وداعاً دياب اللوح.. فلسطين تودّع مناضلاً وأسيراً ودبلوماسياً حمل غزة والوطن في قلبه حتى الرحيل

سفير فلسطين لدى مصر القائد الوطني دياب اللوح.jpg

غاب،  يوم الأحد 9 أغسطس/آب 2026، في العاصمة المصرية القاهرة، سفير دولة فلسطين لدى جمهورية مصر العربية، القائد الوطني دياب اللوح «أبو النمر»، عن عمر ناهز 68 عاماً، بعد مسيرة امتدت لعقود بين النضال والأسر والعمل التنظيمي والإعلامي والدبلوماسي، ظل خلالها حاضراً في ساحات الدفاع عن فلسطين وقضيتها وحقوق شعبها.

وبرحيل اللوح، فقدت فلسطين واحداً من وجوهها الوطنية والدبلوماسية البارزة، الذي انتقل في مسيرته من العمل الوطني داخل الأرض المحتلة وتجربة الاعتقال في سجون الاحتلال، إلى المواقع القيادية في حركة «فتح»، ثم إلى تمثيل فلسطين دبلوماسياً في عدد من العواصم، وصولاً إلى القاهرة، التي بقي فيها سفيراً لدولة فلسطين منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2017 وحتى وفاته.

ونعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس السفير اللوح، مشيداً بمسيرته الوطنية والدبلوماسية وما عُرف به من إخلاص وتفانٍ في أداء واجبه، وأخلاق رفيعة وتواضع وحرص على وحدة الصف وتغليب المصلحة الوطنية، إلى جانب قربه من أبناء شعبه ومتابعته قضاياهم.

وتقدم الرئيس بالتعازي إلى عائلة الفقيد وذويه وأبناء الشعب الفلسطيني وحركة «فتح» والحركة الوطنية الفلسطينية وأسرة سفارة فلسطين في القاهرة ورفاق دربه ومحبيه.

كما نعت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» اللوح، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني خسر برحيله مناضلاً وطنياً تشهد له ساحات العمل الوطني بالتضحية والالتزام. وأشارت إلى أنه التحق منذ شبابه بالثورة الفلسطينية المعاصرة وحركة «فتح»، وأسهم في بناء خلاياها التنظيمية داخل الأرض المحتلة، قبل اعتقاله والحكم عليه بالسجن 15 عاماً في معتقلات الاحتلال.

من الأسر إلى الدبلوماسية

ولد دياب اللوح في قطاع غزة عام 1958، وانخرط مبكراً في العمل الوطني الفلسطيني. وبعد تجربته في الأسر، واصل نشاطه السياسي والتنظيمي، وتدرج في مواقع متقدمة داخل حركة «فتح»، فكان عضواً في المجلس الثوري للحركة بين عامي 1997 و2009، ثم عضواً في مجلسها الاستشاري العام.

وتولى خلال سنوات طويلة مسؤوليات في الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية والعلاقات العربية والدولية، وكان من أبرزها رئاسة دائرة الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية لحركة «فتح» في قطاع غزة، كما أسس وترأس تحرير أسبوعية «الكرامة»، وعمل مديراً عاماً لمركز الإعلام والمعلومات، إلى جانب أدواره في لجان التوجيه السياسي والعمل التنظيمي للحركة.

ومع انتقاله إلى السلك الدبلوماسي، مثّل فلسطين في عدد من الدول المهمة، فشغل منصب سفير فلسطين لدى الصين بين عامي 2005 و2010، ثم سفيراً لدى اليمن من 2013 إلى 2016، ولدى موريتانيا من 2016 إلى 2017، قبل تعيينه سفيراً لدى مصر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

كما تولى منصب المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية لسنوات، واضطلع خلال وجوده في القاهرة بدور سياسي ودبلوماسي بارز في متابعة العلاقات الفلسطينية–المصرية، والقضايا المتصلة بقطاع غزة، وحركة السفر عبر المعابر، وأوضاع المرضى والجرحى الفلسطينيين والمقيمين في مصر، إضافة إلى ملفات المساعدات الإنسانية.

غزة حاضرة في سنواته الأخيرة

وخلال سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة التي عاشها قطاع غزة، كان اللوح أحد أبرز الوجوه الفلسطينية الحاضرة في القاهرة لمتابعة القضايا الإنسانية والسياسية المتعلقة بالقطاع.

وأكد في مواقفه مراراً أهمية الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية، ورفض مخططات تهجير الفلسطينيين من أرضهم، محذراً من أي مشاريع تستهدف تصفية القضية أو فرض حلول على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وعُرف عنه قربه من أبناء الجالية الفلسطينية والقادمين من غزة، ومتابعته ملفات المرضى والمسافرين وأصحاب الاحتياجات الإنسانية، وهي الصورة التي حضرت بقوة في بيانات النعي الصادرة عن مختلف القوى والشخصيات الفلسطينية.

نعي وطني يتجاوز الانقسام

وحظي رحيل اللوح بحالة نعي واسعة امتدت إلى مختلف مكونات الساحة الفلسطينية.

فنعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين السفير الراحل، واصفة إياه بالقائد الوطني الذي انحاز منذ شبابه إلى النضال، وتحمل الاعتقال، ثم واصل خدمة القضية الفلسطينية في ميادين العمل التنظيمي والدبلوماسي.

وأشادت الجبهة بما وصفته بدوره الوطني والوحدوي، وبعلاقاته مع مختلف القوى والفصائل، وبمتابعته بصورة خاصة ملفات أبناء غزة الموجودين في مصر، وفي مقدمتهم المرضى والمسافرون.

كما نعى تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح اللوح، واصفاً إياه بالمناضل وأحد كوادر «فتح» وأسراها المحررين، مشيراً إلى حياته الحافلة بالعطاء على الصعيدين الوطني والفتحاوي.

ونعاه كذلك المجلس الاستشاري لحركة «فتح»، مؤكداً أنه حمل هموم شعبه في كل موقع شغله، وعمل على تعزيز العلاقات الفلسطينية–المصرية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل العربية والدولية.

كما نعى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح اللوح، قائلاً إن فلسطين تفقد برحيله «مناضلاً ودبلوماسياً ومثقفاً وصديقاً» ترك أثراً وطنياً وإنسانياً سيظل حاضراً في ذاكرة من عرفه.

ونعى عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» والمفوض العام للعلاقات الخارجية ياسر عباس السفير الراحل، متقدماً بالتعازي إلى عائلته ورفاقه وكوادر الحركة.

مصر تنعى سفير فلسطين

وامتد الحزن إلى مصر، التي قضى فيها اللوح السنوات الأخيرة من حياته ممثلاً لفلسطين.

ونعت وزارة الخارجية المصرية سفير دولة فلسطين، مؤكدة أنه رحل بعد مسيرة وطنية ودبلوماسية حافلة بالعطاء في خدمة القضية الفلسطينية والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقدمت تعازيها إلى دولة فلسطين، قيادة وحكومة وشعباً، وإلى أسرته وذويه.

تشييعه في القاهرة الاثنين

وأعلنت سفارة دولة فلسطين لدى مصر أن جثمان السفير دياب اللوح سيُشيع ظهر الاثنين 10 أغسطس/آب من مسجد الشرطة في التجمع الخامس بالقاهرة، قبل أن يوارى جثمانه الثرى في مقابر الروبيكي.

كما أعلنت السفارة إقامة بيت العزاء يوم الثلاثاء في مسجد الشرطة بالتجمع الخامس.

ورغم مراسم التشييع، أكدت السفارة استمرار العمل، الاثنين، كالمعتاد وتقديم الخدمات للمواطنين الفلسطينيين دون توقف، في خطوة قالت إنها تأتي انطلاقاً من النهج الذي كان الراحل يتمسك به ويؤكد من خلاله دائماً أن خدمة المواطن الفلسطيني هي الأولوية.

صحفي وكاتب إلى جانب السياسي والدبلوماسي

ولم تقتصر مسيرة اللوح على العمل السياسي والتنظيمي والدبلوماسي؛ فقد كان حاضراً كذلك في المجال الإعلامي والفكري.

وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الصحافة والإعلام من جامعة الفارابي الكازاخستانية، وترك وراءه مجموعة من الكتب والدراسات، بينها «أوراق متناثرة» و«آفاق سياسية» و«العلاقات الفلسطينية–الصينية»، إضافة إلى أبحاث تناولت تأثير الصحافة في صناعة القرار السياسي ومسائل مرتبطة بالصين وتجربتها.

وهكذا طوى دياب اللوح صفحة حياة تنقلت بين غزة والسجون والعمل التنظيمي وغرف التحرير وسفارات فلسطين والعواصم العربية والدولية، لكنه بقي، وفق شهادات رفاقه ومختلف القوى التي نعته، قريباً من قضايا الناس ومن فكرة الوحدة الوطنية التي حرص على إبقائها حاضرة رغم الانقسامات.

يرحل «أبو النمر» بعيداً عن غزة التي ولد فيها وحمل همومها طويلاً، ليوارى الثرى في أرض مصر التي أمضى فيها آخر محطات مسيرته الدبلوماسية.

وداعاً دياب اللوح.. من زنازين الاحتلال إلى سفارات فلسطين، بقي الوطن عنوان الرحلة، وظلت خدمة شعبه مهمته حتى اليوم الأخير.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة