تحقيق أراضي الدولة خارج السيطرة.. كيف استغل متنفذون النزوح لتحقيق الأرباح؟

صورة عامة تُظهر خيامًا تأوي نازحين فلسطينيين مكتظين على طول ساحل مدينة غزة، بتاريخ 10 أغسطس/آب 2026. تصوير: بلال أسامة

تحقيق: جمال غيث، نور الدين صالح

حين اقتربت دبابات الاحتلال من منزل (و. ج) في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة خلال سبتمبر/أيلول 2025، لم يكن أمامه سوى الفرار مع زوجته وأطفاله الثلاثة نحو جنوب القطاع، بعدما زعم جيش الاحتلال تلك المناطق على أنها "آمنة".

وبعد ساعات طويلة من السير والتنقل بين الحافلات التي تقل النازحين، وصل إلى مدينة خانيونس جنوبي القطاع، لكنه اصطدم بواقع جديد؛ آلاف الخيام تغطي المكان، ولا مساحة متبقية لإيواء عائلته.

تنقل (و. ج) وهو في الخامس والثلاثين من عمره، بين مراكز الإيواء والخيام المقامة في مواصي خانيونس بحثًا عن بقعة أرض، قبل أن يخبره أحد النازحين بأن الحل الوحيد هو استئجار قطعة أرض من شخص يعرف بـ"أبو عايد"، الذي يفرض سيطرته على مساحات في المنطقة.

لم يكن أمام الرجل خيار آخر، فدفع 600 شيكل مقابل قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 60 مترًا مربعًا تكفي لإقامة خيمة وحمام، دون عقد أو سند ملكية، وإنما باتفاق شفهي فرضته ظروف النزوح والخوف.

يقول لمعدّي التحقيق: "لم أسأل إن كانت الأرض ملكًا للدولة أم لذلك الشخص، ولم يخطر ببالي البحث عن أوراق ملكية. كنت أبحث فقط عن مكان يحمي أطفالي من القصف. فالنازح لا يفكر إلا بالنجاة".

عاد الثلاثيني، إلى مدينة غزة بعد توقيع اتفاق التهدئة في أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن قصته كشفت جانبًا خفيًا من واقع النزوح؛ إذ تحولت أراضي الدولة خلال الحرب إلى مصدر ربح لبعض الأشخاص الذين استغلوا غياب المؤسسات الرسمية وسيطروا على مساحات عامة، ثم فرضوا على النازحين مبالغ مالية مقابل السماح لهم بإقامة خيامهم.

وخلال هذا التحقيق، تتبع معدّاه شهادات ميدانية وآراء قانونية للكشف عن كيفية استغلال أراضي الدولة أثناء الحرب، ودور الجهات الرسمية في ملاحقة المتورطين، والإجراءات القانونية الرامية إلى استعادة حقوق المواطنين.

تجارة تحت غطاء النزوح

لم تكن قصة (و. ج) حالة فردية. فشهادة (ر.أ) تكشف نمطًا متكررًا من استغلال النازحين في مناطق النزوح جنوب القطاع.

يروي (ر. أ) الذي رفض ذكر اسمه خشية ملاحقته من العائلة التي ادّعت ملكيتها للأرض، أنه نزح مع بداية الحرب من منطقة الفراحين شرق خانيونس إلى جورة اللوت، قبل أن يضطر للنزوح مرة أخرى إلى مواصي خانيونس بالقرب من بركة تجميع مياه الأمطار على شارع رقم (5)، بسبب تقدم قوات الاحتلال.

هناك، فوجئ بأحد أفراد إحدى العائلات يطالبه بدفع 200 شيكل شهريًا مقابل البقاء في المكان، مدعيًا أن الأرض تعود لعائلته. ولم يجد ذلك النازح خيارًا سوى الدفع حفاظًا على مأوى أسرته، واستمر في ذلك لمدة شهرين، قبل أن تتدخل الشرطة وتمنع تحصيل أي مبالغ مقابل استخدام أراضي الدولة.

وخلال جولات ميدانية أجراها معدّا التحقيق في مناطق النزوح جنوب قطاع غزة، التقيا بعدد من النازحين الذين أكدوا تعرضهم لممارسات مشابهة، وهو ما أكده رئيس بلدية خانيونس د. علاء الدين البطة، في معرض إجابته على سؤال لمعد التحقيق، قال إن "ملف أراضي الدولة ليس من اختصاص البلدية إنما هو من اختصاص سلطة الأراضي، ولكن نحن نساعدهم في هذا الملف في حال طُلب منا".

