تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكثيف تحركها السياسي بشأن قطاع غزة الأسبوع المقبل، عبر جولة مرتقبة لجاريد كوشنر إلى إسرائيل ومصر، وسط مساعٍ لدفع المرحلة التالية من خطة «مجلس السلام» وتجاوز الخلافات مع حكومة بنيامين نتنياهو بشأن نزع سلاح حركة حماس، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، والترتيبات الأمنية والإدارية للقطاع.
وقال مسؤول في «مجلس السلام» لقناة «الجزيرة» إن نيكولاي ملادينوف وتوني بلير سيرافقان كوشنر في زيارته إلى إسرائيل ومصر الأسبوع المقبل لإجراء محادثات بشأن خطة غزة، ما يرفع مستوى الوفد السياسي المكلف بدفع الخطة ويضع ثلاث شخصيات مركزية في هيكل «مجلس السلام» مباشرة أمام الأطراف الإسرائيلية والوسطاء الإقليميين.
ويتقاطع هذا التطور مع تحديث نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الذي أكد أن جولة كوشنر تشمل إسرائيل ومصر، بعد أن كانت المعلومات الأولية تتحدث أساسًا عن زيارة إسرائيل. ووفق الموقع، سيزور كوشنر إسرائيل برفقة ملادينوف، الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، قبل أن يتوجه إلى القاهرة للقاء وسطاء من مصر وقطر وتركيا.
ولم يذكر «أكسيوس» في تقريره المحدث أن بلير سيكون ضمن الوفد، ما يجعل معلومة مشاركته منسوبة في هذه المرحلة إلى المسؤول في «مجلس السلام» الذي تحدث للجزيرة. لكن مشاركة بلير تنسجم مع موقعه داخل الهيكل التنفيذي للمجلس؛ إذ أعلن البيت الأبيض مطلع العام ضمه، إلى جانب كوشنر وشخصيات أخرى، إلى المجلس التنفيذي المرتبط بترتيبات غزة.
مواجهة سياسية مع نتنياهو قبل الانتخابات
وتأتي الجولة فيما تحاول واشنطن منع الخلافات مع نتنياهو من تعطيل المرحلة التالية من الخطة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر.
ونقل «أكسيوس» عن مسؤول أميركي أن واشنطن وإسرائيل تتفقان على «الهدف الاستراتيجي»، لكن إسرائيل أبدت شكوكًا بشأن تفاصيل الخطة، الأمر الذي يدفع الجانب الأميركي إلى محادثات مباشرة لضمان استمرار التنسيق.
ويقول الموقع إن البيت الأبيض لا يريد للانتخابات الإسرائيلية أن تجمد تنفيذ الخطة، فيما لا يريد نتنياهو من جانبه تقديم خطوات قد يستخدمها منافسوه ضده في الحملة الانتخابية، لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى تجنب مواجهة مباشرة مع ترامب قبل الاقتراع.
وتتركز إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية حول ترتيب الخطوات: إذ تتمسك الخطة الأميركية بنزع سلاح حماس بالتوازي مع مسار يقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي، بينما أعلن نتنياهو اعتراضه على الصيغة الأميركية، مؤكدًا أن إسرائيل لن تنسحب قبل استكمال نزع سلاح الحركة.
القاهرة تدخل قلب جولة كوشنر
والتحديث الأبرز في برنامج الجولة هو إدراج القاهرة محطة رئيسية، وليس مجرد توسيع الزيارة إلى دولة عربية إضافية.
فوفق «أكسيوس»، من المتوقع أن يجتمع كوشنر في القاهرة مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، ما يشير إلى أن المحادثات لن تقتصر على محاولة إقناع نتنياهو، بل ستتناول أيضًا كيفية تحويل التفاهمات السياسية إلى آلية تنفيذ قابلة للتطبيق بالتنسيق مع الدول الوسيطة.
