بعد نحو أسبوعين على انطلاقها من البوسنة والهرسك، تواصل «قافلة فلسطين البرية» رحلتها العابرة لعدد من الدول الأوروبية والشرق أوسطية باتجاه الضفة الغربية، في تحرك مدني دولي يقول منظموه إنه يهدف إلى توسيع التضامن الشعبي مع الفلسطينيين، والضغط من أجل إنهاء الاحتلال والانتهاكات بحق المدنيين.
ووصلت القافلة، التي تضم ناشطين ومتضامنين من دول أوروبية وعربية، إلى غازي عنتاب جنوبي تركيا في 6 آب/أغسطس، حيث نظمت فعالية جماهيرية واستُقبل المشاركون من ناشطين وأهالٍ، بينهم أبناء من الجالية السورية. وبحسب التتبع المباشر الرسمي للقافلة، واصلت الرحلة اليوم الجمعة 7 آب/أغسطس إلى شانلي أورفا، على أن تنتقل لاحقاً إلى ديار بكر وماردين، ثم تعبر الحدود التركية–العراقية عبر معبر الخابور.
ويظهر التحديث الأخير للمنظمين أن القافلة تضم مشاركين من 31 دولة، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والنمسا وبلجيكا وهولندا والولايات المتحدة وتركيا والعراق والأردن ومصر، إضافة إلى دول أخرى في أوروبا والبلقان. وكانت تقديرات أُعلنت قبيل انطلاقها تتحدث عن أكثر من 500 ناشط و17 حافلة وعشرات المركبات، فيما نقلت وكالة «سانا» عن مشارك تونسي لاحقاً أن عدد المتضامنين بلغ نحو ألف شخص.

لماذا بدأت من سربرنيتسا؟
لم يختر منظمو القافلة مدينة سربرنيتسا في البوسنة والهرسك بصورة عابرة. فقد تجمّع المشاركون في سراييفو في 25 تموز/يوليو، ثم أقاموا في اليوم التالي فعالية في ساحة الشهداء بسربرنيتسا، المدينة التي شهدت إبادة جماعية عام 1995.
وقال المنظمون إن الانطلاق منها يحمل رسالة تتعلق بمسؤولية المجتمع الدولي عن حماية المدنيين ومنع تكرار الجرائم الجماعية، قبل أن تبدأ القافلة مسارها عبر ألبانيا واليونان ثم تركيا.
وشارك في التحرك ناشطون وصل بعضهم بشكل منفصل من دول أوروبية. وأعلنت القافلة، على سبيل المثال، انطلاق مجموعة من باريس باتجاه سربرنيتسا، إلى جانب مجموعات من النمسا وهولندا ودول أخرى التحقت تباعاً بالمسار الرئيسي.
من غازي عنتاب إلى العراق والأردن
وكانت غازي عنتاب إحدى أبرز محطات القافلة داخل تركيا. وبحسب وسائل إعلام تركية، جرى التحضير لاستقبال المشاركين عند المدخل الغربي للمدينة قبل تنظيم تجمع في محيط «مسجد ملت»، ضمن سلسلة من الفعاليات الشعبية المرافقة لمسار القافلة.
وفي تصريحات نقلتها «سانا»، اعتبر الخبير في القانون الدولي الإنساني نعيم آق بيق أن أهمية هذه التحركات لا تتوقف عند المساعدات أو الحضور الرمزي، بل تكمن كذلك في قدرتها على إبقاء القضية الفلسطينية في المجال العام الدولي، وتوسيع دائرة الضغط الشعبي على الحكومات والمؤسسات الدولية.
ورأى آق بيق أن النشاط الإنساني والتضامني العابر للحدود يمثل إحدى الوسائل المدنية لإظهار حجم الأزمة التي يعيشها الفلسطينيون، مشدداً على ضرورة حماية الحق في تلقي المساعدات الإنسانية واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
كما نقلت «سانا» عن طالب سوري مقيم في فرنسا قوله إنه علّق دراسته الجامعية مؤقتاً للمشاركة في القافلة منذ انطلاق مجموعته من باريس، معتبراً أن وجوده يأتي في إطار إيصال رسالة تضامن مع الفلسطينيين.
ما الذي تطالب به القافلة؟
وتقدم المبادرة نفسها على أنها حملة مدنية سلمية غير مرتبطة بحزب سياسي، وتقول إن المشاركين يتحركون في مركباتهم الخاصة وصولاً إلى الحدود مع الضفة الغربية. ويحدد موقعها الرسمي جملة من المطالب، في مقدمتها إنهاء الاحتلال والهجمات على الفلسطينيين، وتطبيق القانون الدولي الإنساني، واتخاذ خطوات دولية أكثر فاعلية تجاه الانتهاكات، إضافة إلى معارضة تشريعات إسرائيلية تتعلق بفرض عقوبة الإعدام على فلسطينيين.
ويركز المنظمون بشكل خاص على الضفة الغربية، معتبرين أن التحرك يستهدف أيضاً لفت الانتباه إلى الاستيطان والضم والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون فيها، إلى جانب إبقاء الأزمة الإنسانية في غزة ضمن أهداف الحملة ورسائلها العامة.

أين تتجه القافلة الآن؟
بعد محطة شانلي أورفا، يضع البرنامج المحدث ديار بكر في 8 آب/أغسطس، وماردين في 9 آب، ثم معبر الخابور في 10 آب. وبعد دخول العراق، من المقرر المرور بدهوك وأربيل وكركوك وبغداد والفلوجة والرمادي، ثم العبور إلى الأردن عبر معبر طريبيل.
ومن هناك تتجه القافلة إلى الرويشد ثم عمّان، قبل محاولة الوصول إلى جسر الملك حسين على الحدود الأردنية–الفلسطينية، ومنها إلى رام الله. ووفق أحدث نسخة من التتبع الرسمي، بات موعد الوصول المخطط إلى رام الله 18 آب/أغسطس، بعدما كانت الخطة الأولى المنشورة في 24 تموز/يوليو تضع موعد الوصول في 21 آب، ما يشير إلى تعديل الجدول الزمني أثناء الرحلة.
ويبقى الجزء الأكثر حساسية من الرحلة هو العبور من الأردن إلى الضفة الغربية، إذ لا يملك منظمو القافلة وحدهم قرار السماح بالدخول، وتخضع الحركة عبر المعبر لترتيبات وضوابط حدودية وسياسية قد تحدد في النهاية ما إذا كان المشاركون سيتمكنون من إكمال المسار كما هو مخطط له.
وبذلك، لا تمثل «قافلة فلسطين البرية» مجرد قافلة مساعدات تقليدية، بل تحركاً مدنياً عابراً للحدود يجمع بين المسيرات واللقاءات العامة والضغط الحقوقي والسياسي، ويحاول نقل التضامن مع الفلسطينيين من الفعاليات المحلية في أوروبا إلى مسار بري ينتهي، إذا سمحت ظروف العبور، داخل الضفة الغربية.

