إسرائيل تسعى لإعادة رسم خريطة الطاقة الإقليمية... مقترحات لربط الخليج بالمتوسط بعيداً عن هرمز وباب المندب
تدفع إسرائيل باتجاه إنشاء مسارات جديدة لنقل النفط من دول الخليج إلى الأسواق الأوروبية عبر موانئها وخطوط الأنابيب الممتدة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، في محاولة للاستفادة من الاضطرابات التي تشهدها الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب وترسيخ موقعها ممراً إقليمياً للطاقة والتجارة.
وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مسؤولين إسرائيليين أجروا، داخل إسرائيل وخارجها، اتصالات مع جهات خليجية وأميركية لبحث حلول فورية وأخرى طويلة المدى. غير أن الصحيفة لم تسمِّ الدول الخليجية المعنية، ولم تعلن أي دولة خليجية أو الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن هذه المقترحات حتى الآن.
وقال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن دول الخليج تبحث عن بدائل تقلل اعتماد صادراتها النفطية على مضيق هرمز، وتحميها في الوقت نفسه من اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب. وكان كوهين قد كشف في يوليو/تموز عن عرضه على واشنطن مشروع خط بطول نحو 700 كيلومتر يربط السعودية بمدينة إيلات، ومنها بخط إيلات–عسقلان وصولاً إلى البحر المتوسط.
مسار مؤقت عبر ينبع وإيلات
وبحسب التصور الإسرائيلي، يقوم الحل الأقرب للتنفيذ على نقل النفط السعودي الواصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بواسطة ناقلات إلى إيلات، ثم ضخه عبر شبكة شركة خطوط أنابيب أوروبا–آسيا «كاتسا» إلى عسقلان، حيث يعاد تحميله على سفن متجهة إلى أوروبا والأسواق العالمية.
وتشغّل الشركة الإسرائيلية خطاً للنفط الخام بطول 254 كيلومتراً وقطر 42 بوصة يربط ميناء إيلات النفطي بميناء عسقلان، إلى جانب منشآت تخزين وموانئ بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ نحو 3.7 مليون متر مكعب. وتقول الشركة إن بنيتها أُنشئت أساساً لنقل النفط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.
غير أن «يسرائيل هيوم» أقرت بأن قدرة الخط الحالي محدودة مقارنة بحجم إنتاج وصادرات السعودية ودول الخليج، ما يعني أن استخدامه، في حال الاتفاق عليه، سيكون حلاً جزئياً أو انتقالياً وليس بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز. كما أشار التقرير إلى أن الرياض لم تعلن موافقتها على المقترحات الإسرائيلية السابقة.
خطوط مستقبلية عبر الأردن
أما الخطط الأطول مدى فتشمل إنشاء خطوط أنابيب جديدة من الخليج باتجاه مدينة العقبة الأردنية، ومنها إلى إيلات، قبل ربطها بخطوط النقل الإسرائيلية المؤدية إلى المتوسط. ويتطلب تنفيذ هذه المشاريع موافقات وتفاهمات سياسية وأمنية بين دول الخليج والأردن وإسرائيل، فضلاً عن استثمارات كبيرة وفترة إنشاء قد تمتد سنوات.
ولا تشمل البنية الحالية طريقاً برياً جاهزاً يربط حقول النفط الخليجية مباشرة بإيلات؛ إذ أكد كوهين نفسه أن إسرائيل تمتلك خط إيلات–عسقلان، لكن ربطه بالدول العربية يتطلب إنشاء بنية تحتية جديدة وموافقة هذه الدول على المشاركة.
ويتركز المسار الفوري المطروح بصورة أساسية على النفط الخام، بينما يتطلب نقل الغاز الطبيعي من الخليج إلى المتوسط خطوطاً ومنشآت منفصلة لم تُنشأ بعد. ولذلك تظل الإشارات الإسرائيلية إلى نقل النفط والغاز جزءاً من رؤية مستقبلية أوسع، وليست مشروعاً تشغيلياً متكاملاً في الوقت الراهن.
ربط المقترحات بممر «IMEC»
وتسعى إسرائيل إلى دمج مشاريع الطاقة المقترحة ضمن ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا «IMEC»، الذي يتضمن، وفق التصورات المعلنة، شبكات للسكك الحديدية والطاقة والاتصالات تربط الهند بدول الخليج ثم بأوروبا عبر شرق المتوسط.
وبحث كوهين مع مسؤولين يونانيين تسريع مشروعات الربط الإقليمي، بما فيها ممر «IMEC» وكابل الكهرباء البحري ومشاريع طاقة أخرى في شرق المتوسط. وكانت إسرائيل واليونان قد أدرجتا الممر ضمن مجالات التعاون الإقليمي التي تعملان على تطويرها.
وتنظر إسرائيل إلى التعاون مع اليونان باعتباره امتداداً للمسار المقترح نحو الأسواق الأوروبية، لكن تنفيذه يواجه تحديات سياسية وأمنية ومالية، إضافة إلى التنافس على طرق الطاقة بين إسرائيل وتركيا ومسارات أخرى تمتد من أذربيجان والعراق إلى أوروبا.
أزمة الملاحة تفتح سباقاً على البدائل
تأتي المقترحات في وقت لا تزال فيه حركة النقل عبر مضيق هرمز أقل بكثير من معدلاتها السابقة، فيما بقيت صادرات النفط الخليجية في يوليو/تموز أقل بنحو 40 في المائة من مستويات ما قبل الحرب، رغم استقرارها النسبي مقارنة بالشهر السابق.
وتبحث دول الخليج بالفعل توسيع قدرات خطوطها القائمة بعيداً عن هرمز، وفي مقدمتها خط الأنابيب السعودي الممتد من شرق المملكة إلى ينبع، إضافة إلى خيارات وموانئ بديلة على البحر الأحمر. إلا أن ربط هذه البنى بإسرائيل يبقى أكثر تعقيداً بسبب الاعتبارات السياسية والإقليمية.
وعليه، تعكس التقارير الإسرائيلية محاولة لتوظيف أزمة الملاحة في تعزيز موقع إسرائيل الاقتصادي والجيوسياسي، لكنها لا تعني حتى الآن وجود تحالف طاقة خليجي–إسرائيلي جديد؛ إذ لا تزال الخطط في نطاق الاتصالات والمقترحات، من دون إعلان رسمي خليجي أو اتفاقات تنفيذية أو جداول زمنية ومالية معتمدة.
