قال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس الوزراء الفلسطيني السابق، د. محمد اشتية، إن القيادة الفلسطينية ماضية في إجراء الانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني، على أن تتبعها الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من العام المقبل، مؤكدًا أن المسار الانتخابي بات، بحسب تعبيره، «لا رجعة عنه» رغم التعقيدات السياسية والميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وأوضح اشتية، خلال مقابلة رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» مع برنامج «ما بعد الحدث» على تلفزيون فلسطين الرسمي، أن الدافع الأساسي لإجراء الانتخابات في المرحلة الحالية يتمثل في الحاجة إلى «تجديد الشرعية الفلسطينية» وإعادة توحيد المؤسسات والتمثيل السياسي الفلسطيني، في ظل التطورات التي أعقبت الحرب على قطاع غزة والترتيبات الدولية المطروحة بشأن مستقبل القطاع.
وربط اشتية توقيت الانتخابات بقرار مجلس الأمن رقم 2803 وما ترتب عليه، وفق قراءته، من ترتيبات تتعلق بإدارة قطاع غزة من خلال ما يعرف بـ«مجلس السلام»، معتبرًا أن هذه الصيغة قلصت دور السلطة الفلسطينية في القطاع، وأن إجراء الانتخابات يمثل وسيلة فلسطينية لإعادة بناء شرعية المؤسسات على أساس انتخابي، وتأكيد وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن نظام سياسي واحد.
ونفى اشتية أن تكون الانتخابات جاءت نتيجة ضغوط أوروبية مباشرة، وقال إن الاتحاد الأوروبي «يشجع ولا يضغط»، وإن المصلحة الفلسطينية تتقاطع في هذا الملف مع الموقف الأوروبي الداعم لإجراء الانتخابات والإصلاحات. وفي المقابل، أشار إلى أن الولايات المتحدة «قد لا تكون متحمسة بالكامل» للمسار، بينما اعتبر أن إسرائيل لا ترغب في توحيد النظام السياسي الفلسطيني.
وأكد أن الرئيس محمود عباس أبلغ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الانتخابات ستُجرى ولن يتم التراجع عنها، مشيرًا إلى أن اللجنة المركزية لحركة فتح اتخذت موقفًا مماثلًا بالمضي في العملية الانتخابية رغم العراقيل المحتملة.
وحذر اشتية من أن عدم إجراء الانتخابات قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في شرعية المؤسسات الفلسطينية، معتبرًا أن استمرار غياب الانتخابات، بعد نحو عقدين على انتخابات المجلس التشريعي لعام 2006، لم يعد ممكنًا سياسيًا أو مؤسساتيًا.
وفي ما يتعلق بالتحديات الميدانية، قال اشتية إن القدس وقطاع غزة يمثلان أبرز اختبارين للعملية الانتخابية. وأكد أن الفلسطينيين في القدس يجب أن يشاركوا في التصويت والترشح، مشيرًا إلى أن النظام الجديد يقوم على الدائرة الواحدة والتمثيل النسبي، وأن قوائم حركة فتح ستتضمن تمثيلًا للقدس.
وأضاف أن تحديد أماكن وآليات تصويت المقدسيين سيبقى من مسؤولية لجنة الانتخابات المركزية، معربًا عن أمله في تمكين كل من يحمل هوية القدس من التصويت، وليس فقط من كانت أسماؤهم مدرجة مسبقًا في سجلات محددة.
أما في قطاع غزة، فقال اشتية إن حركة فتح والقيادة الفلسطينية تجريان اتصالات مع مصر ودول أخرى ذات صلة، وإن اللجنة المركزية قررت فتح حوار مع جميع الفصائل، بما فيها حركة حماس، بهدف تأمين إجراء الانتخابات في القطاع.
وقال إن فتح تريد أن تكون الانتخابات أداة للمساهمة في إنهاء الانقسام، وليس جولة جديدة من التنافس الذي يعمقه، مشيرًا إلى أن الحركة ستفتح قنوات حوار مع مختلف القوى الفلسطينية بشأن ضمان نجاح العملية الانتخابية.
وفي سياق الحديث عن ضمانات الانتخابات، دعا اشتية إلى وجود مراقبين دوليين وأوروبيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وقال إن لجنة الانتخابات المركزية مطالبة ببدء اتصالات مبكرة مع الاتحاد الأوروبي ودول أخرى لتوفير رقابة دولية على العملية.
