تقرير من الخيمة إلى الحصار والتهجير.. قصرة تواجه نموذجًا استيطانيًا يطارد الفلسطينيين حتى أبواب منازلهم

قصرة... من الاعتداء الخاطف إلى الحصار الاستعماري الممتد...jpg

لم يعد اعتداء المستوطنين على المنازل الفلسطينية في أطراف القرى جنوب نابلس يقتصر على اقتحام عابر أو هجوم ينتهي بانسحاب المهاجمين. ففي منطقة رأس العين ببلدة قصرة، تكشف أيام من تطويق منازل فلسطينية وقطع الطرق والخدمات عنها نمطًا أكثر استدامة: إقامة نقطة استيطانية ملاصقة للبيت، ثم تقييد حركة سكانه والوصول إليه، في ظروف تقول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إنها تهدد بتحويل الضغط المتواصل إلى وسيلة لدفع العائلات نحو الرحيل.

ومنذ الأحد 9 أغسطس/آب، أقام مستوطنون خيمة ومنشآت مؤقتة قرب منازل عائلات فلسطينية في رأس العين، وأغلقوا طرق الوصول إليها بالحجارة، فيما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية «وفا» بأن المنازل تعود إلى عائلات يوسف عبد السلام ورزق أبو ريدة ولؤي أبو ريدة، وأن سكان المنطقة يواجهون منذ نحو أربعة أشهر محاولات متكررة لاقتحامها والسيطرة عليها.

وتحول وجود الخيمة خلال أيام إلى حصار فعلي. ووفق شهادات السكان التي نقلتها «وفا»، قُطعت المياه والكهرباء، وتعذر في أوقات مختلفة إدخال الغذاء والدواء، فيما أُغلقت الطرق أمام أفراد العائلات ومن يحاول الوصول إليهم. وقال قصي أبو ريدة، الموجود في أحد المنازل، إن الوصول إلى البيت أو إدخال الاحتياجات الأساسية إليه أصبح «شبه مستحيل»، في حين تحدث يوسف عبد السلام عن رشق النوافذ بالحجارة ومضايقات ليلية متواصلة.

تدخل عسكري لم ينهِ الحصار

وأخذت القضية بعدًا أوسع الأربعاء، عندما حاول الجيش الإسرائيلي إزالة البؤرة التي أقيمت مباشرة أمام المنازل، لتندلع مواجهة بين الجنود والمستوطنين. وأكدت «رويترز» أن القوات استخدمت الغاز المسيل للدموع خلال محاولة التفكيك، لكنها انسحبت بعد نجاح محدود، قبل أن يحاول مستوطنون لاحقًا كسر مدخل أحد المنازل.

وقال الجيش الإسرائيلي إن إقامة البؤرة والسيطرة على المنازل والأراضي في المنطقة نشاط غير قانوني يضر بالسكان ويعطل حياتهم اليومية، وأعلن الموقع منطقة عسكرية مغلقة. إلا أن بقاء المستوطنين بعد محاولة الإخلاء أظهر محدودية أثر التدخل على الأرض؛ إذ لم يؤد الإعلان عن عدم قانونية البؤرة إلى إنهاء وجودهم أو إعادة الحياة الطبيعية بصورة فورية للعائلات المحاصرة.

وتشير تغطية صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن أحد المنازل يعود إلى لؤي أبو ريدة، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية ويقيم في ولاية أوهايو، بينما يوجد أقاربه داخل المنزل. ووثقت الصحيفة، استنادًا إلى تسجيلات كاميرات وشهادات العائلة، تفاصيل الحصار والتوتر بين المستوطنين والقوات التي حاولت تفريقهم.

وبذلك لا تتمثل القضية فقط في وجود خيمة استيطانية غير مرخصة، بل في قدرة مجموعة من المستوطنين على إبقاء عائلات داخل منازلها تحت الضغط أيامًا متتالية، حتى بعدما أعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها أن النشاط غير قانوني.

رأس العين.. المعركة على الموقع قبل المنزل

وتكتسب المنازل المحاصرة أهمية إضافية بسبب موقعها في منطقة رأس العين، على أطراف قصرة جنوب نابلس. وتقول بلدية قصرة إن المنطقة تعرضت مرارًا لمحاولات إقامة بؤرة استيطانية، وإن الأهالي تصدوا لها في السابق، فيما تصف «وفا» الموقع بأنه منطقة جبلية مرتفعة ومصنفة ضمن المنطقة «ب».

ومن وجهة نظر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن التركيز على هذه المنازل لا يمكن فصله عن محاولة تثبيت موطئ قدم في الموقع نفسه. فوجود منزل فلسطيني مأهول في نقطة مستهدفة بالتوسع يجعل السيطرة الفعلية عليها أكثر صعوبة، بينما يؤدي إخلاؤه إلى إزالة أحد أبرز العوائق أمام توسيع البؤرة وربطها بمساحات أوسع.

وهنا تبرز خطورة ما تصفه الهيئة بـ«الحصار الاستيطاني الممتد»: تبدأ العملية بخيمة أو نقطة مؤقتة، ثم يترافق وجودها مع إغلاق الطريق وتعطيل المياه والكهرباء وتقييد الوصول، إلى أن تصبح إقامة العائلة في المنزل أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.

