حذّرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان من أن توجيه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية قد يشكل، في حال استكماله قانونياً وتنفيذياً، حلقة جديدة في مسار ما تصفه بـ«الضم الإداري والقانوني المتدرج» للضفة.
وأوضحت الهيئة، في تقدير موقف، أن الخطوة لم تدخل حيز التنفيذ بعد، إذ لم يصدر حتى الآن أمر عسكري أو تشريع أو لوائح تحدد طبيعة الصلاحيات التي ستُنقل أو نطاقها الجغرافي وآليات تطبيقها. وبحسب التقدير، فإن ما صدر حتى الآن هو تكليف للجيش، بالتنسيق مع الشرطة والجهات المختصة، بإعداد خطة تجعل الشرطة مسؤولة بصورة أوسع عن القضايا المدنية المرتبطة بالمستوطنين الإسرائيليين.
وأشار التقدير إلى أن الشرطة الإسرائيلية تعمل أصلاً في الضفة الغربية بموجب صلاحيات مفوضة ضمن منظومة الحكم العسكري، ولا سيما استناداً إلى الأمر العسكري رقم 1651، فيما يحتفظ قائد المنطقة الوسطى بالولاية القانونية العليا. ولذلك، ترى الهيئة أن جوهر التحول المقترح لا يكمن في إنشاء اختصاص للشرطة من الصفر، وإنما في فصل إنفاذ القانون على المستوطنين تدريجياً عن المؤسسة العسكرية وتحويله إلى وظيفة مدنية إسرائيلية أقرب إلى النموذج المطبق داخل إسرائيل.
وبحسب الهيئة، يكتسب هذا التحول دلالته السياسية والقانونية من كونه يأتي ضمن مسار أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة نقل صلاحيات مرتبطة بالأراضي والتخطيط والبناء والإنفاذ من القيادة العسكرية إلى جهات مدنية إسرائيلية، مع استمرار خضوع الفلسطينيين للأوامر والمحاكم العسكرية. وترى أن ذلك يعمّق وجود نظامين قانونيين وإداريين مختلفين داخل الجغرافيا نفسها.
ويربط التقدير الخطوة أيضاً بتصريحات كاتس بشأن توسيع المستوطنات وشرعنة بؤر ومزارع استيطانية وزيادة عدد المستوطنين، معتبراً أن نقل مهام إضافية إلى الشرطة قد يوفر بنية مدنية وأمنية أكثر استقراراً لإدارة التوسع الاستيطاني مستقبلاً.
لكن الهيئة شددت على أن الأثر العملي للقرار لا يزال مشروطاً بصيغة الخطة النهائية. فإذا اقتصر النقل على التحقيق الجنائي والنظام العام، فقد تكون نتائجه الميدانية محدودة نسبياً، أما إذا شمل صلاحيات التدخل الفوري، وإغلاق المناطق، وتوقيف المستوطنين، ومنع إعادة إقامة البؤر أو إزالة التعديات الحديثة، فقد يؤدي إلى تغيير ملموس في آليات التعامل مع عنف المستوطنين والسيطرة على الأرض.
ويحذر التقدير خصوصاً من احتمال نشوء فجوة بين الجيش والشرطة في الاستجابة للاعتداءات. فإذا تراجع تدخل الجنود باعتبار أن التعامل مع المستوطنين أصبح من اختصاص الشرطة، من دون وجود قوة شرطية قادرة على الوصول السريع، فقد يؤدي ذلك، وفق الهيئة، إلى إطالة زمن الاعتداءات ومنح المستوطنين فرصة أكبر لتثبيت بؤر جديدة أو منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
كما ترى الهيئة أن الخطوة تحمل أثراً سياسياً يسبق أثرها القانوني، لأنها قد تعيد تعريف وظيفة الجيش تجاه المستوطنات بحيث تتركز أكثر على حمايتها، فيما تنتقل مهمة إنفاذ القانون على المستوطنين إلى جهاز مدني إسرائيلي منفصل.
واعتبرت الهيئة أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو نقل جزئي وتدريجي للصلاحيات، مع استمرار الجيش في أداء مهام أمنية أساسية، لكنها لفتت إلى أن المؤشر الحاسم سيكون في تحديد مصدر صلاحيات الشرطة: هل ستبقى تعمل بتفويض من القائد العسكري، أم ستُمنح ولاية مباشرة بموجب القانون الإسرائيلي وسلسلة قيادة وميزانية مدنية مستقلة؟
وفي الحالة الثانية، ترى الهيئة أن الخطوة ستكون أكثر دلالة على الانتقال من نموذج الإدارة العسكرية المؤقتة إلى ممارسة وظائف سيادية مدنية إسرائيلية داخل الضفة الغربية، وهو ما تعتبره مؤشراً أقوى على «الضم الفعلي».
ودعت الهيئة إلى مراقبة أي تعديل محتمل للأمر العسكري 1651 أو قانون الشرطة، وطبيعة القوة الجديدة المقترح تشكيلها، ومجال انتشارها، وصلاحياتها في المنطقتين «أ» و«ب»، إضافة إلى مصير صلاحيات إخلاء البؤر وفرض أوامر الإبعاد والتدخل في اعتداءات المستوطنين.
كما أوصت بتحرك قانوني ودبلوماسي لمطالبة الدول والمؤسسات الدولية بتقييم آثار نقل الولاية المدنية الإسرائيلية إلى الضفة الغربية، ومراجعة أوجه التعاون أو التدريب مع الشرطة الإسرائيلية إذا استُخدمت في توسيع صلاحياتها داخل الأراضي المحتلة.
وبذلك، يخلص التقدير إلى أن أهمية الخطوة لا تكمن في نقل مهمة شرطية بحد ذاتها، وإنما في إعادة توزيع وظائف الحكم داخل الضفة: تقليص الطابع العسكري في إدارة المستوطنين ودمجهم أكثر في مؤسسات الدولة الإسرائيلية، بالتوازي مع إبقاء الفلسطينيين ضمن منظومة الحكم العسكري، وهو ما تعتبره الهيئة أحد أكثر مظاهر التحول الإداري والقانوني حساسية في مسار السيطرة الإسرائيلية على الضفة.
تقدير موقف صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: (هنا)
