قُتل الفلسطيني علاء محمد موسى ديك خضور محاميد، من مدينة أم الفحم، الخميس 17 أيلول/سبتمبر 2026، برصاص عناصر من «حرس الحدود» الإسرائيلي، عقب مطاردة بدأت على شارع 65 وانتهت داخل المدينة، في حادثة أثارت جدلًا واسعًا بعد تضارب رواية الشرطة مع إفادات عائلة محاميد ومصادر محلية بشأن الظروف التي سبقت إطلاق النار عليه.
وتتركز نقاط الخلاف بصورة أساسية حول ما إذا كان محاميد قد شكّل خطرًا مباشرًا على عناصر الشرطة لحظة إطلاق النار، وما إذا كان مكبّل اليدين عند إصابته، في وقت طالبت فيه عائلته وبلدية أم الفحم واللجنة الشعبية في المدينة بكشف تسجيلات المراقبة وإجراء تحقيق مستقل في الحادثة.
وبحسب رواية الشرطة الإسرائيلية، رصد عناصر من وحدة الدراجات النارية التابعة لـ«حرس الحدود» مركبة على شارع 65 قالوا إنها أثارت اشتباههم، وطلبوا من سائقها التوقف، إلا أنه لم يمتثل وواصل السير، لتبدأ مطاردة شارك فيها لاحقًا عناصر من شرطة أم الفحم.
وادعت الشرطة أن المطاردة انتهت داخل المدينة، وأن محاميد، خلال محاولة توقيفه، خرج من مركبته وهاجم أحد عناصر «حرس الحدود»، وأن العنصر أطلق النار بعدما شعر بأن حياته في خطر. وقالت إن ملابسات الواقعة لا تزال قيد الفحص.
رواية محلية مختلفة
في المقابل، أفادت مصادر محلية وعائلة محاميد بأن تسلسل الأحداث كان مختلفًا، وقالت إنه جرى توقيفه وتكبيله خلال الملاحقة، قبل أن يتمكن من العودة إلى مركبته ومغادرة المكان، ثم تجددت المطاردة ووقع خلالها حادث سير، قبل أن تتمكن الشرطة من توقيفه مرة أخرى.
وتقول العائلة ومصادر محلية إن إطلاق النار وقع بعد التوقيف الثاني وإن محاميد كان مكبّل اليدين، وهي رواية لم تؤكدها الشرطة. وتكتسب هذه النقطة أهمية مركزية في تحديد ظروف استخدام القوة ومدى وجود خطر مباشر لحظة إطلاق النار.
ولفتت تغطية لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عبر موقعها «واينت» إلى أن محاميد كان قد أوقف وكُبّل بالفعل في مرحلة سابقة من الواقعة قبل أن يعود، بحسب المعلومات التي أوردتها الصحيفة، إلى مركبته وتستأنف المطاردة. لكنها نقلت في الوقت نفسه رواية الشرطة التي تقول إنه هاجم عناصرها عقب توقيفه للمرة الثانية، دون أن تحسم ما إذا كان لا يزال مكبّلًا لحظة إطلاق النار عليه.
وقالت عائلة محاميد إن علاء كان مسالمًا ولم يكن يحمل سلاحًا، فيما أفادت بأنه كان يعاني من مشكلات نفسية وسبق أن تلقى علاجًا في مؤسسة طبية. وأوردت وسائل إعلام إسرائيلية أيضًا، نقلًا عن العائلة، أنه سبق أن تلقى علاجًا نفسيًا، ما دفع أفرادًا من عائلته إلى التساؤل عن طريقة تعامل القوة معه وإمكانية السيطرة على الموقف بوسائل أخرى دون استخدام الرصاص القاتل.
وقال شقيقه فتحي محاميد إن العائلة تعتبر ما جرى «إعدامًا ميدانيًا»، مطالبًا بالتحقيق في ظروف إطلاق النار وفحص كاميرات المراقبة في المنطقة. كما اتهم الشرطة بإزالة تسجيلات من كاميرات محال ومنازل قريبة من موقع الحادث، وهي اتهامات صادرة عن العائلة ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وبحسب العائلة، كان محاميد، المعروف باسم «أبو محمد»، متزوجًا وأبًا لخمسة أبناء، أربع بنات وابن.
إحالة الملف إلى «ماحاش»
وفي تطور لاحق، أعلنت بلدية أم الفحم أن ضابطًا في الشرطة أبلغ رئيس البلدية سمير صبحي بإحالة القضية إلى قسم التحقيق مع أفراد الشرطة في وزارة القضاء الإسرائيلية «ماحاش».
غير أن البلدية طالبت، إلى جانب ذلك، بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومهنية لفحص جميع ظروف الحادثة، على أن تضم ممثلًا عن عائلة محاميد، مؤكدة ضرورة الكشف الكامل عن تفاصيل إطلاق النار وضمان الشفافية ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت ارتكاب مخالفات.
كما حمّلت بلدية أم الفحم الشرطة المسؤولية عن مقتل محاميد، وقالت إن الرواية المنشورة من جانب الشرطة لا تلغي الحاجة إلى فحص مستقل للوقائع والأسباب التي أدت إلى استخدام الرصاص.
بدورها، رفضت اللجنة الشعبية في أم الفحم رواية الشرطة، ووصفت مقتل محاميد بأنه «إعدام بدم بارد»، معربة عن عدم ثقتها بتحقيق داخلي وحده، وطالبت بلجنة مستقلة تضم ممثلًا عن العائلة، كما دعت إلى تحركات جماهيرية احتجاجًا على الحادثة.
وفي أحدث المواقف السياسية المنشورة عصر الخميس، أدانت القائمة المشتركة مقتل محاميد ووصفته بـ«الإعدام الميداني»، متهمة الشرطة باستخدام القوة المفرطة بحق العرب، ومعتبرة أن الحادثة تأتي في سياق ما وصفته بسياسة «اليد الخفيفة على الزناد». وهذه توصيفات ومواقف صادرة عن القائمة في بيانها بشأن الواقعة.
تسعة قتلى برصاص الشرطة منذ مطلع العام
وتعيد حادثة أم الفحم إلى الواجهة النقاش المتصاعد داخل المجتمع العربي بشأن استخدام الشرطة الإسرائيلية للسلاح في عمليات التوقيف والملاحقة، خصوصًا عندما تنتهي المواجهات بمقتل أشخاص وسط خلاف لاحق بشأن طبيعة الخطر الذي كانوا يشكلونه وقت إطلاق النار.
وبحسب توثيق نشره موقع «عرب 48»، فإن محاميد هو تاسع عربي يُقتل برصاص الشرطة الإسرائيلية منذ مطلع عام 2026، إضافة إلى شريف حديد من دالية الكرمل الذي قُتل برصاص جندي إسرائيلي على شارع 6 في كانون الثاني/يناير الماضي. وأشار الموقع إلى أن عائلات وجهات محلية شككت في عدد من الحالات السابقة في الروايات الرسمية المتعلقة بظروف إطلاق النار.
ومع إحالة الملف إلى «ماحاش»، تبقى الأسئلة الرئيسية معلقة بشأن اللحظات التي سبقت إطلاق النار: ما إذا كان محاميد مكبّل اليدين عند إصابته، وطبيعة الخطر الذي تقول الشرطة إنه شكله، وما إذا كانت هناك تسجيلات مصورة توثق المواجهة ويمكن أن تحسم التناقض بين رواية الشرطة وإفادات العائلة والمصادر المحلية.