ومن المرجح أن تتركز المحادثات على ترتيب مراحل نزع السلاح والانسحاب، ودور الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية، والترتيبات الأمنية والقوة الدولية المقترحة، فضلًا عن آليات منع عودة التصعيد خلال التنفيذ. وتلك الملفات تشكل جوهر خريطة الطريق التي يدفع بها «مجلس السلام».
لماذا بلير وملادينوف؟
وتضيف مشاركة توني بلير، إذا تأكدت رسميًا، وزنًا سياسيًا إضافيًا للجولة. فبلير وكوشنر شاركا منذ العام الماضي في بلورة تصورات تتعلق بمستقبل غزة وترتيبات ما بعد الحرب، قبل أن ينضما إلى الهيكل التنفيذي الذي أنشأته إدارة ترامب مطلع 2026.
أما ملادينوف، فتبدو مهمته أكثر اتصالًا بالتنفيذ؛ إذ يتولى منصب الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، ومهمته الربط بين المجلس والهيئات الفلسطينية المكلفة بإدارة القطاع، إلى جانب التنسيق بين الملفات المدنية والأمنية وإعادة الإعمار.
وبحسب «أكسيوس»، يعمل كوشنر وملادينوف بصورة مستمرة مع الجانب الإسرائيلي، ويريدان خلال الزيارة التوصل إلى تفاهم مع نتنياهو بشأن مسار غزة خلال الأشهر المقبلة، وليس مجرد معالجة خلاف منفرد بشأن بند واحد.
الخطة بين نزع السلاح والانسحاب
وتتمحور الخطة الأميركية الحالية حول انتقال تدريجي إلى مرحلة جديدة في غزة، تقوم على نزع سلاح الفصائل، ونقل الإدارة المدنية والأمنية إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة دوليًا، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي يتم على مراحل مرتبطة بالتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية.
كما تتضمن التصورات الأميركية دورًا لـ«قوة استقرار دولية» في المرحلة الانتقالية، بما يشمل المساعدة في الترتيبات الأمنية وتدريب قوات الشرطة ودعم الانتقال الإداري، إلا أن تفاصيل الانتشار والجداول الزمنية لا تزال من القضايا العالقة.
ويأتي ذلك في وقت تظل فيه مسألة نزع السلاح أكبر اختبار للخطة؛ إذ توجد خلافات بشأن توقيت تسليم الأسلحة وطبيعتها، وعلاقة كل خطوة بالانسحاب الإسرائيلي وضمان وقف الهجمات.
جولة لاختبار قدرة واشنطن على فرض خريطة الطريق
وبهذا التحديث، تتحول زيارة كوشنر من لقاء ثنائي مرتقب مع نتنياهو إلى جولة سياسية متعددة الأطراف بين إسرائيل ومصر، مع مشاركة ملادينوف، ووفق مسؤول «مجلس السلام» أيضًا توني بلير، واتصالات مرتقبة مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك.
وتبدو المهمة الأساسية للوفد محاولة تضييق الفجوة بين ما تريده واشنطن وما تقبله حكومة نتنياهو، ووضع جدول قابل للتنفيذ للمرحلة المقبلة قبل أن تبتلع الحسابات الانتخابية الإسرائيلية ما تبقى من زخم الخطة.
وتكتسب الجولة أهمية إضافية لأن البيت الأبيض لا ينظر، بحسب «أكسيوس»، إلى رفض نتنياهو العلني للخطة باعتباره بالضرورة موقفًا نهائيًا، بل يرى أن جزءًا منه مرتبط بالموسم الانتخابي، بينما يركز عمليًا على ما إذا كانت إسرائيل ستواصل تنفيذ التفاهمات المطلوبة منها على الأرض.
وعليه، فإن لقاءات الأسبوع المقبل قد تشكل اختبارًا مباشرًا لقدرة إدارة ترامب و«مجلس السلام» على نقل خطة غزة من الإعلانات والخرائط السياسية إلى خطوات ملزمة لإسرائيل والوسطاء والأطراف الفلسطينية، أو كشف حدود النفوذ الأميركي أمام حسابات نتنياهو الانتخابية وشروطه الأمنية.
