نافذة أمل من مصر.. حراك دبلوماسي مكثف لدفع اتفاق غزة نحو المرحلة الثانية قبل لقاء كوشنر ونتنياهو

السيسي وكوشنر يبحثان خطة غزة.jpg

تتحول مصر مجددا إلى مركز ثقل في الجهود الرامية إلى إنقاذ مسار وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط حراك دبلوماسي متسارع بين القاهرة والعلمين، جمع مسؤولين مصريين ووسطاء إقليميين مع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر وقيادات من حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، في محاولة لتضييق الفجوات التي تعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وفتح نافذة سياسية أمام تنفيذ خريطة الطريق المكونة من 15 بندا.

ويكتسب التحرك الحالي أهمية إضافية لكونه يسبق انتقال كوشنر، برفقة الممثل الأعلى لمجلس السلام لشؤون غزة نيكولاي ملادينوف، إلى إسرائيل الاثنين، حيث من المقرر أن يلتقيا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن في التاسع من أغسطس/آب رفضه الصيغة الحالية لخريطة الطريق. وبذلك تبدو جولة المبعوث الأميركي وكأنها محاولة لنقل المواقف بين طرفي الاتفاق والوسطاء تمهيدا للبحث عن صيغة تنفيذية يمكن أن تكسر الجمود القائم.

لقاءات متوازية بين القاهرة والعلمين

وتوزع النشاط الدبلوماسي الأحد 16 أغسطس/آب 2026 بين القاهرة ومدينة العلمين على الساحل الشمالي المصري. فقد استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كوشنر في العلمين، بحضور وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد، في لقاء ركز بصورة أساسية على تطورات الشرق الأوسط وسبل تثبيت اتفاق وقف الحرب في غزة.

وقالت الرئاسة المصرية إن الجانبين شددا على "ضرورة قيام كافة الأطراف بتنفيذ التزاماتها" بموجب اتفاق وقف الحرب الذي تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر/تشرين الأول 2025. كما أكد السيسي أهمية مواصلة العمل لمعالجة أزمات المنطقة بما يدعم الأمن والاستقرار الإقليميين، فيما أشاد كوشنر، وفق البيان المصري، بالدور الذي تضطلع به القاهرة في الملفات الإقليمية وبالتنسيق المصري الأميركي.

وبالتوازي مع ذلك، عقدت مصر اجتماعات مع وفد رفيع من حماس برئاسة رئيس مكتبها السياسي خليل الحية، الذي يقوم بأول زيارة إلى مصر منذ توليه قيادة الحركة في يوليو/تموز الماضي. والتقى الوفد رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، وتركزت المباحثات على كيفية استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وخريطة الطريق الخاصة بالمرحلة المقبلة. وأكدت مصادر وتقارير متطابقة أن الحركة أبدت استعدادها للمضي في الخطة، مع تشديدها على ضرورة تنفيذ الالتزامات بصورة متبادلة.

ويضم الوفد، إلى جانب الحية، عددا من أبرز قيادات الحركة، بينهم محمد درويش وخالد مشعل وزاهر جبارين وباسم نعيم وغازي حمد، في مؤشر على الأهمية التي تمنحها حماس للمباحثات الحالية واتساع الملفات المطروحة خلالها.

كوشنر وحماس.. قناة مباشرة في لحظة حساسة

وكان التطور الأبرز خلال تحركات الأحد هو مشاركة قيادات من حماس في اجتماعات ضمت الوسطاء وكوشنر وملادينوف. وقال مصدر دبلوماسي لوكالة رويترز إن مسؤولين من الحركة شاركوا في بعض الاجتماعات التي عقدها المبعوثان الأميركيان مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك.

