنشآت طاقة أميركية في المنطقة.
ترامب: سنضرب إيران بقوة
هدد ترامب بشن ضربات شديدة على إيران، معتبراً أنها تعرضت لخسائر وضربات ساحقة، لكنها لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية تمكنها من مواصلة المواجهة.
وقال خلال اجتماع لمجلس الوزراء في كامب ديفيد إن الولايات المتحدة ستزيد الضغوط العسكرية إلى أن تقتنع القيادة الإيرانية بأنها لم تعد قادرة على تحملها، في إشارة إلى أن التصعيد يهدف إلى دفع طهران إلى قبول الشروط الأميركية والعودة إلى مفاوضات تراها واشنطن جدية ومجدية.
وحاول الرئيس الأميركي تقديم التحركات المقبلة بوصفها عملية عسكرية للضغط على إيران، لا إعلاناً عن الانتقال إلى حرب مفتوحة جديدة، رغم أن المواجهة دخلت شهرها السادس وشهدت خلال الأسابيع الماضية تبادلاً مستمراً للهجمات.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن إيران ستواصل «دفع الثمن» إلى أن تجلس إلى طاولة المفاوضات بطريقة يعتبرها ترامب مجدية، مشددة على أن الإدارة لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.
تقارير متضاربة بشأن القرار النهائي
تباينت التقارير الأميركية بشأن ما إذا كان ترامب قد أصدر بالفعل أمراً باستئناف حملة عسكرية واسعة.
فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترامب أجاز هجوماً جديداً على إيران، يمكن أن يبدأ خلال عطلة نهاية الأسبوع ويستمر عدة أيام، بهدف زيادة الضغط على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات في المفاوضات.
لكن تقارير أخرى، بينها ما نشره موقع «أكسيوس»، أفادت بأن الرئيس يدرس بجدية ضرب منشآت الطاقة والبنية التحتية خلال الأيام المقبلة، من دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن. وقال مسؤول أميركي للموقع إن الحملة المحتملة تستهدف دفع الإيرانيين إلى قبول الشروط الأميركية في مفاوضات وقف إطلاق النار.
كما نقلت تقارير مستندة إلى شبكة «سي بي إس نيوز» أن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا حملة قد تكون من أقسى الحملات التي تستهدف قطاع الطاقة الإيراني منذ بداية الحرب، مع احتمال بدء الضربات خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنها أكدت أن الموافقة الرئاسية النهائية لم تكن قد صدرت وقت إعداد التقرير.
ويعكس هذا التباين احتمال وجود قرار سياسي مبدئي بالتصعيد، مقابل بقاء توقيت العملية ونطاقها وأهدافها الدقيقة خاضعة للمراجعة العسكرية حتى اللحظات الأخيرة.
خطط لحملة جوية تمتد أسبوعين
نقلت شبكة «إيه بي سي نيوز» عن مسؤولين أميركيين أن القيادة المركزية أعدت سابقاً خططاً لحملة جوية ضد إيران تمتد نحو أسبوعين.
وتشمل الخيارات المطروحة تنفيذ ضربات مكثفة ضد منشآت الطاقة والبنى العسكرية ومواقع الصواريخ، في حين يرى بعض المسؤولين أن حملة أقصر وأكثر شدة قد تكون أكثر فاعلية في كسر الجمود وإجبار طهران على تقديم تنازلات.
وكان قائد القيادة المركزية الأميركية قد عرض خياراً لعملية واسعة تمتد أسبوعين، وسط نقاشات داخل الإدارة ووزارة الدفاع بشأن فاعلية الضربات، والمخزون المتاح من صواريخ الاعتراض والذخائر، والمخاطر المحتملة على القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.
وجدد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث التزام الإدارة بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، مؤكداً أن واشنطن أتاحت فرصاً للمفاوضات، لكنها مستعدة لاستخدام القوة في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
منشآت الطاقة في صدارة بنك الأهداف
تتركز الخطط الجديدة، وفق التسريبات، على منشآت الطاقة الإيرانية، بما يشمل مواقع إنتاج وتكرير النفط، ومحطات الكهرباء، ومرافق التصدير والبنى التي يعتمد عليها الجيش والحكومة في إدارة العمليات والخدمات.
وقال مسؤول عسكري إن الهدف من مهاجمة هذا القطاع سيكون إضعاف قدرة المؤسسة العسكرية الإيرانية على مواصلة عملياتها، وتقليص قدرة الحكومة على إدارة البلاد وتوفير الخدمات.
لكن استهداف منشآت الطاقة يحمل مخاطر تتجاوز الحدود الإيرانية، إذ يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار النفط والغاز وتعطيل حركة الملاحة في الخليج، إضافة إلى دفع طهران نحو توسيع دائرة ردها لتشمل منشآت أميركية وخليجية وإسرائيلية.
وسجلت أسعار النفط ارتفاعاً بأكثر من 1% في تعاملات 31 يوليو/تموز، في ظل التصعيد في مضيق هرمز والمخاوف من اضطراب إضافي في إمدادات الطاقة العالمية. كما سجل خام برنت ارتفاعاً كبيراً خلال يوليو، مع استمرار تراجع حركة السفن عبر المضيق.
مشاركة إسرائيلية غير محسومة
ناقشت الولايات المتحدة الضربات المحتملة مع مسؤولين إسرائيليين، وسط توقعات بأن يشارك الجيش الإسرائيلي في العملية للمرة الأولى منذ أسابيع.
إلا أن مستوى المشاركة الإسرائيلية لا يزال غير محسوم. فقد نقلت «سي بي إس نيوز» عن مسؤول إسرائيلي أن تل أبيب لم تُبلغ بوجود قرار نهائي لاستئناف القتال، ولم تتلق طلباً أميركياً رسمياً للانضمام إلى تحركات عسكرية جديدة.
وبذلك، قد تقتصر المشاركة الإسرائيلية على تبادل المعلومات وتنسيق الأهداف والدفاع ضد الرد الإيراني، أو تتطور إلى تنفيذ غارات مباشرة إذا اتخذ ترامب قراراً بإطلاق حملة مشتركة.
ويرجح مسؤولون أميركيون أن يؤدي أي تصعيد كبير ضد منشآت الطاقة إلى هجمات صاروخية ومسيّرة إيرانية على إسرائيل والقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة.
إيران تعد خطة رد واسعة
في المقابل، نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية عن مسؤول رفيع قوله إن طهران أعدت خطة واسعة للرد على ما وصفه بـ«أي جنون أميركي محتمل».
وبحسب المسؤول، تشمل الخطة استهداف البنى التحتية الحيوية في إسرائيل ومنشآت الطاقة والمصالح الأميركية في المنطقة، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية تمتلك القدرة والإرادة لتنفيذ مثل هذه العمليات.
وتقول إيران إن أي استهداف لمحطات الكهرباء أو الجسور أو مرافق الطاقة سيقابل بضرب عدة منشآت في دول المنطقة، في محاولة لتكريس معادلة ردع تجعل كلفة توسيع الهجمات أكبر من المكاسب التي تتوقعها واشنطن.
ومن شأن تنفيذ هذه التهديدات أن يوسع دائرة المواجهة لتشمل دولاً وقواعد ومنشآت مدنية واقتصادية في الخليج، وأن يرفع مخاطر تعطل إمدادات الطاقة والتجارة الدولية عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
مفاوضات عُمان ومضيق هرمز
رغم عودة التهديدات العسكرية، استمرت قناة التفاوض بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أبرز محاور الخلاف بين طهران وواشنطن.
وكانت عُمان قد قدمت مقترحاً مدعوماً من دول خليجية لتنظيم الملاحة، تضمن ترتيبات لإدارة العبور وجباية رسوم طوعية مقابل خدمات بحرية. غير أن إيران رفضت فكرة الإدارة الإقليمية المشتركة، وتمسكت بأن إدارة المضيق يجب أن تبقى بينها وبين سلطنة عُمان، كل ضمن مناطق سيطرته.
وتطالب الولايات المتحدة بتعهد إيراني علني بوقف استهداف السفن، وفتح جميع الممرات أمام الملاحة من دون رسوم أو قيود، بينما تصر طهران على احتفاظها بدور مباشر في تنظيم الحركة داخل الممر الاستراتيجي.
وبقيت الحركة التجارية عبر هرمز محدودة، رغم نجاح عدد من ناقلات النفط في العبور، وسط استمرار مخاوف شركات الشحن والتأمين من الهجمات أو الاحتجاز.
ضغط عسكري ومالي متزامن
بالتوازي مع التهديد العسكري، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن عمليات الضغط الاقتصادي على إيران ستستمر، في إطار ما تسميه الإدارة عملية «الغضب الاقتصادي»، إلى جانب عملية «الغضب الملحمي» العسكرية.
وتستهدف الحملة الاقتصادية شبكات بيع النفط والأسطول الموازي والمصارف والوسطاء وشركات العملات الرقمية المتهمة بمساعدة الحكومة الإيرانية والحرس الثوري على نقل الأموال والالتفاف على العقوبات. وتقول وزارة الخزانة إنها عطلت وصول النظام الإيراني إلى عائدات بمليارات الدولارات.
كما قال بيسنت إن الولايات المتحدة تلاحق أصولاً مرتبطة بإيران في مختلف أنحاء العالم، وإن الأموال التي تتم مصادرتها ستوجه إلى الإيرانيين والأميركيين الذين تقول واشنطن إنهم تضرروا من سياسات طهران.
ولم يقدم الوزير تفاصيل بشأن أماكن الأصول أو قيمتها أو الأسس القانونية لتحويل الأموال، ما يترك تساؤلات حول آليات المصادرة والتوزيع، خصوصاً أن إيران ترفض التصرف في أصولها المجمدة من دون موافقتها.
مذكرة تفاهم على حافة الانهيار
تكشف التطورات الأخيرة مدى هشاشة مذكرة التفاهم التي وُقعت في 17 يونيو/حزيران، والتي كان يفترض أن توقف العمليات العسكرية وتفتح الطريق أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي والعقوبات ومضيق هرمز.
فبعد 45 يوماً من التوقيع، عادت الضربات والتهديدات، بينما بقيت القضايا الأساسية، وفي مقدمتها تخصيب اليورانيوم ومستقبل القدرات الصاروخية وحرية الملاحة ورفع العقوبات، من دون تسوية نهائية.
وما زالت واشنطن تقول إنها مستعدة لمنح المفاوضات فرصة، لكنها تربط ذلك بوقف الهجمات الإيرانية وضمان حرية الملاحة. أما طهران فتعتبر أن الضربات والحصار والعقوبات تتعارض مع أي مسار تفاوضي متكافئ.
وبين التقارير التي تتحدث عن قرار أميركي بالهجوم، وتلك التي تؤكد أن ترامب لم يمنح الموافقة النهائية، تدخل المنطقة مرحلة انتظار شديدة الخطورة. وسيحدد القرار الأميركي المقبل ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستبقى إطاراً قابلاً للإنقاذ، أم تتحول إلى هدنة قصيرة سبقت جولة أكثر اتساعاً وكلفة من الحرب.
