شاهين: إسرائيل تعيد رسم خريطة فلسطين بالإرهاب والاستيطان.. وعلى العالم نزع سلاح المستوطنين ووقف «شلال الدم» في غزة
اتهمت وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية الدكتورة فارسين أغابكيان شاهين إسرائيل بانتهاج سياسة ممنهجة لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في الضفة الغربية عبر التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، مؤكدة أن الهدف النهائي يتمثل في دفع الفلسطينيين إلى الرحيل وإعادة رسم خريطة الأراضي الفلسطينية، فيما دعت المجتمع الدولي إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات فعلية ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين و«نزع سلاح المستوطنين».
وفي مقابلة من رام الله عبر شاشة «القاهرة الإخبارية» رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» ، قالت شاهين إن الاستيطان والمستوطنين يمثلان «ذراعاً أساسياً للاحتلال»، معتبرة أن ما يجري ليس مجموعة حوادث منفصلة، وإنما جزء من «سياسة دولة ممنهجة» تقوم على الاستيلاء على الأراضي وبناء المستوطنات وترهيب الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم.
وحذرت في الوقت نفسه من استمرار الأوضاع في قطاع غزة، مؤكدة أن الأولوية الآن هي «إيقاف شلال الدم»، ومعتبرة أن «مجلس السلام» لم يمارس حتى الآن الدور المطلوب منه في القطاع، بينما يستمر سقوط الضحايا وتتفاقم الأوضاع الإنسانية وتبقى المعابر شبه مغلقة.
«إرهاب المستوطنين أداة للتهجير»
وقالت وزيرة الخارجية الفلسطينية إن وتيرة اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين تصاعدت بصورة لافتة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما خلال الأشهر الستة الماضية.
وبحسب الأرقام التي عرضتها شاهين خلال المقابلة، شهدت الأشهر الستة الماضية أكثر من 11 ألف اعتداء نفذها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون ضد الفلسطينيين، وأسفرت عن مقتل 85 فلسطينياً، قالت إن 21 منهم قتلوا بصورة مباشرة على أيدي مستوطنين.
وأضافت أن الاعتداءات أدت كذلك إلى تهجير 26 تجمعاً بدوياً، فضلاً عن عشرات الهجمات التي استهدفت المساجد، مشيرة إلى تسجيل أكثر من 45 اعتداء على دور عبادة، وتدمير خمسة مساجد بصورة جزئية أو كلية وإحراق خمسة أخرى.
وشددت شاهين على أن قراءة النشاط الاستيطاني يجب ألا تقتصر على عدد الوحدات أو المستوطنات الجديدة، معتبرة أن الأخطر يتمثل في الدور الذي يؤديه المستوطنون أنفسهم في الضغط على التجمعات الفلسطينية وإجبارها على الرحيل.
وقالت إن الفكرة الإسرائيلية، من وجهة نظرها، تقوم على زيادة الضغط والخنق الاقتصادي والأمني والاجتماعي على الفلسطينيين إلى أن يصبح الرحيل نتيجة مفروضة عليهم، قبل تقديم ذلك لاحقاً باعتباره «تهجيراً طوعياً».
وأضافت أن ما يجري اليوم هو «إعادة رسم لخريطة فلسطين» عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، تجمع بين التوسع الاستيطاني والعنف وإخلاء التجمعات الفلسطينية.
شاهين: المطلوب نزع سلاح المستوطنين
وفي واحدة من أبرز رسائل المقابلة، دعت وزيرة الخارجية الفلسطينية المجتمع الدولي إلى التعامل مع تسليح المستوطنين باعتباره جزءاً أساسياً من الأزمة في الضفة الغربية.
وقالت شاهين: «العالم يجب أن يطلب نزع سلاح المستوطنين»، مطالبة في الوقت نفسه بمحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات وفرض إجراءات تترتب عليها كلفة حقيقية بالنسبة إلى إسرائيل.
ورأت أن استمرار غياب المساءلة يمنح إسرائيل شعوراً بأنها تستطيع مواصلة ممارساتها من دون ثمن، مضيفة أن السنوات الثلاث الماضية أظهرت، بحسب تعبيرها، ما يمكن أن تقوم به إسرائيل عندما تكون مقتنعة بأنها ستفلت من العقاب والحساب.
وشددت على أن الفلسطينيين بحاجة إلى حماية ودعم دوليين فعليين، وليس إلى بيانات سياسية إضافية.
«المشكلة ليست في التضامن بل في غياب الإرادة السياسية»
وفي تقييمها للاستجابة الدولية، قالت شاهين إن القضية الفلسطينية لا تعاني نقصاً في التأييد الشعبي أو القرارات الدولية أو التضامن العالمي، وإنما في الإرادة السياسية لتحويل هذه المواقف إلى إجراءات عملية.
وأضافت أن التحركات الشعبية المؤيدة للفلسطينيين اتسعت خلال السنوات الماضية، لكنها شددت على ضرورة ترجمة هذا الحراك إلى سياسات رسمية للدول.
وقالت إن عدداً من الدول اتخذ بالفعل إجراءات ضد ممارسات إسرائيلية، لكن المطلوب، بحسب الوزيرة، هو الذهاب أبعد من ذلك عبر خطوات سياسية واقتصادية وقانونية أكثر تأثيراً.
واعتبرت أن إسرائيل لن تغير حساباتها ما لم تجد أن استمرار سياساتها ستكون له كلفة فعلية تمس مصالحها الاقتصادية والسياسية.
وأضافت أن الرواية التي تقدم إسرائيل باعتبارها الضحية ينبغي مواجهتها دولياً، قائلة إن الفلسطيني هو، في الواقع الحالي، الطرف المهدد «في وجوده وفي أرضه».
تحرك لتوسيع «السردية الفلسطينية» عالمياً
وعن أدوات التحرك الفلسطيني في الخارج، أكدت شاهين ضرورة الاستثمار بصورة أكبر في الدبلوماسية الرقمية والشعبية وعدم حصر النشاط الفلسطيني في القنوات الرسمية التقليدية.
وقالت إن لدى الفلسطينيين طاقات شبابية وشخصيات مؤثرة في الإعلام والثقافة والسياسة ومجالات أخرى يمكن توظيفها لنقل الرواية الفلسطينية إلى الرأي العام الدولي.
وأشارت إلى تصور خرج عن مؤتمر عقد أخيراً في الأردن لحماية القدس والمقدسات والقضية الفلسطينية، يقوم على تطوير «سردية فلسطينية عربية إسلامية مسيحية» تصل إلى مختلف أنحاء العالم.
وشددت على أن التحرك المطلوب يجب أن يجمع بين الدبلوماسية الرسمية والقوة الشعبية والإعلامية والثقافية.
غزة.. «مجلس السلام غير فاعل»
وبالانتقال إلى تطورات قطاع غزة وخريطة الطريق الخاصة بالمرحلة التالية، قالت وزيرة الخارجية الفلسطينية إن المهمة الأكثر إلحاحاً هي وقف سقوط الضحايا وإنهاء المعاناة الإنسانية.
وأضافت: «أهم شيء إيقاف شلال الدم في قطاع غزة»، مطالبة «مجلس السلام» وجميع الدول الراعية لما يعرف بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام بتحمل مسؤولياتها في ضمان تطبيق التفاهمات على الأرض.
وانتقدت شاهين أداء المجلس حتى الآن، قائلة إن «مجلس السلام غير فاعل في قطاع غزة»، وإن المطلوب هو الانتقال سريعاً من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية.
وأكدت أن المرحلة الأولى نفسها تتضمن استحقاقات لم تنفذ بالكامل من جوانب متعددة، وأن مسؤولية الدول والجهات التي رعت الاتفاق لا تنتهي بمجرد الإعلان عنه، وإنما تشمل متابعة التنفيذ الفعلي ومحاسبة الأطراف على الالتزامات التي تعهدت بها.
«القتل والتجويع مستمران والمعابر شبه مغلقة»
ورسمت شاهين صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، قائلة إن القتل لا يزال مستمراً، وإن أعداد الجرحى تتزايد، بينما لا تدخل المساعدات الإنسانية بالمستوى المطلوب، وتبقى المعابر «شبه مغلقة».
وأضافت أن الفلسطينيين في غزة يحتاجون إلى رؤية قدر من الأمل بعد سنوات من الحرب والدمار والمعاناة، مؤكدة أن إعادة إعمار القطاع وتعافيه ستحتاج إلى سنوات طويلة، لكن ذلك لا يبرر تأجيل بدء المسار.
وقالت إن الأولوية يجب أن تكون للشروع فوراً في الخطوات السياسية والإدارية والإنسانية التي تسمح ببدء مرحلة التعافي.
دعوة لإدخال اللجنة الفلسطينية إلى غزة فوراً
وشددت وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية على ضرورة دخول اللجنة الإدارية الفلسطينية إلى قطاع غزة وتمكينها من ممارسة مهامها على الأرض.
وقالت إن بدء عمل اللجنة يشكل جزءاً أساسياً من الانتقال إلى المرحلة التالية وتهيئة الظروف لإدارة القطاع وبدء جهود التعافي وإعادة الإعمار، معربة عن أملها في أن يتحقق ذلك قريباً.
وبذلك، جمعت شاهين في حديثها بين مسارين تعتبرهما القيادة الفلسطينية مترابطين: مواجهة سياسة الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، ومنع تحويلها إلى أداة لاقتلاع الفلسطينيين، وفي المقابل الضغط لتنفيذ التفاهمات الخاصة بغزة وإنهاء القتل والتجويع وفتح الطريق أمام إدارة فلسطينية ومرحلة إعادة الإعمار.
وحملت تصريحاتها رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي مفادها أن المشكلة، من وجهة النظر الفلسطينية، لم تعد في نقص القرارات أو التضامن، بل في غياب الإجراءات الرادعة؛ من محاسبة المسؤولين والمستوطنين ونزع سلاحهم في الضفة، إلى إلزام الأطراف بتنفيذ اتفاق غزة وتفعيل دور «مجلس السلام» على الأرض.