وفي رواية أكثر تفصيلا، أفاد موقع "أكسيوس" بأن كوشنر التقى قادة من حماس في مصر بحضور ملادينوف ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق وعضو مجلس السلام توني بلير، إلى جانب مسؤولين من مصر وقطر وتركيا، في أول اتصال مباشر من هذا النوع لكوشنر مع قيادة الحركة منذ اتفاق أكتوبر/تشرين الأول 2025. وتركز النقاش، وفق الموقع، على تحويل التزامات حماس المتعلقة بنزع السلاح والتخلي عن إدارة القطاع إلى إجراءات عملية قابلة للتحقق.

ويعكس هذا الاتصال المباشر حجم التعقيدات التي تحيط بالمرحلة الثانية، لكنه في الوقت نفسه يمنح الوسطاء فرصة للحصول على مواقف أكثر وضوحا من الأطراف قبل انتقال الوفد الأميركي إلى إسرائيل، وهو ما قد يفتح المجال أمام صياغة تفاهمات تفصيلية بشأن ترتيب الخطوات وتوقيتاتها.

العقدة ليست في الخطة بقدر ما هي في ترتيب التنفيذ

وفي قلب الخلاف الحالي تبرز مسألة الترتيب الزمني بين حصر سلاح الفصائل الفلسطينية وبين انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة.

وتقضي خريطة الطريق، التي يعمل مجلس السلام على دفعها إلى التنفيذ، بعملية متدرجة تشمل وقف العمليات العسكرية، وحصر السلاح وتفكيك البنية العسكرية للفصائل وفق آليات للتحقق، بالتوازي مع انسحابات إسرائيلية مرحلية، ونشر قوة استقرار دولية، وتمكين إدارة فلسطينية مدنية جديدة من إدارة القطاع، قبل الانتقال على نطاق أوسع إلى التعافي وإعادة الإعمار.

لكن نتنياهو أعلن رفض الوثيقة بصيغتها الراهنة، مؤكدا أن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وفي المقابل، ترى حماس أن تنفيذ التزاماتها يجب أن يجري ضمن عملية متزامنة، تتقدم فيها إسرائيل أيضا بتنفيذ ما يقع عليها من التزامات، ولا سيما وقف الهجمات والانسحاب وفتح المجال أمام المساعدات والإعمار.

ومن هنا، تبدو المشكلة الأساسية في هذه المرحلة أقل ارتباطا بمبادئ الخطة العامة وأكثر اتصالا بمفهوم "التزامن": أي أي طرف يبدأ أولا، وما الخطوات التي يمكن تنفيذها بالتوازي، وما الضمانات وآليات التحقق التي تمنع أحد الجانبين من تنفيذ التزاماته من دون حصوله على المقابل المتفق عليه.

وهذا هو الملف الذي يتوقع أن يحتل مساحة رئيسية في لقاء كوشنر وملادينوف مع نتنياهو الاثنين، خصوصا أن واشنطن تدفع، وفق ما نشرته رويترز، نحو نزع تدريجي للسلاح يقابله انسحاب إسرائيلي مرحلي، بينما تتمسك الحكومة الإسرائيلية بإنجاز نزع السلاح أولا.

حماس: مستعدون للتنفيذ لكن المطلوب التزام متبادل

ومن جانبها، تقول حماس إنها تتمسك بخريطة الطريق التي جرى التوصل إليها مع الوسطاء ومجلس السلام، وإنها مستعدة للانتقال إلى التنفيذ شريطة التزام إسرائيل ببنود الاتفاق.

وقال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إن لقاءات وفد حماس في مصر تأتي ضمن "مواصلة الاتصالات والجهد الدبلوماسي مع الوسطاء"، وإن الوفد يسعى إلى إحاطتهم بما تصفه الحركة بالانتهاكات الإسرائيلية والعمل على ضمان تنفيذ خريطة الطريق.

وتضع الحركة، وفق مواقفها المعلنة، أولوية على تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وفتح المعابر، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية ومستلزمات الإيواء، والبدء بإعادة الإعمار، إلى جانب تمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية المكلفة بإدارة غزة من مباشرة مهامها.

