من القاهرة إلى تل أبيب.. قراءة إسرائيلية لجولة كوشنر: ضغط أميركي يتقدم وحسابات الانتخابات تكبّل نتنياهو

ستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، في مدينة العلمين الجديدة بمصر، في 16 أغسطس/آب 2026.صورة من مكتب الرئاسة المصرية

تنظر الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل إلى جولة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر في مصر، وما يعقبها من زيارة مرتقبة إلى إسرائيل، باعتبارها أكثر من مجرد جولة وساطة جديدة بشأن قطاع غزة؛ إذ تعكس، وفق القراءة الإسرائيلية، رغبة واضحة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب في الانتقال من مرحلة التفاهمات العامة إلى مرحلة فرض جدول تنفيذي للمرحلة الثانية من الاتفاق، بما يشمل نزع سلاح حركة حماس، والانسحابات الإسرائيلية، ووقف العمليات العسكرية، ونقل إدارة القطاع، ثم الشروع في إعادة الإعمار.

وتزداد أهمية الجولة بعدما شارك مسؤولون من حماس في اجتماعات عقدها كوشنر ونيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لمجلس السلام لشؤون غزة، مع الوسطاء في مصر، قبل أن ينتقل المبعوثان الاثنين إلى إسرائيل للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وأكدت وكالة رويترز مشاركة مسؤولين من الحركة في بعض اجتماعات القاهرة، في حين أبرز الإعلام الإسرائيلي اللقاء باعتباره تطورا غير اعتيادي في قنوات الاتصال الأميركية مع حماس.

القاهرة أولا.. رسالة تثير الانتباه في إسرائيل

وتوقف الإعلام الإسرائيلي بصورة خاصة عند ترتيب محطة كوشنر؛ إذ جاءت لقاءاته في مصر مع الرئيس عبد الفتاح السيسي والوسطاء وحماس قبل اجتماعه بنتنياهو.

وأبرزت هيئة البث الإسرائيلية "كان" أن كوشنر التقى مسؤولين كبارا في حماس في القاهرة "قبل الاجتماع مع نتنياهو"، بينما ذكرت صحيفة "إسرائيل هيوم" أن المبعوث الأميركي قرر الاجتماع بقيادة الحركة بحضور الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك قبل وصوله إلى إسرائيل، وأن النقاش يستهدف تنفيذ خطة ترامب وتمكين الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية من تولي المسؤولية عن القطاع، وليس فتح الخطة بكاملها للتفاوض من جديد.

ومن هذه الزاوية، ترى القراءة الإسرائيلية أن واشنطن تريد الوصول إلى اجتماع نتنياهو وفي حوزتها إجابات أكثر وضوحا بشأن ما يمكن أن تقبل به حماس عمليا، بدلا من الدخول في نقاش إسرائيلي–أميركي يستند إلى افتراضات متبادلة حول موقف الحركة.

وكان كوشنر قد التقى الرئيس السيسي في العلمين بحضور وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد، حيث شددت الرئاسة المصرية على ضرورة تنفيذ جميع الأطراف التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب في غزة.

شمعون آران: الضغوط قد تنتقل إلى الجانب الإسرائيلي

وفي قراءة قدمها مراسل الشؤون الإسرائيلية شمعون آران عبر "مكان"، التابعة لهيئة البث الإسرائيلية، جرى التركيز على أن اجتماعات مصر المكثفة قد تمهد لزيادة الضغط الأميركي على إسرائيل أيضا، وليس على حماس وحدها.

وبحسب هذه القراءة، تركزت المباحثات مع حماس أساسا على تحويل مسألة نزع السلاح من إعلان سياسي إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، لكن المحطة التالية ستكون محاولة الحصول من الحكومة الإسرائيلية على مقابل عملي، يتعلق بالانسحابات وتقليص العمليات العسكرية والانتقال التدريجي إلى المرحلة التالية.