ولا يمثل هذا الوصف مجرد سيناريو افتراضي بالنسبة إلى سكان المنطقة.

قصرة... من الاعتداء الخاطف إلى الحصار الاستعماري الممتد.png


 

جالود.. السابقة التي تخشاها قصرة

على بعد مسافة قصيرة من قصرة، تقدم قرية جالود مثالًا قريبًا لما يمكن أن يحدث إذا طال الحصار.

ففي 22 يوليو/تموز الماضي، استولى مستوطنون على منزل عائلة محمود الطوباسي، بعد مغادرة الأسرة إثر حصار تجاوز ثلاثة أشهر، وفق «وفا». وخلال تلك الفترة، أقيمت بؤرة قرب المنزل، وقُطعت عنه الكهرباء، وأُغلق الطريق أمام محاولات إيصال الغذاء والمياه والأدوية، قبل أن تنتهي العملية بخروج العائلة وسيطرة المستوطنين على البيت.

ولهذا يستحضر أهالي قصرة تجربة الطوباسي بوصفها إنذارًا مباشرًا، لا مجرد مقارنة بين حادثتين. وقال رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي إن البلدة تسعى إلى منع تكرار سيناريو جالود، مؤكدًا أن المؤسسات المحلية تعمل مع جهات دولية وحقوقية لدعم العائلات والحفاظ على وجودها في رأس العين.

المسار في الحالتين يحمل عناصر متشابهة: نقطة استيطانية قرب منزل منعزل نسبيًا، تضييق على الوصول، استنزاف قدرة السكان على الاستمرار، ثم خطر تحوّل مغادرة المنزل إلى سيطرة دائمة عليه.

قصرة تحت ضغط متصاعد

ويأتي حصار رأس العين بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إحراق مسجد الرحمة قيد الإنشاء في قصرة، في 26 يوليو/تموز، ضمن موجة اعتداءات استهدفت أيضًا مسجدًا في قرية كور القريبة. ووثقت «أسوشيتد برس» و«رويترز» إحراق المسجد وكتابة شعارات عبرية على الموقع، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي إدانة استهداف دور العبادة وفتح تحقيق.

وتضع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ما يجري في قصرة ضمن تصاعد أوسع للاعتداءات في الضفة الغربية. ووفق بياناتها، سجل شهر يوليو/تموز وحده 2256 اعتداءً نفذها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، بينها 798 اعتداءً نسبتها الهيئة إلى المستوطنين، تركز العدد الأكبر منها في محافظتي نابلس والخليل.

وتقول الهيئة أيضًا إن المستوطنين نفذوا خلال ألف يوم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026 ما مجموعه 12,506 اعتداءات، أسفرت، وفق إحصاءاتها، عن مقتل 52 فلسطينيًا وإشعال 890 حريقًا في ممتلكات وحقول فلسطينية.

هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تشرح وحدها ما تعتبره الهيئة تحولًا في طبيعة الضغط على المجتمعات الفلسطينية. فإلى جانب الاعتداء المباشر والحرق وإطلاق النار وتخريب الأراضي والممتلكات، يظهر نموذج يستهدف شروط البقاء نفسها: الطريق الذي يصل إلى المنزل، والماء الذي يغذيه، والكهرباء، وإمكانية إدخال الطعام والدواء، وقدرة الأقارب أو فرق الإسعاف والمتضامنين على الوصول.

عندما يصبح البيت نفسه جبهة

في قصرة، لا يتعلق الخطر بمنزل منفرد أو حتى بالعائلات الثلاث وحدها. فما يحدث في رأس العين يطرح سؤالًا أوسع حول قدرة البؤر الاستيطانية الصغيرة وغير المرخصة على صناعة أمر واقع يبدأ بمنشأة مؤقتة وينتهي، إذا بقي دون ردع، بتغيير السيطرة على الأرض.

وتصف هيئة مقاومة الجدار والاستيطان هذا المسار بأنه شكل من «التهجير القسري البطيء»؛ وهي قراءة سياسية وقانونية تقدمها الهيئة لما تراه استخدامًا متعمدًا للضغط المعيشي والأمني من أجل دفع السكان إلى المغادرة. وفي المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي إنه يعتبر البؤرة في قصرة غير قانونية وإنه يعمل على فرض النظام في المنطقة.

لكن الفجوة بين الموقف المعلن والنتيجة الميدانية تبقى جوهر القضية: فبعد أيام من الحصار وبعد تدخل الجيش، ظلت العائلات تواجه المستوطنين عند أبواب منازلها.

وبالنسبة إلى سكان قصرة، فإن تجربة جالود القريبة تجعل المسألة سباقًا مع الزمن. فالخيمة التي تبدو مؤقتة قد تتحول إلى نقطة ثابتة، والنقطة إلى حصار، والحصار إلى مغادرة قسرية، ثم يصبح المنزل الخالي مدخلًا للسيطرة على مساحة أكبر.

في رأس العين، لم يعد الدفاع عن ثلاثة منازل قضية سكنية محدودة؛ بل بات اختبارًا لما إذا كان نموذج جالود سيتكرر: يبدأ الضغط عند عتبة البيت، وينتهي بتغيير هوية المكان ومن يملك القدرة على البقاء فيه.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - نابلس