وأكدت رويترز أن حماس أبلغت الوسطاء موافقتها على المضي بالخطة لتجنب العودة إلى حرب واسعة، لكنها ربطت التنفيذ بوفاء إسرائيل بالتزاماتها، ولا سيما وقف الهجمات والانسحاب.

الموقف المصري: الاتفاق حزمة واحدة

أما القاهرة، فتدفع باتجاه التعامل مع خريطة الطريق باعتبارها مسارا متكاملا يتعين تنفيذ جميع عناصره، مع التركيز بصورة خاصة على وقف التصعيد وضمان تدفق المساعدات واستكمال الانسحابات الإسرائيلية.

ويعكس اجتماع السيسي مع كوشنر، إلى جانب اللقاءات التي عقدها جهاز المخابرات المصرية مع قيادة حماس، محاولة مصرية للحفاظ على قنوات مفتوحة مع مختلف الأطراف ومنع الخلاف حول ملفات السلاح والانسحاب من تقويض وقف إطلاق النار برمته.

كما يأتي التحرك المصري بالتنسيق مع قطر وتركيا والولايات المتحدة ومجلس السلام، وهي الأطراف التي لعبت أدوارا متداخلة في صياغة المسار الحالي ومحاولة نقله من التفاهمات السياسية العامة إلى ترتيبات تنفيذية على الأرض.

ثماني دول تدخل على خط الضغط السياسي

وبالتزامن مع المباحثات، صدر مساء الأحد موقف إقليمي مشترك يعكس اتساع الضغوط السياسية المرتبطة بالمرحلة الثانية.

فقد أدان وزراء خارجية مصر وقطر والسعودية والإمارات والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا الرفض الإسرائيلي المعلن لخريطة الطريق، معتبرين أنه يهدد تنفيذ الخطة الشاملة والجهود الرامية إلى تثبيت السلام.

وقال البيان المشترك إن خريطة الطريق جاءت نتيجة جهود الوسطاء ومجلس السلام، وإنها تشمل حصر السلاح بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية ونشر قوة الاستقرار الدولية ونقل الإدارة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة وبدء الإعمار. كما دعت الدول الثماني إلى استمرار الانخراط الأميركي بصورة فاعلة لضمان تنفيذ الاتفاق ومنع تعطيله.

ويضيف هذا الموقف بعدا إقليميا إلى مهمة كوشنر في إسرائيل، إذ لم تعد المباحثات تدور فقط حول تفاهمات أميركية مع الطرفين، بل حول مسار يحظى أيضا بدعم مجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية المؤثرة في الوساطة وإعادة إعمار غزة والترتيبات الأمنية المستقبلية.

الميدان يضغط على طاولة التفاوض

وعلى الرغم من الزخم السياسي، لا تزال التطورات الميدانية تشكل عامل ضغط على المباحثات.

فبعد تراجع نسبي في وتيرة العمليات الإسرائيلية في غزة في وقت سابق من أغسطس/آب، عادت الغارات خلال الأيام الأخيرة. وأعلن الجيش الإسرائيلي الأحد استهداف مسلح في خان يونس، في حين قال مسعفون فلسطينيون إن خمسة أشخاص على الأقل أصيبوا في الغارة التي طالت منطقة خيام. كما أصيب أشخاص آخرون في ضربة منفصلة استهدفت شقة في مخيم النصيرات، بحسب مصادر طبية، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف مسلحا آخر.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل أكثر من 1250 فلسطينيا بنيران إسرائيلية في قطاع غزة، وفق أحدث حصيلة أوردتها رويترز استنادا إلى المصادر الفلسطينية، في مؤشر إلى أن الاتفاق أوقف العمليات القتالية الكبرى لكنه لم ينه العنف بصورة كاملة.

وتتبادل إسرائيل وحماس الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار؛ إذ تقول إسرائيل إن الفصائل تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية، بينما تتهم حماس إسرائيل بمواصلة الاغتيالات والغارات وعدم تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالانسحاب والمساعدات.

الضفة الغربية تزيد المشهد تعقيدا

ولا تنفصل التحركات بشأن غزة عن تصاعد التوتر في الضفة الغربية، حيث شهدت بلدة قصرة جنوب نابلس خلال الأيام الماضية حصارا فرضه مستوطنون على منازل ثلاث عائلات فلسطينية، مع قطع المياه والكهرباء وإغلاق طرق الوصول إليها، وفق شهادات السكان وتقارير صحفية.

وتدخل الجيش الإسرائيلي لاحقا ونشر قوات في المنطقة، بينما استمر التوتر لنحو أسبوع وأثارت القضية ردود فعل دولية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي تصعيد الضفة إلى إضافة جبهة جديدة من التوتر السياسي والأمني بالتزامن مع المفاوضات الخاصة بغزة.

اختبار نتنياهو.. ومحطة الاثنين الحاسمة

وتتجه الأنظار الآن إلى اللقاء المرتقب بين كوشنر وملادينوف ونتنياهو، إذ سيختبر مدى وجود مساحة يمكن من خلالها تقريب الموقف الإسرائيلي من الصيغة التي يناقشها الوسطاء.

ويأتي ذلك قبل انتخابات إسرائيلية مقررة في أكتوبر/تشرين الأول، ما يضيف عاملا سياسيا داخليا إلى حسابات الحكومة الإسرائيلية من دون أن يكون وحده كافيا لتفسير موقفها من الخطة. وكان نتنياهو قد أعلن رفضه رسميا ربط الانسحاب الإسرائيلي بعملية تدريجية لنزع السلاح، متمسكا ببقاء القوات إلى حين إنجاز ما تعتبره إسرائيل نزعا كاملا لسلاح حماس.

لكن استمرار الانخراط الأميركي المباشر، إلى جانب الموقف الموحد للوسطاء والدول الإقليمية، يشير إلى أن خريطة الطريق لم تسقط سياسيا رغم الاعتراض الإسرائيلي. وكان مسؤول في مجلس السلام قد أكد في وقت سابق أن الخطة ما زالت قائمة وأن تطبيقها سيجري على مراحل تستند إلى التحقق من تنفيذ الالتزامات.

فرصة لاختراق سياسي.. من دون إفراط في التفاؤل

وفي المحصلة، لا تعني كثافة الاجتماعات في مصر أن الطريق بات مفتوحا تلقائيا أمام المرحلة الثانية، إذ لا تزال هناك خلافات جوهرية تتعلق بالسلاح والانسحاب والضمانات الأمنية وترتيب الخطوات، فضلا عن استمرار التوتر على الأرض.

لكن اجتماع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك مع المسؤولين الأميركيين، وفتح قناة مباشرة مع قيادة حماس، ثم انتقال كوشنر وملادينوف إلى لقاء نتنياهو، يوفر للمرة الأولى في هذه الجولة مسارا دبلوماسيا متصلا بين أبرز الأطراف المعنية بالتنفيذ.

وإذا نجحت هذه الجولة في تحويل الخلاف من رفض سياسي متبادل إلى تفاوض حول جدول زمني وآليات تحقق وضمانات متبادلة، فقد تمثل اجتماعات مصر بداية انتقال من مرحلة تثبيت وقف النار الهش إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيدا: الانسحاب، والسلاح، والإدارة الفلسطينية، والمساعدات، وإعادة الإعمار.

وبين القاهرة والعلمين ثم تل أبيب، تبدو الأيام المقبلة اختبارا لمدى قدرة الوساطة الأميركية والإقليمية على تحويل خريطة الطريق من وثيقة مختلف عليها إلى مسار قابل للتنفيذ. ورغم أن الفجوات لا تزال كبيرة، فإن بقاء جميع قنوات التفاوض مفتوحة، واتساع دائرة الأطراف الداعمة لاستمرار الخطة، يمنح الجهود الحالية نافذة أمل سياسية جديدة لوقف دوامة التصعيد ودفع غزة خطوة إضافية نحو استقرار أكثر رسوخا.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة