وصل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خليل الحية، إلى القاهرة لإجراء محادثات مع المسؤولين المصريين بشأن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في تحرك يسبق جولة إقليمية للمبعوث الأميركي جاريد كوشنر وقيادات «مجلس السلام»، وسط خلاف جوهري مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن تزامن نزع سلاح حماس مع الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
وبحسب مصدر في الحركة ومصادر للتلفزيون العربي، من المقرر أن يترأس الحية وفدًا من حماس في اجتماع، صباح الأحد 16 أغسطس/آب، مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، على أن تتركز المباحثات على خارطة الطريق الخاصة بغزة والعقبات التي تعرقل تنفيذها.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها الأولى للحية إلى مصر منذ انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي لحماس في 20 يوليو/تموز الماضي، خلفًا ليحيى السنوار. وكان الحية قبل انتخابه من أبرز قادة وفود الحركة في مفاوضات القاهرة والدوحة، وشارك بالفعل في اجتماعات بالعاصمة المصرية خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز.
كوشنر وملادينوف يتحركان بين إسرائيل والقاهرة
وتأتي زيارة الحية فيما يستعد جاريد كوشنر للعودة إلى المنطقة في جولة تهدف إلى دفع تطبيق خطة غزة المتعثرة.
وبحسب مسؤول في «مجلس السلام»، يصل كوشنر والممثل الأعلى للمجلس لشؤون غزة نيكولاي ملادينوف، إلى إسرائيل الأحد، برفقة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وعضو المجلس التنفيذي توني بلير، قبل الانتقال إلى القاهرة لإجراء جولة أخرى من الاجتماعات.
ومن المقرر أن يبحث كوشنر في القاهرة أيضًا مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا سبل تجاوز الخلافات التي عطلت الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق. وقال مصدر مطلع لرويترز إن هدف الجولة هو إيجاد «مسار للمضي قدمًا» في تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبذلك تتحول القاهرة خلال الأيام المقبلة إلى مركز لمسارين متوازيين: الأول بين مصر وقيادة حماس، والثاني بين الولايات المتحدة و«مجلس السلام» والدول الوسيطة، بينما يتركز الضغط السياسي على محاولة التوصل إلى صيغة تستطيع تجاوز الاعتراض الإسرائيلي.
عقدة السلاح مقابل الانسحاب
ويتمحور الخلاف الأساسي حول ترتيب خطوات نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي.
فالخطة الأشمل التي طرحها ترامب لغزة تتألف من 20 نقطة، بينما وضع «مجلس السلام» لاحقًا خارطة تنفيذية من 15 بندًا للانتقال إلى المرحلة الثانية.
وتنص الخارطة المنشورة على أن يجري تفكيك وتخزين أسلحة الفصائل وفق جدول متفق عليه وتحت سلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، وبإشراف آلية تحقق دولية. وفي نهاية العملية، تصبح اللجنة الفلسطينية الجهة الوحيدة التي تملك أو تخزن أو تسيطر على السلاح في القطاع.
كما تنص الخطة على انتشار «قوة استقرار دولية» مؤقتة، وتولي إدارة فلسطينية تكنوقراطية مسؤولياتها في القطاع، بالتزامن مع الانتقال التدريجي للسيطرة الأمنية والمدنية.
لكن نتنياهو رفض جوهر هذه المعادلة التبادلية، وأصر على ألا تنفذ إسرائيل انسحابًا من المناطق التي تسيطر عليها قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وأكد أن ذلك يشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وأن عملية نزع السلاح يجب أن تكون قابلة للتحقق.
حماس تتمسك بخارطة الطريق
في المقابل، أعلنت حماس التزامها بالصيغة التي جرى التوصل إليها مع الوسطاء، مطالبة الولايات المتحدة بالضغط على نتنياهو لتنفيذها.
وقال عضو المكتب السياسي للحركة باسم نعيم إن حماس تنتظر من الوسطاء ومن «الضامن الأميركي» إلزام حكومة نتنياهو بخارطة الطريق.
وتنص الصيغة التي قبلتها الفصائل على ربط عملية التعامل مع سلاحها بانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل، بدل تنفيذ نزع كامل للسلاح أولًا ثم انتظار قرار إسرائيلي بالانسحاب. وتؤكد خارطة الطريق المنشورة أن العمليتين يفترض أن تسيرا ضمن عملية متوازية تخضع للتحقق.
وهذه النقطة هي تحديدًا ما يرفضه نتنياهو، إذ يريد قلب ترتيب التنفيذ بحيث يكون التخلي الكامل عن السلاح شرطًا مسبقًا لأي انسحاب إسرائيلي.
مواجهة سياسية بين نتنياهو والخطة الأميركية
وأصبح الخلاف أكثر وضوحًا خلال الأيام الماضية، بعدما أعلن نتنياهو علنًا رفضه أجزاء أساسية من الخطة الأميركية، في حين أكد مسؤول في «مجلس السلام» أن خارطة الطريق لا تزال قائمة ولم تُسحب رغم الاعتراض الإسرائيلي.
وتفيد وكالة أسوشيتد برس بأن إسرائيل تسيطر حاليًا على نحو 60% من مساحة قطاع غزة، فيما يتمسك نتنياهو بالبقاء في هذه المناطق إلى حين نزع سلاح حماس بصورة كاملة.
وكان ملادينوف قد اجتمع بنتنياهو في القدس في 3 أغسطس/آب لبحث اتفاق نزع السلاح والانتقال إلى الحكم المدني في غزة، وطالب إسرائيل بوقف الضربات بما يسمح بدفع الاتفاق إلى الأمام، لكن الخلافات بقيت من دون حل.
القاهرة أمام اختبار الوساطة
وتضع زيارة الحية، ثم وصول كوشنر وملادينوف إلى القاهرة، الدور المصري أمام جولة جديدة من المفاوضات قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المرحلة الثانية قابلة للتنفيذ أصلًا.
فالقاهرة شاركت طوال الأشهر الماضية في الاجتماعات المتعلقة بتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية، واستضاف حسن رشاد لقاءات متكررة مع الحية وخالد مشعل ومسؤولين أتراك، ضمن محاولة لتقريب مواقف الأطراف.
ويبدو أن الهدف المباشر الآن ليس إعادة التفاوض على الخطة من الصفر، بل حسم آلية التنفيذ وتسلسل الخطوات: متى يبدأ تسليم أو تخزين السلاح، ومن يتولى حيازته، وكيف يتم التحقق، ومتى تبدأ إسرائيل الانسحاب، وما الضمانة التي تمنع أحد الطرفين من تنفيذ التزاماته بينما يمتنع الطرف الآخر.
لهذا، فإن اجتماع الحية مع رئيس المخابرات المصرية، بالتوازي مع وصول كوشنر وملادينوف إلى المنطقة، يمثل محاولة لجمع خيوط التفاوض قبل اصطدامها مجددًا بشرط نتنياهو: نزع السلاح أولًا، والحديث عن الانسحاب لاحقًا.
أما حماس والوسطاء فيتمسكون حتى الآن بمعادلة مختلفة: نزع منظم للسلاح وانسحاب إسرائيلي متدرج ضمن مسار واحد ومراقَب.
وعلى هذه الفجوة تحديدًا ستدور جولة القاهرة الجديدة.