واستعاد تجربة انتخابات عام 2006، معتبرًا أن حركة فتح قبلت حينها بنتائج الانتخابات وسلمت الوزارات للحكومة التي تشكلت بعد فوز حماس، لكنه قال إن المشكلة اللاحقة ارتبطت كذلك بالموقف الدولي من النتائج. وأكد أن القيادة الفلسطينية تجري حوارًا مع أطراف دولية لضمان احترام نتائج الانتخابات المقبلة وعدم تكرار تجربة العزلة السياسية التي أعقبت انتخابات 2006.
132 مقعدًا للتشريعي وخفض سن الترشح
وتطرق اشتية إلى التعديلات التي أُدخلت على قانون انتخابات المجلس التشريعي المقررة في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، موضحًا أن عدد المقاعد أعيد إلى 132 مقعدًا بدلًا من الصيغة التي كانت تقترح رفع العدد إلى 200.
وقال إن الهدف من ذلك هو الحفاظ على توازن بين المجلس التشريعي والمجلس الوطني، وإعطاء وزن أكبر لتمثيل الفلسطينيين في الشتات داخل المجلس الوطني، باعتباره الإطار التمثيلي الأوسع لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وأوضح أن التعديلات تشمل أيضًا رفع تمثيل المرأة إلى ما لا يقل عن الثلث تقريبًا، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا، معتبرًا أن هذه الخطوات تهدف إلى توسيع مشاركة النساء والشباب في المؤسسة التشريعية.
وأشار إلى أن اعتماد تمثيل نسائي متقدم في القوائم قد يفضي، وفق تقديره، إلى وجود نحو 49 امرأة في المجلس التشريعي إذا انعكست النسبة بصورة كاملة على توزيع المقاعد.
كما دافع اشتية عن خفض سن الترشح، معتبرًا أن التركيبة الديموغرافية الفلسطينية، التي يغلب عليها الشباب، تفرض منح الأجيال الأصغر حضورًا أوسع في صناعة القرار والمؤسسات الرسمية.
نسبة حسم 1% لتوسيع التمثيل
وفي ملف نسبة الحسم، قال اشتية إن الإبقاء عليها عند 1% جاء بهدف توسيع قاعدة التمثيل وإتاحة الفرصة أمام الفصائل الصغيرة والقوائم الجديدة للدخول إلى المجلس التشريعي.
وأقر بأن النسبة المنخفضة قد لا تخدم حركة فتح انتخابيًا، لكنه اعتبر أنها تخدم، من وجهة نظره، المصلحة العامة من خلال منع إقصاء القوى السياسية الأصغر وتشجيع تشكيل القوائم والتحالفات.
ورجح في الوقت ذاته أن يكون عدد القوائم المشاركة في الانتخابات المقبلة أقل من الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها عام 2021، حين سجلت 36 قائمة، بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية.
شرط منظمة التحرير يثير الجدل
وتناول اشتية الشرط المتعلق بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني»، وبرنامجها السياسي والقرارات الدولية ذات الصلة، وهو شرط أثار اعتراضات لدى بعض القوى.
وقال إن من يرغب في دخول المجلس الوطني، باعتباره برلمان منظمة التحرير، لا يمكنه في الوقت نفسه رفض الاعتراف بالمنظمة، مضيفًا أن الخلافات السياسية يمكن أن تجري «داخل إطار المنظمة لا عليها».
ورأى أن منظمة التحرير يجب أن تبقى الإطار الجامع للفلسطينيين، وأن توسيعها ليشمل قوى غير منضوية فيها يجب أن يتم ضمن هذا الإطار.
وقال اشتية إن حركة حماس أعلنت، بحسب ما وصل إلى قيادة فتح، استعدادها للمشاركة في الانتخابات، مشيرًا إلى تصريحات صدرت عن قيادات في الحركة بهذا الشأن. وأضاف أن شكل مشاركة حماس، سواء عبر قائمة حزبية مباشرة أو صيغة أخرى، يبقى شأنًا خاصًا بها.
كيف ستختار فتح مرشحيها؟
وحول استعدادات حركة فتح، كشف اشتية أن اللجنة المركزية اعتمدت آلية جديدة لاختيار مرشحي الحركة، تقوم على مشاورات واسعة داخل كل محافظة بدلًا من الاقتصار على قرارات مركزية من القيادة.
وأوضح أن نحو 24 مكونًا من مكونات الحركة في كل محافظة سيشاركون في عملية الترشيح، تشمل أعضاء المجلس الثوري والمؤتمر العام والأقاليم والمكاتب الحركية والنقابات والمنظمات الشعبية وشخصيات اعتبارية وكوادر تنظيمية أخرى.
وقال إن الأسماء ستُرفع من القواعد التنظيمية في المحافظات إلى اللجنة المركزية، التي ستحتفظ بالقرار النهائي بشأن القائمة.
وأضاف أن الحركة وضعت مجموعة من المعايير لاختيار المرشحين، أبرزها السمعة العامة والكفاءة والقدرة على التشريع والتواصل مع الناس وفهم القضايا الوطنية والاجتماعية.
وأشار إلى أن فتح لم تحسم بعد اسم رئيس قائمتها، ولم تبدأ اختيار الأسماء النهائية، لكنه رجح أن تضم القائمة عددًا محدودًا من أعضاء اللجنة المركزية، ربما اثنين أو ثلاثة أو أربعة، لتولي مواقع قيادية فيها.
وأكد أن المستقلين سيبقون جزءًا أساسيًا من تحالفات فتح الانتخابية، وأن الحركة منفتحة كذلك على الحوار مع الفصائل بشأن إمكان بناء تفاهمات أو تحالفات، على أن تتخذ اللجنة المركزية القرار النهائي بشأن شكل المشاركة.
المجلس الوطني: 350 عضوًا وتمثيل للشتات
وفي ملف المجلس الوطني الفلسطيني، قال اشتية إن المجلس الجديد سيضم 350 عضوًا، بينهم 150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج، إلى جانب أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين وممثلين آخرين من الداخل وفق الصيغة التي ما زالت موضع حوار وطني.
وأوضح أن انتخابات ممثلي الشتات ستُجرى «حيثما أمكن»، بحسب قوانين الدول المضيفة وإمكان تنظيم اقتراع فلسطيني فيها. أما في الدول التي يتعذر فيها إجراء انتخابات، فسيجري اللجوء إلى صيغ توافقية مشابهة للآليات التي استُخدمت تاريخيًا في تشكيل المجلس الوطني.
وأشار إلى أن لجنة من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تجري مشاورات مع التجمعات الفلسطينية في الخارج والدول المعنية، بالتنسيق مع لجنة الانتخابات المركزية.
وقال إن بعض الدول أو التجمعات الفلسطينية في الخارج ستحصل على حصص تمثيلية تختلف بحسب الحجم والحضور السياسي والاجتماعي، مشيرًا كمثال إلى تخصيص نحو 20 مقعدًا للفلسطينيين في الولايات المتحدة ضمن التصورات المطروحة.
وأضاف أن الأول من تشرين الثاني/نوفمبر هو الموعد المحدد لانتخابات المجلس الوطني، بينما لا تزال آلية اختيار جزء من الأعضاء الذين لا يأتون من الانتخابات التشريعية أو الشتات قيد الحوار بين الفصائل والقوى المجتمعية.
الرئاسية في الربع الأول من 2027
وأكد اشتية أن الانتخابات الرئاسية ستشكل الحلقة الأخيرة في المسار الانتخابي، وقال إنها مقررة في الربع الأول من عام 2027، بعد عدة أشهر من الانتخابات التشريعية.
وبرر الفصل الزمني بين الاستحقاقين بالحاجة إلى ضمان استقرار العملية السياسية وإجراء الانتخابات التشريعية أولًا، مؤكدًا وجود التزام من الرئيس محمود عباس بإجراء الانتخابات الرئاسية أيضًا.
غزة والعدوان والاستيطان قبل صناديق الاقتراع
ورغم تركيز المقابلة على الانتخابات، قال اشتية إن الأولوية السياسية الفلسطينية في المرحلة الحالية تبقى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وسقوط الضحايا في قطاع غزة والضفة الغربية، وانسحاب إسرائيل من غزة، وتهيئة الظروف التي تسمح بإجراء الانتخابات.
وأضاف أن القيادة الفلسطينية مطالبة في الوقت نفسه بتعزيز صمود السكان في ظل الأزمة المالية والقيود الاقتصادية والوضع الأمني المتدهور.
وتوقع اشتية أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدًا إسرائيليًا مرتبطًا بالحملة الانتخابية الداخلية في إسرائيل، معتبرًا أن تطورات غزة والضفة قد تصبح جزءًا من المنافسة السياسية الإسرائيلية قبل الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
وبحسب اشتية، فإن الرهان الفلسطيني في المرحلة المقبلة يقوم على مسارين متوازيين: وقف التصعيد وحماية الوجود الفلسطيني من جهة، وإعادة بناء الشرعية السياسية عبر انتخابات تشريعية ووطنية ورئاسية من جهة أخرى، في محاولة لإعادة توحيد النظام السياسي بعد سنوات طويلة من الانقسام وتعطل المؤسسات المنتخبة.