وهذه النقطة تحديدا تشكل جوهر القلق الإسرائيلي الراهن: فإسرائيل تريد أن يكون نزع سلاح حماس سابقا للانسحاب، في حين تقوم الصيغة الأميركية المطروحة على مسار أكثر تزامنا، تتقدم خلاله عملية نزع السلاح والتحقق منها مقابل انسحابات إسرائيلية على مراحل. وتؤكد رويترز أن هذه المسألة هي إحدى العقد الرئيسية في الخلاف بين واشنطن وحكومة نتنياهو.

نزع السلاح مقابل الانسحاب.. جوهر الخلاف

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين خطتين كثيرا ما يرد ذكرهما في التغطيات الحالية: هناك خطة ترامب الأصلية المكونة من 20 بندا التي وُضعت كأساس لإنهاء الحرب، ثم خريطة طريق أحدث من 15 بندا أعدها مجلس السلام لتحديد آليات الانتقال إلى المراحل التالية وتنفيذ الملفات العالقة.

وتقول الصيغة التي تدفع بها واشنطن ومجلس السلام إن نزع السلاح يجب أن يخضع لعملية موثقة ويمكن التحقق منها، بالتوازي مع انسحابات إسرائيلية تدريجية، ونشر قوة استقرار دولية، ونقل المسؤوليات الأمنية والمدنية إلى جهات فلسطينية جديدة وبدء الإعمار.

أما موقف نتنياهو المعلن فيقوم على معادلة مختلفة: لا انسحاب إسرائيلي قبل التأكد من نزع سلاح حماس بصورة كاملة. وقد أعلن في التاسع من أغسطس/آب أن خريطة الطريق بصيغتها الحالية "غير مقبولة"، في حين يؤكد مجلس السلام أن الخطة لا تزال قائمة وأن كل مرحلة مرتبطة بتحقق ميداني من تنفيذ الالتزامات.

لذلك، فإن السؤال الذي يشغل الإعلام الإسرائيلي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة وحكومة نتنياهو متفقتين على هدف نزع سلاح حماس؛ فواشنطن تقول إنها تتفق مع إسرائيل على هذا الهدف. الخلاف يتعلق أساسا بمن يبدأ، وبأي سرعة، وما الذي تحصل عليه حماس والفلسطينيون في المقابل، ومتى يتحرك الجيش الإسرائيلي إلى خطوط جديدة.

قلق أمني إسرائيلي من طلب أميركي بوقف الهجمات

أما أكثر النقاط حساسية بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية فتتعلق بحرية العمل العسكري داخل غزة.

ووفق ما أوردته "كان" ونقلته كذلك مصادر إسرائيلية إلى رويترز، تستعد المؤسسة الأمنية لاحتمال أن تطالب واشنطن إسرائيل بتقليص عملياتها في غزة أو وقف ما تسميه إسرائيل "الاغتيالات الموجهة"، بهدف إعطاء فرصة للعملية السياسية وتنفيذ ترتيبات المرحلة الثانية. وأكد مسؤول إسرائيلي كبير أن هناك قلقا بالفعل من مطالبة واشنطن بوقف عمليات الاستهداف في الوقت الذي تقول فيه إسرائيل إن حماس تعمل على إعادة بناء قواتها.

وهنا تظهر فجوة أخرى بين المنظورين الأميركي والإسرائيلي. فالولايات المتحدة تحتاج إلى قدر من الهدوء الميداني يسمح بإطلاق عملية نزع السلاح ونشر ترتيبات دولية جديدة، بينما ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن وقف عملياتها قبل اكتمال تلك الترتيبات قد يمنح حماس فرصة لإعادة تنظيم نفسها.

ولهذا يتمسك مسؤولون إسرائيليون، بحسب التغطيات المحلية، بأن أي انسحاب إلى ما وراء "الخط الأصفر" أو من مناطق إضافية ينبغي أن يحدث فقط بعد تأكيد جهة خارجية، يفترض أن تعمل تحت مظلة مجلس السلام، أن المنطقة المعنية خالية من البنية العسكرية والأسلحة التي تشملها تفاهمات نزع السلاح.

اجتماع كوشنر مع حماس يزيد حساسية اللقاء مع نتنياهو

ومن منظور إسرائيلي، فإن الاجتماع المباشر أو شبه المباشر بين كوشنر وقيادة حماس يجعل لقاءه مع نتنياهو أكثر حساسية.

