أموال لحماس أم مستحقات لمورّدين؟ ملادينوف ينفي «اتفاق الـ400 مليون»… فمن يفسّر تضارب الروايات؟

نيكولاي ملادينوف، المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة

نفى نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" في غزة، مساء الأربعاء 12 آب/ أغسطس 2026، بصورة قاطعة وجود اتفاق مالي بين المجلس وحركة حماس، ردًا على تقرير إسرائيلي تحدث عن ترتيبات قد تصل قيمتها إلى 400 مليون دولار لتغطية التزامات مالية مرتبطة بفترة حكم الحركة في قطاع غزة.

وجاء نفي ملادينوف في منشور باللغة العبرية على منصة "إكس"، في خطوة لافتة بدا أنها تستهدف مباشرة النقاش المتصاعد داخل إسرائيل بشأن مضمون خريطة الطريق الخاصة بغزة وآليات تمويل المرحلة المقبلة.

وقال ملادينوف إن الادعاءات بوجود "اتفاق مالي" بين مجلس السلام وحماس غير صحيحة، مشددًا على أن مقترحًا من هذا النوع لم يُناقش أو يُتفاوض عليه أو يُدرس، ولن يكون مطروحًا مستقبلًا. وأضاف أن حماس لن يكون لها دور في إدارة غزة أو إمكانية الوصول إلى أموال المجلس.

وأكد أن أموال "مجلس السلام" لا تُحوّل عبر حماس، وأن العقود تخضع للمراجعة والمصادقة، فيما يجري التحقق من الأعمال قبل صرف المستحقات، مع إتاحة الحسابات للتدقيق من جانب الحكومات المانحة.

لكن النفي لا يغلق الجدل بالكامل، إذ إن الرواية التي أثارها تقرير هيئة البث الإسرائيلية "كان" تتناول صيغة أكثر تعقيدًا من تحويل أموال مباشرة إلى الحركة.

فبحسب ما نشرته "كان"، تتضمن ترتيبات مرتبطة باتفاق النقاط الـ15 معالجة التزامات مالية قد تصل إلى 400 مليون دولار، على أن تُدفع أموال إلى موظفين لم يتلقوا مستحقاتهم، أو إلى مورّدين ومتعاقدين قدموا خدمات للسكان ولم يحصلوا على مستحقاتهم. ونقلت تقارير إسرائيلية عن مصدر في مجلس السلام قوله إن الأموال، وفق هذا التصور، لا تهدف إلى تغطية فساد أو سوء إدارة مالية أو نشاط عسكري لحماس.

 

وبذلك يتمحور الخلاف، وفق المعطيات المنشورة حتى الآن، حول طبيعة هذه الالتزامات ومن يحدد المستفيدين منها: هل تمثل تسوية لـ"ديون حماس"، كما وصفتها "كان"، أم مدفوعات مستقلة لموظفين ومورّدين ومتعاقدين تخضع لإشراف المجلس ولا تمر عبر الحركة، كما يؤكد ملادينوف؟

ولم تقدم المعطيات العلنية المتاحة حتى مساء الأربعاء وثيقة مالية تفصيلية تحسم هذا التباين في التوصيف.

ليبرمان يدخل على خط المواجهة

الجدل انتقل سريعًا إلى الساحة السياسية الإسرائيلية، إذ هاجم رئيس حزب "يسرائيل بيتنو"، أفيغدور ليبرمان، الترتيبات المتداولة خلال زيارة إلى منطقة معبر كرم أبو سالم، واتهم حكومة بنيامين نتنياهو بالعودة إلى سياسة "الاحتواء" التي يقول إنها سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وادعى ليبرمان أن جزءًا من قيمة السلع التي تدخل غزة يصل إلى حماس، كما زعم أن ترتيبًا بقيمة 400 مليون دولار سيشمل مدفوعات لموردين ومقدمي خدمات وفق قوائم مرتبطة بالحركة، وأن قسمًا من الأموال قد يصل إلى جناحها العسكري. ولم يقدم ليبرمان، في التصريحات المنشورة، أدلة مستقلة تثبت هذه النسب، فيما يتعارض توصيفه بصورة مباشرة مع نفي ملادينوف لطريقة انتقال الأموال.

ملادينوف: لا دور لحماس في الحكم أو الأموال

وفي محاولة لوضع الجدل المالي ضمن الإطار الأوسع للخطة، قال ملادينوف إن "مجلس السلام" أُنشئ في سياق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الذي أقر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 إطارًا للمرحلة الانتقالية وأجاز إنشاء قوة دولية للاستقرار. وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن المجلس يعمل في إطار تنفيذ القرار والخطة الشاملة المرتبطة به.

وشدد ملادينوف على أن التصور يقوم على انتقال غزة إلى إدارة مدنية لا تشارك فيها حماس، بالتوازي مع مسار لنزع السلاح ودور لقوة الاستقرار الدولية.

وكان مجلس السلام قد أكد قبل يومين أن خريطة الطريق لا تزال قائمة رغم اعتراضات أعلنها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على توقيت الانسحاب الإسرائيلي، موضحًا أن التنفيذ سيجري على مراحل مرتبطة بخطوات يمكن التحقق منها على الأرض، وأن إسرائيل لن تكون مطالبة باتخاذ إجراءات لا رجعة فيها اعتمادًا على "الثقة" وحدها.

كما كانت مباحثات ملادينوف مع نتنياهو مطلع آب/ أغسطس قد تناولت اتفاق نزع السلاح والانتقال من حكم الفصائل المسلحة إلى إدارة مدنية، في وقت أكدت فيه حماس تمسكها بما قالت إنه تم الاتفاق عليه بشأن المرحلة الثانية، مع استمرار الخلاف حول ترتيب الالتزامات المتبادلة.

آلية لمراقبة الخروقات

وكشف ملادينوف كذلك أن آلية لمراقبة الانتهاكات بدأت العمل خلال الأيام الأخيرة، وأن الخروقات المتكررة سيجري التعامل معها، من دون نشر تفاصيل كاملة حتى الآن بشأن تركيبة الآلية أو إجراءاتها التنفيذية.

وقدم "الخيار الثالث" الذي يعمل عليه المجلس بوصفه مسارًا بين احتمالين يقول إنهما يحملان مخاطر كبيرة: بقاء حماس في السلطة واستعادة قدراتها العسكرية، أو عودة إسرائيل إلى السيطرة المباشرة على كامل سكان القطاع. ويقوم البديل، وفق طرح المجلس، على نزع السلاح، وحكم مدني، ووجود أمني دولي، وآليات للمراقبة والتحقق.

وهكذا، لم يعد السؤال المطروح مقتصرًا على وجود مبلغ بقيمة 400 مليون دولار من عدمه، بل على التعريف القانوني والسياسي للمدفوعات المحتملة، والجهة التي تضع قوائم المستفيدين، وكيفية ضمان ألا تتحول تسوية مستحقات مدنية إلى قناة تمويل غير مباشرة لحماس.

وبين تقرير إسرائيلي يصف الأموال بأنها معالجة لـ"ديون حماس"، ونفي ملادينوف القاطع وجود أي اتفاق مالي مع الحركة، تبقى الوثائق التنفيذية وآليات الدفع والرقابة هي العنصر الحاسم في تفسير التناقض؛ فالجدل لم يعد حول الروايات فقط، بل حول ما ستقوله العقود والحسابات عندما يبدأ التنفيذ الفعلي.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس