صعّدت إسرائيل، الخميس 13 آب/أغسطس 2026، عمليات الاستهداف الجوي في قطاع غزة، وسط مؤشرات في الإعلام العبري إلى اتساع هامش تنفيذ الاغتيالات بعد فترة من القيود السياسية على الضربات، فيما أكد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن تعليمات إطلاق النار في القطاع «لم تتغير ولن تتغير»، وأن الجيش يحظى بدعم المستوى السياسي لـ«إحباط أي تهديد».
وجاء التصعيد بعد اغتيال مدير شرطة محافظة غزة، العقيد جمال محمود أبو كميل، في غارة استهدفت مركبته جنوب غربي مدينة غزة، إلى جانب استهداف آخر في خانيونس. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الهجمات تتواصل لليوم الثالث على التوالي بعد فترة من الهدوء النسبي التي ارتبطت بضغوط أميركية على إسرائيل للحد من الضربات داخل القطاع.
وبعد ساعات من مقتل أبو كميل، أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك» مسؤوليتهما عن اغتياله، وقدما رواية مختلفة عن صفته التي أعلنتها وزارة الداخلية في غزة. وقالا إن أبو كميل كان «قائدًا في حماس» وشارك في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على إسرائيل، وزعما أنه واصل خلال الحرب، وفي الفترة الأخيرة، العمل على إعداد هجمات ضد القوات الإسرائيلية والإسرائيليين، وأن استهدافه جرى جوًا لـ«إزالة التهديد».

وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، جاءت عملية أبو كميل ضمن ثلاث عمليات اغتيال نفذها الجيش خلال اليومين الأخيرين، في وقت تحدثت فيه القناة عن تصاعد الغارات في خانيونس ومدينة غزة بعد حصول عمليات استهداف جديدة على موافقة المستوى السياسي.
وتعزز هذه المعطيات الانطباع بأن الاغتيالات تعود تدريجيًا إلى صدارة النشاط الإسرائيلي داخل قطاع غزة. وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد ذكرت أن هجومًا سابقًا في بيت لاهيا نُفذ بموافقة رئيس الأركان إيال زامير، مشيرة إلى أن عمليات من هذا النوع كانت قد قُيدت سابقًا بتوجيه من نتنياهو ووزير الدفاع تحت ضغط أميركي.
وفي خانيونس، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف من وصفه بأنه قائد سرية في حركة حماس، مدعيًا أنه كان يخطط لتنفيذ هجمات ضد قواته. وأفادت مصادر فلسطينية باستشهاد حذيفة كوارع وإصابة آخرين إثر استهداف دراجة كهربائية في حي الأمل غربي المدينة.
نتنياهو: لا تغيير في قواعد النار
وفي ظل التساؤلات داخل إسرائيل بشأن القيود المفروضة على الجيش ومدى تدخل المستوى السياسي في اختيار الأهداف، قال نتنياهو خلال نقاش أمني إن «تعليمات إطلاق النار في غزة لم تتغير ولن تتغير»، مضيفًا أن الجنود يحظون بدعم حكومته لإحباط أي تهديد للقوات أو للإسرائيليين، وأن هذه السياسة «تُطبق على الأرض».
ويأتي موقف نتنياهو بعد تقارير إسرائيلية تحدثت خلال الأيام الماضية عن قيود أكثر تشددًا على الضربات الهجومية داخل القطاع، وحصر التدخل في حالات تصفها إسرائيل بأنها «تهديدات فورية». وكانت تقارير عبرية قد أشارت إلى أن أي عمليات هجومية تتجاوز مناطق انتشار الجيش تخضع لمستويات أعلى من الموافقة، على خلفية الاتصالات السياسية المتعلقة بمسار وقف إطلاق النار.
وتكشف التصريحات الإسرائيلية الأخيرة محاولة حكومة نتنياهو نفي وجود فجوة بينها وبين المؤسسة العسكرية بشأن التعامل مع غزة، في وقت تتحول فيه عبارة «إزالة تهديد فوري» إلى المبرر الإسرائيلي المتكرر لتنفيذ ضربات واغتيالات داخل القطاع.

روايتان متناقضتان بشأن أبو كميل
في المقابل، قالت وزارة الداخلية في غزة إن أبو كميل كان مديرًا لشرطة محافظة غزة، وإن اغتياله يشكل تصعيدًا يستهدف جهاز الشرطة والعمل المدني ومحاولات إعادة فرض الأمن في القطاع.
وأضافت الوزارة أن الغارة أصابت اثنين من مرافقيه، واتهمت إسرائيل بالسعي إلى إحداث الفوضى وإضعاف المؤسسات الشرطية، مشيرة إلى أن اغتياله يأتي بعد سلسلة من عمليات استهداف قيادات وضباط في الشرطة خلال الأسابيع الأخيرة.
أما حركة حماس فرفضت الرواية الإسرائيلية بشأن وجود نشاط عسكري يهدد القوات الإسرائيلية، وقال الناطق باسمها حازم قاسم إن الادعاءات حول إعادة الحركة بناء نشاطها العسكري أو خرقها الاتفاق تأتي، بحسب تعبيره، في إطار «دعاية» تستخدم لتبرير الهجمات الإسرائيلية.
وأكدت الحركة تمسكها باتفاق وقف إطلاق النار وخريطة الطريق المرتبطة به، ودعت الوسطاء والأطراف الضامنة إلى إلزام إسرائيل بتنفيذه، فيما اعتبرت اغتيال أبو كميل انتهاكًا للاتفاق ومحاولة لإعادة القطاع إلى دائرة التصعيد.
اغتيالات تحت عنوان «إزالة التهديد»؟
ويضع التصعيد الأخير وقف إطلاق النار أمام اختبار جديد؛ فبينما تصر إسرائيل على أن انتشار قواتها وعملياتها يجريان وفق الاتفاق وأنها تحتفظ بحق التحرك ضد ما تعتبره «تهديدًا فوريًا»، تقول حماس إن هذا المفهوم يتحول إلى مظلة فضفاضة لتوسيع عمليات الاغتيال داخل مناطق القطاع.
واللافت أن الإعلام الإسرائيلي نفسه أشار إلى أن الضربات الحالية تأتي بعد فترة جرى خلالها الحد من العمليات الهجومية بضغط سياسي وأميركي، ما يثير سؤالًا حول ما إذا كانت الموافقات الأخيرة تمثل عودة تدريجية إلى سياسة الاغتيالات المفتوحة، أم إعادة تعريف إسرائيلية لما يُسمح بتنفيذه تحت سقف وقف إطلاق النار. ووفق «يديعوت أحرونوت»، فإن الهجمات الإسرائيلية باتت متواصلة لليوم الثالث على التوالي بعد فترة من الهدوء النسبي.
ويأتي ذلك بينما لا تزال المفاوضات بشأن الخطوات التالية من خريطة الطريق متعثرة، وسط انعدام ثقة متبادل: إسرائيل تتهم حماس بمحاولة إعادة بناء قدراتها، فيما تقول الحركة إنها ملتزمة بالتهدئة وإن تل أبيب تستخدم الروايات الأمنية لتبرير توسيع الضربات.
وبين اغتيال مدير شرطة غزة، واستهداف قيادي ميداني في خانيونس، وتصريحات نتنياهو عن ثبات تعليمات إطلاق النار، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت العمليات الأخيرة مجرد سلسلة محدودة من الاستهدافات التي تصفها إسرائيل بـ«إزالة التهديد»، أم أنها تؤشر إلى تحول سياسي وأمني يعيد الاغتيالات إلى قلب المشهد في غزة رغم استمرار اتفاق وقف إطلاق النار.