فالتقارير الإسرائيلية تقول إن كوشنر دفع خلال اجتماعات مصر باتجاه التزامات محددة تشمل تسليم الأسلحة وتفكيك البنية العسكرية، وتسليم صلاحيات الحكم إلى الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية، وعدم احتفاظ حماس بدور في السلطة المستقبلية داخل القطاع.

وفي المقابل، نقلت مصادر عن مسؤولين مشاركين في الاتصالات أن كوشنر تحدث أيضا عن انسحابات إسرائيلية مع تقدم نزع السلاح، وزيادة المساعدات، ونشر قوة الاستقرار الدولية وبدء إعادة الإعمار. وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن حماس أبلغت كوشنر تمسكها بالخطة شريطة التزام إسرائيل بما يقع عليها، وأن كوشنر حاول طمأنة الحركة إلى أن واشنطن ستضغط باتجاه وقف الضربات والانسحاب التدريجي بمجرد بدء تسليم الأسلحة.

وتلك هي النقطة التي قد تجعل المحادثات في القدس أكثر صعوبة: فنتنياهو سيواجه على الأرجح اقتراحا أميركيا لا يقوم على منح إسرائيل عملية نزع سلاح مكتملة قبل تقديم أي مقابل، وإنما على سلسلة خطوات متبادلة وتدريجية تخضع للتحقق.

الانتخابات تدخل بقوة على الخط

ويضيف موعد الانتخابات الإسرائيلية بعدا آخر إلى القراءة الإسرائيلية للجولة.

فإسرائيل تتجه إلى انتخابات عامة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر، في وقت يخوض فيه نتنياهو معركة انتخابية شديدة الحساسية داخل معسكر اليمين.

ويرى شمعون آران أن هذا العامل قد يجعل نتنياهو مترددا في اتخاذ قرارات تتعلق بانسحابات واسعة من غزة قبل الانتخابات، خشية أن تستغلها قوى أكثر تشددا في اليمين ضده وتتهمه بتقديم تنازلات قبل استكمال نزع سلاح حماس.

وتنسجم هذه القراءة مع حقيقة أن موقف نتنياهو الرافض للصيغة الحالية يستند أيضا إلى ضغوط داخل ائتلافه اليميني، في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي منافسة انتخابية معقدة ولا تمنح معسكره طريقا مضمونا إلى الأغلبية.

لكن وجود الانتخابات لا يعني بالضرورة تجميد الملف حتى أواخر أكتوبر. فالانطباع في المؤسسة الإسرائيلية، وفق التغطيات الحالية، هو أن ترامب يريد إحداث تحول ملموس في ملف غزة خلال الأشهر المقبلة، وأن واشنطن قد تضغط قبل الانتخابات لتحقيق خطوات انتقالية على الأقل، مثل تثبيت وقف العمليات، والبدء بآليات التحقق من السلاح وترتيبات الإدارة والقوة الدولية، حتى إذا جرى تأجيل الانسحابات الأكثر حساسية سياسيا.

واشنطن أمام معادلة مزدوجة

وعليه، يمكن تلخيص القراءة الإسرائيلية لجولة كوشنر في أن واشنطن تعمل حاليا على مسارين متوازيين من الضغط.

الأول باتجاه حماس، لتحويل قبولها السياسي بخريطة الطريق إلى خطوات ملموسة ومثبتة بشأن السلاح والبنية العسكرية والتخلي عن إدارة غزة.

والثاني باتجاه إسرائيل، للقبول بأن تنفيذ الخطة لن يكون من طرف واحد، وأن إحراز تقدم فعلي في نزع السلاح سيقابله وقف للهجمات وانسحابات تدريجية وانتقال إلى إعادة الإعمار.

وبين هذين المسارين تقف قضية "التحقق" باعتبارها المخرج المحتمل من أزمة انعدام الثقة. فواشنطن تقول إن إسرائيل لن تضطر إلى الانسحاب اعتمادا على وعود فقط، بل بعد التحقق من تنفيذ الخطوات على الأرض، وهو ما أكده مسؤول في مجلس السلام عندما شدد على أن الانتقال بين المراحل سيكون مرتبطا بتنفيذ يمكن التثبت منه.

اختبار الاثنين: هل يستطيع كوشنر تحريك نتنياهو؟

لهذا تبدو زيارة كوشنر وملادينوف إلى إسرائيل الاثنين الاختبار الحقيقي للجولة.

فالجانب الأميركي أنهى محطة مصر بعد لقاء الوسطاء وحماس والاستماع إلى الموقف المصري، في وقت توجد فيه للمرة الأولى صيغة أكثر تفصيلا تربط نزع السلاح بالانسحابات والإدارة الجديدة والإعمار. أما نتنياهو فقد أعلن مسبقا رفضه ترتيب التنفيذ المقترح.

وإذا أصر على موقفه القائل بعدم الانسحاب قبل إتمام نزع السلاح كليا، ستبقى الفجوة واسعة. أما إذا قبل مبدأ التنفيذ المرحلي المرتبط برقابة خارجية صارمة، فقد تنتقل المفاوضات من الخلاف على جوهر الترتيب إلى التفاوض على الجداول الزمنية والخرائط وآليات التحقق.

وبهذا المعنى، لا توحي القراءة الإسرائيلية بأن جولة كوشنر ستنتج بالضرورة اختراقا فوريا، لكنها تكشف أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع المرحلة الثانية باعتبارها ملفا يمكن تأجيله إلى أجل غير محدد.

والرسالة التي تبدو حاضرة بقوة في التغطية الإسرائيلية مساء الأحد هي أن الضغط الأميركي الذي بدأ مركزا على حماس قد يصل الآن إلى مكتب نتنياهو نفسه؛ ليس للتراجع عن مطلب نزع السلاح، وإنما لقبول المعادلة الأميركية التي تربط السلاح بالانسحاب والهدوء والإعمار ضمن خطوات متبادلة.

وعلى وقع الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة، يصبح السؤال الذي ستجيب عنه مباحثات الاثنين ليس فقط ما إذا كان نتنياهو يقبل خطة كوشنر، بل إلى أي مدى يستطيع مقاومة رغبة ترامب في تحريكها قبل أن يدخل السباق الانتخابي مرحلته الحاسمة.

«الخط الأصفر» يتحول إلى عقدة الجولة

وتضيف التقارير الإسرائيلية مساء الأحد عنصرا أكثر دقة إلى صورة الخلاف بين واشنطن وحكومة نتنياهو، إذ يبدو أن "الخط الأصفر" بات في صلب المفاوضات، وليس مجرد تفصيل عسكري مرتبط بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية.

وبحسب ما أوردته القناة 15 العبرية، فإن مسؤولين مقربين من "مجلس السلام" يعتقدون بوجود فرص جيدة للتوصل إلى تفاهمات بين كوشنر ونتنياهو خلال اجتماعهما المرتقب الاثنين، رغم إقرارهم بأن الفجوات بين الجانبين ما تزال كبيرة.

وتتركز هذه الفجوات، وفق الرواية الإسرائيلية، حول اللحظة التي يتعين فيها على الجيش الإسرائيلي بدء الانسحاب من المناطق الواقعة على امتداد "الخط الأصفر".

فالمقاربة الأميركية، كما يعرضها الإعلام الإسرائيلي، تقوم على معادلة تدريجية ومتزامنة: إذا جرى استكمال نزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها العسكرية في منطقة محددة، وتحقق الطرف المشرف على الاتفاق من ذلك، يبدأ الجيش الإسرائيلي في المقابل بالانسحاب من الجزء المرتبط بتلك المنطقة.

أي أن واشنطن ومجلس السلام لا يتحدثان عن انتظار نزع السلاح في قطاع غزة بكامله قبل حدوث أي تحرك إسرائيلي، وإنما عن عملية تتقدم منطقة بعد أخرى، وخطوة مقابل خطوة.