ومن بين الشهادات التي حصل عليها معدي التحقيق، (ع.أ)، الذي أقام بالقرب من أبراج حمد على أرض دولة، وأوضح أن عدداً من العائلات فرض سيطرته على أجزاء من أراضي الدولة خلال سبتمبر/أيلول 2025، ومنع النازحين القادمين من شمال القطاع ومدينة غزة من نصب خيامهم إلا بعد دفع مبالغ مالية، بزعم امتلاكهم تلك الأراضي.

وأكد (ع.أ) أن تلك الممارسات حرمت العديد من الأسر الفارة من القصف من إقامة خيامها، قبل أن تتداول مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة توثق هذه التجاوزات، ما دفع جهات أمنية للتدخل وإجبار المتورطين على التراجع، والتأكيد أن أراضي الدولة لا يحق لأي شخص فرض رسوم على استخدامها.

كما استمع معدّا التحقيق إلى شهادات أخرى لنازحين أكدوا تعرضهم للتهديد بإزالة خيامهم أو مطالبتهم بمغادرة أماكن إقامتهم بدعوى ملكية بعض العائلات للأرض، فيما فضّل عدد منهم عدم الكشف عن هوياتهم خشية التعرض للملاحقة أو الانتقام.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن استغلال حاجة النازحين إلى المأوى لم يقتصر على فرض رسوم على نصب الخيام، بل امتد إلى تحويل أجزاء من أراضي الدولة إلى سوق سوداء تُفرض فيها أسعار متفاوتة وفق الموقع، وسط غياب شبه كامل للرقابة خلال ذروة العمليات العسكرية.

ملاحقة المتعدين

هذا الواقع دفع معدا التحقيق إلى نقل تلك الشهادات إلى سلطة الأراضي، باعتبارها الجهة الحكومية المختصة بإدارة أملاك الدولة، للوقوف على حقيقة ما جرى والإجراءات التي اتخذتها لمواجهة الظاهرة، في وقت يؤكد فيه مختصون قانونيون أن الاستيلاء على أراضي الدولة وتأجيرها يمثل جريمة يعاقب عليها القانون، حتى في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

في مواجهة هذه الشهادات، وضع معدّا التحقيق ما توصلا إليه أمام رئيس سلطة الأراضي في قطاع غزة، المستشار عماد الباز، الذي أكد أن سلطة الأراضي رصدت منذ الأشهر الأولى للحرب التي انطلقت في السابع من أكتوبر2023 عدد من المواطنين قاموا بالاستيلاء على أراضي دولة عبر استغلالها في تأجيرها للنازحين أو لأصحاب الأنشطة التجارية مقابل مبالغ مالية، مستفيدين من حالة الفوضى وتعطل عمل المؤسسات الرسمية.

وأوضح الباز أن الظاهرة برزت مع موجات النزوح الأولى إلى مواصي خانيونس ورفح، حيث سيطر بعض الخارجين عن القانون على مساحات من أراضي الدولة وفرضوا رسوماً على المواطنين مقابل إقامة الخيام، كما استغل آخرون تلك الأراضي لإقامة بركسات ومحال تجارية تؤجر بمبالغ شهرية. وأضاف أن شدة القصف والانهيار الأمني خلال تلك الفترة حالت دون تدخل الجهات المختصة بشكل فوري.

ومع تراجع حدة العمليات العسكرية، بدأت سلطة الأراضي بمتابعة الملف ميدانياً، لتكتشف أن عدداً من المتعدين حققوا أرباحاً كبيرة من استغلال أملاك الدولة. وعلى إثر ذلك، وجهت السلطة إخطارات رسمية بحق المخالفين، وأحالت عدداً منهم إلى الشرطة والنيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وكشف الباز أن سلطة الأراضي أصدرت أكثر من 300 إخطار بحق متعدين على أراضي الدولة بعد أن خفت وتيرة الحرب في أعقاب دخول التهدئة حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي وحتى كتابة التحقيق، فيما تواصل لجنة مشتركة تضم سلطة الأراضي والبلديات والشرطة ووزارة الأشغال العامة متابعة الملف، رغم التحديات الأمنية التي تعيق تنفيذ القانون بصورة كاملة.

وبيّن أن سلطته أوعزت للمواطنين عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي بضرورة الإبلاغ عن أي تجاوزات يتعرضون لها، وتقديم شكوى رسمية عبر موقعها الرسمي من أجل متابعتها واتخاذ الإجراءات المناسبة. وقال "بدأنا نتابع هذه الظاهرة وأعددنا محاضر ضبط وحوّلنا جزءاً منها إلى الشرطة والنيابة لاتخاذ المقتضى القانوني".

وشدد على أن وجود النازحين فوق أراضي دولة لا يُعد مخالفة في ظل الظروف الإنسانية الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، مؤكداً أن مئات المخيمات، سواء المنظمة أو العشوائية، أقيمت على أراضي دولة في مواصي خانيونس ورفح ودير البلح ومناطق أخرى، ولن يجري إخلاء سكانها خلال فترة الطوارئ.

وبيّن أن سلطة الأراضي تركز حالياً على نوعين من التجاوزات؛ الأول يتمثل في استيلاء أشخاص على أراضي الدولة وتأجيرها لتحقيق مكاسب مالية، والثاني في استحواذ بعض المواطنين على مساحات تفوق احتياجاتهم الفعلية، وهو ما تعمل الجهات المختصة على تنظيمه بالتنسيق مع وزارة الأشغال العامة والمؤسسات الدولية، عبر إعادة ترتيب المخيمات وتحسين توزيع المساحات.

وحذر الباز من خطورة استمرار هذه الظاهرة، موضحاً أن بعض المتعدين فرضوا على النازحين مبالغ وصلت إلى 500 شيكل مقابل قطعة أرض صغيرة لإقامة خيمة، بينما بلغت إيجارات بعض البركسات التجارية نحو 1000 شيكل شهرياً، وهو ما وفر لهم أرباحاً كبيرة على حساب مواطنين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب.

وأكد أن المواطنين الذين أقاموا مصالح تجارية على أراضي دولة بعد استئجارها من متعدين لن يتم إخلاؤهم في المرحلة الحالية. وأضاف "نعمل حالياً على إرجاع المبالغ المالية التي أخذها المواطن المُجرم (المُعتدي) من المواطنين الآخرين طيلة فترة إقامة خيامهم في أراضي الدولة".

وتابع "لن نقوم بإزالة أي بركس أو شخص في ظل هذه الفترة الاستثنائية، ولكن قد نلجأ لعملية صياغة قانونية وترتيب أوضاعه بصورة مؤقتة، وقد ننقل عقد الإيجار ما بين المواطن المُتعدي والمُستأجر إلى بينه وبين سلطة الأراضي ولكن سيكون ذلك لفترة زمنية مؤقتة بانتهاء حالة الطوارئ، من أجل إعادة الحقوق لأصحابها".

وأضاف أن أراضي الدولة في قطاع غزة تمتد على آلاف الدونمات، وتتركز في مواصي خانيونس ورفح، إلى جانب مساحات واسعة في دير البلح والمنطقة الوسطى وغرب جباليا ومدينة غزة، لافتاً إلى أن غالبية حالات التعدي سُجلت في المناطق التي شهدت أكبر موجات نزوح.

مخططات تنظيم

في السياق، كشف الباز أن سلطة الأراضي أعدت خططاً لتنظيم تلك المساحات وإقامة مخيمات أكثر ملاءمة للنازحين، إلا أن تنفيذها ما يزال مرهوناً بتوفير التمويل، رغم إعلان السلطة استعدادها لتخصيص مئات الدونمات لهذا الغرض.

فيما أكد مُسير وزارة الأشغال العامة والإسكان، م. محمد عبود، أن دور الوزارة في ملف تخصيص الأراضي ينقسم إلى مسارين رئيسيين، وفق طبيعة الغاية من التخصيص والجهة المختصة باتخاذ القرار.

وأوضح عبود أن المسار الأول يتعلق بعمل اللجنة العليا للإيواء، التي تتولى وزارة الأشغال العامة والإسكان رئاستها، وتضم في عضويتها سلطة الأراضي، التي تتولى المساهمة في تخصيص الأراضي اللازمة لأغراض الإيواء، بما ينسجم مع الاحتياجات القائمة وآليات العمل المعتمدة.

وأضاف أن المسار الثاني يختص بتخصيص الأراضي للانتفاعات أو للأغراض الأخرى، وهو من اختصاص لجنة التخصيصات التي تترأسها سلطة الأراضي، فيما تشارك وزارة الأشغال العامة والإسكان في عضويتها، حيث تتم دراسة جميع طلبات التخصيص وفق معايير مهنية واضحة، تستند إلى طبيعة الحاجة والإمكانات المتاحة، مع مراعاة أوضاع الملكيات والضوابط المعمول بها قبل اتخاذ أي قرار بشأنها.

وأكد أن سلطة الأراضي تحتفظ بالنسخ الرسمية لسجلات الأراضي، وستراجع جميع المعاملات فور استئناف عملها الكامل في قطاع غزة، مشدداً على أن أي تصرف أو تأجير أو نقل ملكية لأراضي الدولة خارج الأطر القانونية يُعد باطلاً ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.

جريمة مركبة

وفي الجانب القانوني، أكد الباز أن التعدي على أراضي الدولة يُعد جناية يعاقب عليها القانون، وقد تصل العقوبة إلى السجن لأكثر من عشر سنوات، مشيراً إلى أن السلطة تعمل أيضاً على استرداد الأموال التي حصل عليها المتعدون وإعادتها إلى أصحابها بعد استكمال الإجراءات القانونية.

وينص القانون رقم (43) لسنة 2021 بشأن حظر التصرف في أراضي الدولة والأراضي الوقفية في المحافظات الجنوبية "يُحظر على أي شخص طبيعي أو اعتباري التصرف أو التخصيص أو التأجير أو الترخيص بالانتفاع أو إجراء أي معاملة قانونية على أراضي الدولة أو الأراضي الوقفية في المحافظات الجنوبية، إلا وفقًا للقوانين والأنظمة النافذة، ومن خلال الجهات المختصة المخولة قانونًا".

كما يؤكد القانون أن أي تصرف يتم خارج هذه الأطر القانونية يُعد باطلًا ولا يرتب أي أثر قانوني، وأن الجهة المختصة بإدارة أراضي الدولة هي سلطة الأراضي وفقًا للقوانين السارية.

وفي هذا الشأن، يرى الخبير القانوني نافذ المدهون أن الاستيلاء على أراضي الدولة وتأجيرها يمثل جريمة مركبة، لأنها تجمع بين الاعتداء على المال العام واستغلال حاجة المواطنين لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وأوضح أن قانون العقوبات الفلسطيني يفرض عقوبات مشددة على كل من يعتدي على أملاك الدولة، مؤكداً أن الحرب والظروف الاستثنائية لا تمنح أي شخص حق السيطرة على أراضي الدولة أو التصرف بها، حتى لو ادعى أن هدفه خدمة النازحين.

وأضاف أن استغلال معاناة الأسر النازحة للحصول على الأموال يُعد ظرفاً مشدداً للعقوبة، داعياً إلى فتح تحقيقات جنائية بحق جميع المتورطين، وإصدار مذكرات توقيف بحقهم، وإحالتهم إلى القضاء لضمان محاسبتهم وفق القانون.

وأكد المدهون أن جميع الأموال التي جرى تحصيلها من المواطنين بطرق غير قانونية يجب استردادها وإعادتها إلى أصحابها بعد صدور الأحكام القضائية، بما يضمن جبر الضرر وحماية المال العام.

وربط انتشار هذه الظاهرة بتراجع قدرة المؤسسات الحكومية على الرقابة خلال الحرب، لكنه شدد على أن حالة الفوضى لا تبرر ارتكاب الجرائم، مشيراً إلى أن استغلال أراضي الدولة جاء بالتوازي مع جرائم أخرى شهدها القطاع، مثل الاحتكار والاتجار بالمساعدات الإنسانية.

وطالب بحصر جميع هذه القضايا، ومنع المتورطين من مغادرة قطاع غزة، أو الإفلات من العدالة ووضعهم على القائمة السوداء، تمهيداً لمحاسبتهم، داعياً الجهة التي ستتولى إدارة القطاع مستقبلاً إلى وضع آلية قانونية واضحة لمعالجة هذا الملف وضمان عدم ضياع حقوق المواطنين.

ويؤكد ما توصل إليه هذا التحقيق أن آلاف النازحين وجدوا أنفسهم أمام معادلة قاسية، فبينما كانوا يبحثون عن بقعة آمنة تحميهم من القصف، تحولت أجزاء من أراضي الدولة إلى مصدر ربح غير مشروع لبعض المتنفذين الذين استغلوا غياب الرقابة وضعف المؤسسات خلال الحرب.

وبين شهادات الضحايا، والإجراءات الحكومية، والتحذيرات القانونية، يبقى السؤال معلقاً: هل تنجح الجهات المختصة في استرداد الأموال ومحاسبة المتورطين، أم أن هذه الوقائع ستبقى واحدة من أكثر ملفات الحرب تعقيداً، بما تحمله من اعتداء على المال العام واستغلال لمعاناة آلاف النازحين؟.

المصدر: جمال غيث، نور الدين صالح - غزة