هل يتجه جنوب لبنان إلى تصعيد أوسع؟ الجيش الإسرائيلي يطلب توسيع الهجمات والقيادة السياسية تدرس مستوى الرد

(Getty Images) من جنوب لبنان.jpg

طلب الجيش الإسرائيلي من القيادة السياسية المصادقة على توسيع نطاق الهجمات في جنوب لبنان، عقب حادث أمني استهدف قواته داخل الأراضي اللبنانية، في وقت بدأت فيه إسرائيل تنفيذ غارات وصفتها بـ«المركزة»، وسط مخاوف من انتقال المواجهة إلى مستوى أوسع بالتزامن مع استمرار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناة «12» وصحيفة «يديعوت أحرونوت»، عن مصادر أمنية أن الجيش أوصى بتنفيذ هجوم قوي وواسع ضد مواقع مرتبطة بـ«حزب الله»، إلا أن المستوى السياسي لم يصادق فوراً على الخطط المقترحة، وطلب مواصلة دراسة طبيعة الرد وتداعياته المحتملة.

وأكدت القناة «12»، أن قيادة الجيش أبلغت المستوى السياسي بضرورة زيادة وتيرة الهجمات في لبنان، ضمن تقديرات عسكرية ترى أن الضربات المحدودة قد لا تكون كافية للرد على التطورات الأمنية الأخيرة.

كما أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش أعد خيارات لعمليات توصف بأنها «حساسة»، وتتطلب موافقة مباشرة من القيادة السياسية قبل تنفيذها، في ظل قيود سابقة فُرضت على بعض العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، بناءً على طلب أميركي لتجنب الإضرار بالمسار السياسي.

اجتماع أمني لبحث مستوى الرد

وأفادت القناة «14» الإسرائيلية بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس سيعقدان اجتماعاً أمنياً مساء الأربعاء، بمشاركة مسؤولين عسكريين وأمنيين، لبحث تطورات الجبهة اللبنانية والخيارات المطروحة للرد.

ومن المتوقع أن يناقش الاجتماع حجم العملية العسكرية ومواقعها، وما إذا كان الرد سيبقى محصوراً في جنوب لبنان أو سيمتد إلى مناطق أبعد، إضافة إلى تأثير أي تصعيد واسع في المفاوضات الجارية بوساطة أميركية.

ولم يصدر، حتى إعداد هذه الصياغة مساء الأربعاء 5 أغسطس (آب) 2026، إعلان رسمي بشأن مصادقة نتنياهو وكاتس على تنفيذ الهجوم الأوسع الذي اقترحه الجيش.

إسرائيل تبدأ غارات «مركزة»

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن بدء غارات وصفها بـ«المركزة» في جنوب لبنان، قائلاً إنها جاءت رداً على ما اعتبره «انتهاكاً فاضحاً» لاتفاق وقف إطلاق النار من جانب «حزب الله»، من دون أن يقدم في بيانه الأول تفاصيل دقيقة عن طبيعة الانتهاك أو الأهداف التي شملتها الضربات.

وشملت الغارات مناطق في محيط بلدتي المنصوري ومجدل زون، إلى جانب استهداف بلدة تبنين في قضاء بنت جبيل، في واحدة من أكثر جولات التصعيد دموية منذ بدء وقف إطلاق النار الأخير.

وسبق الهجمات إنذار إسرائيلي لسكان بلدة المنصوري، طالبهم بإخلاء منازلهم والابتعاد شمالاً لمسافة لا تقل عن ألف متر، بدعوى وجود أنشطة ومنشآت تابعة لـ«حزب الله» في المنطقة.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، غادرت نحو 15 عائلة مدنية كانت لا تزال تقيم في المنصوري عقب الإنذار، قبل أن تنفذ إسرائيل غارات وعمليات تفجير في محيط البلدة.

ومثّل الإنذار تطوراً لافتاً، إذ كان الأول من نوعه منذ التوصل إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو (حزيران) الماضي، وفق تقارير صحافية لبنانية ودولية.

قتيل و12 مصاباً في تبنين

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل شخص وإصابة 12 آخرين جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة تبنين في قضاء بنت جبيل.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت سطح مصلى داخل جبانة البلدة، في حين أوردت تقارير أولية حصيلة بلغت 11 مصاباً قبل أن تعلن وزارة الصحة ارتفاع العدد إلى 12.

كما استهدفت غارات أخرى منطقة مشاع المنصوري وأطراف مجدل زون جنوب مدينة صور، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق مدن وبلدات الجنوب، ووصول بعضها إلى أجواء بيروت والضاحية الجنوبية، بحسب وسائل إعلام لبنانية.

حادث أمني يستهدف القوات الإسرائيلية

جاء التصعيد بعد حادث أمني تعرضت له قوة إسرائيلية داخل جنوب لبنان. وتحدثت تقارير إسرائيلية ودولية عن انفجار استهدف الجنود وأوقع قتلى وجرحى في صفوفهم، فيما ظلت طبيعة الانفجار والجهة المسؤولة عنه موضع تحقيق.

وذكرت صحيفة «الغارديان» أن جنديين إسرائيليين قُتلا وأصيب سبعة آخرون في الانفجار، مشيرة إلى أن مصدره لم يكن قد حُدد بصورة نهائية وقت نشر التقرير، في ظل احتمالات تتعلق بعبوة ناسفة أو لغم أو ذخيرة مزروعة في المنطقة.

واتهم الجيش الإسرائيلي «حزب الله» بانتهاك ترتيبات وقف إطلاق النار، واتخذ من الحادث أساساً لبدء الضربات، إلا أنه لم ينشر حتى ذلك الوقت رواية تفصيلية مدعومة بنتائج تحقيق نهائي حول كيفية وقوع الانفجار.

ويمثل غياب التفاصيل الرسمية الكاملة عاملاً رئيسياً في الجدل داخل إسرائيل بشأن حجم الرد، وما إذا كان الحادث يستوجب عملية واسعة أو ضربات محدودة لا تؤدي إلى انهيار التفاهمات القائمة.

بين توصية الجيش وحسابات المستوى السياسي

تكشف التقارير الإسرائيلية عن تباين في المقاربة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية؛ إذ يدفع الجيش باتجاه تنفيذ رد أوسع، بينما تدرس الحكومة التداعيات الأمنية والدبلوماسية، ولا سيما موقف الولايات المتحدة الراعية للمفاوضات.

وبحسب «يديعوت أحرونوت»، أعد الجيش خططاً لهجوم واسع في جنوب لبنان، إلا أن القيادة السياسية أوقفت تنفيذها مؤقتاً، في انتظار تقييم الموقف وإجراء مشاورات إضافية.

ويأتي هذا التريث في ظل تفاهمات سابقة حدّت من العمليات المصنفة «حساسة» داخل لبنان، بعدما طلبت واشنطن من إسرائيل تجنب خطوات قد تؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي أو إعادة فتح مواجهة شاملة مع «حزب الله».

ولا يعني وقف الخطة الأولية استبعاد تنفيذها لاحقاً، إذ قالت مصادر إسرائيلية إن الخيارات لا تزال مطروحة أمام نتنياهو وكاتس، وتشمل زيادة عدد الأهداف وتوسيع المنطقة الجغرافية للهجمات.

التصعيد يتزامن مع مفاوضات روما

تزامنت الغارات مع استمرار جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، برعاية أميركية، لبحث الانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود والترتيبات الأمنية وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب.

وانطلقت الجولة الحالية في الرابع من أغسطس(آب)، وكان مقرراً استمرارها حتى الخميس، ضمن مسار تفاوضي بدأ بعد اتفاق الإطار الذي توصل إليه الجانبان في يونيو.

وذكرت مصادر لبنانية أن المحادثات تتوزع على ثلاثة مسارات متوازية تشمل الملفات السياسية والعسكرية والحدودية، وأن الوفد اللبناني قدم وثائق وخرائط تتعلق بالحدود البرية، بدءاً من وثائق عام 1923 وخط الهدنة وصولاً إلى «الخط الأزرق».

وتطالب بيروت بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها قواته، بينما تربط إسرائيل انسحابها بانتشار الجيش اللبناني ومنع عودة عناصر «حزب الله» وبنيته العسكرية إلى المناطق التي تخليها.

غير أن التصعيد الميداني فرض نفسه على المفاوضات، إذ أفادت تقارير لبنانية بأن الوفود غادرت إحدى الجلسات قبل موعد انتهائها، وسط اتصالات أميركية لمنع انعكاس الغارات على مستقبل المحادثات.

حرائق وتحركات ميدانية في الجنوب

وفي تطورات ميدانية موازية، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن حرائق اندلعت في الأحراج والأشجار المثمرة في أطراف كفرشوبا وحلتا وحولا، متهمة القوات الإسرائيلية بإشعال بعضها وإلقاء قنابل مضيئة في مناطق أخرى.

وذكرت الوكالة أن فرق الدفاع المدني اللبناني لم تتمكن من الوصول إلى عدد من مواقع الحرائق حتى ساعات المساء، بسبب عدم الحصول على موافقة عبر آلية مراقبة وقف إطلاق النار، وسط مخاوف من امتداد النيران إلى المنازل بفعل الرياح وارتفاع درجات الحرارة.

كما تداولت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن عبور مجموعة من الناشطات الإسرائيليات الحدود إلى داخل الأراضي اللبنانية، قبل تدخل قوات الجيش والشرطة لإعادتهن، بعدما قلن إن تحركهن يهدف إلى المطالبة بإقامة مستوطنات في المنطقة.

سيناريوهات مفتوحة

تضع التطورات الأخيرة الجبهة اللبنانية أمام ثلاثة مسارات محتملة: الاكتفاء بالغارات التي نُفذت الأربعاء، أو المصادقة على موجة هجمات أوسع داخل الجنوب، أو احتواء التصعيد من خلال ضغوط أميركية مرتبطة بمفاوضات روما.

ويبقى القرار مرتبطاً بنتائج المشاورات الأمنية الإسرائيلية، وبالتقييم النهائي للحادث الذي استهدف القوات، وطبيعة رد «حزب الله»، إضافة إلى مدى قدرة الوسطاء على الفصل بين التصعيد الميداني والمسار التفاوضي.

وفي ظل استمرار الغارات والتحليق الإسرائيلي، وعدم صدور إعلان نهائي عن مستوى الرد، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن ما إذا كانت الضربات الحالية ستظل عملية محدودة، أم ستشكل بداية لجولة عسكرية أوسع تهدد اتفاق وقف إطلاق النار والمفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - جنوب لبنان