أما حكومة نتنياهو فتطرح معادلة مختلفة جذريا. ووفق الأوساط المحيطة برئيس الوزراء التي نقلت عنها القناة الإسرائيلية، تصر إسرائيل على عدم الانسحاب من "الخط الأصفر" قبل استكمال نزع سلاح حماس في جميع أنحاء قطاع غزة، إلى جانب تجريد التنظيمات الفلسطينية المسلحة الأخرى من أسلحتها.

وهكذا يتضح أن الفجوة لا تتعلق فقط بمبدأ نزع سلاح حماس، الذي تتفق واشنطن وإسرائيل على إدراجه في الترتيبات المستقبلية، وإنما تتعلق أساسا بتسلسل التنفيذ ومعيار الانتقال من مرحلة إلى أخرى: هل يجري الانسحاب الإسرائيلي تدريجيا مع تقدم نزع السلاح، أم يبقى الجيش في مواقعه إلى أن تكتمل العملية الأمنية في القطاع بأسره؟

وهذه النقطة تتوافق مع جوهر الخلاف الذي برز خلال الأيام الأخيرة، إذ يتمسك نتنياهو بعدم تنفيذ انسحابات إضافية قبل نزع سلاح حماس بالكامل، بينما تدفع الخطة التي يرعاها مجلس السلام باتجاه عملية مرحلية وقابلة للتحقق تربط نزع السلاح بانسحابات إسرائيلية تدريجية.

رسالة كوشنر إلى حماس: الانسحاب سيبدأ إذا بدأ نزع السلاح

وفي تطور يزيد الضغط المتوقع على نتنياهو، نقل موقع "أكسيوس" عن مصادر مطلعة على اجتماعات مصر أن كوشنر أبلغ قيادة حماس برسالة مفادها أن الولايات المتحدة ستعمل على ضمان بدء الانسحاب الإسرائيلي إذا شرعت الحركة بصورة فعلية في تنفيذ عملية نزع السلاح.

وتشير هذه الرسالة إلى أن كوشنر لم يأت إلى القاهرة للضغط على حماس وحدها، بل حاول تقديم تصور للمقابل الذي يمكن أن تحصل عليه الحركة إذا بدأت تنفيذ التزاماتها، بحيث تصبح العملية متبادلة بدلا من أن ينجز أحد الطرفين جميع التزاماته مسبقا. وأكد "أكسيوس" أن اجتماع كوشنر مع قادة حماس تركز على تحويل الالتزامات المتعلقة بنزع السلاح إلى خطوات عملية يمكن التحقق منها، بالتزامن مع الدفع بترتيبات المرحلة التالية في غزة.

وهذه النقطة مهمة في القراءة الإسرائيلية؛ لأنها تعني أن كوشنر سيصل إلى اجتماع نتنياهو بعد أن يكون قد نقل إلى حماس تصورا أميركيا واضحا نسبيا يقوم على نزع السلاح مقابل الانسحاب المرحلي.

وبعبارة أخرى، قد لا يكون اجتماع الاثنين مخصصا لسؤال ما إذا كانت حماس مطالبة بنزع سلاحها، فذلك بات جزءا ثابتا في الخطة، وإنما لسؤال أكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل: هل توافق حكومة نتنياهو مسبقا على أن كل تقدم موثق في نزع السلاح سيؤدي إلى تقدم مواز في الانسحاب؟

ثلاثة مطالب على طاولة نتنياهو

وتشير المعطيات المتداولة بشأن التحضير للاجتماع إلى أن كوشنر سيحاول الحصول من نتنياهو على موافقة إسرائيلية بشأن ثلاث خطوات مترابطة في المرحلة المقبلة.

أولا، السماح بإدخال ونشر قوة الاستقرار الدولية التي يفترض أن تضطلع بأدوار أمنية وميدانية بالتوازي مع انتقال السيطرة في مناطق من القطاع.

ثانيا، السماح بإدخال المعدات والمواد اللازمة لبدء إعادة الإعمار وعدم إبقاء عملية إعادة البناء رهينة انتظار انتهاء جميع الترتيبات الأمنية في كامل غزة.

وثالثا، القبول بمبدأ أن الانسحابات الإسرائيلية تبدأ مع بدء التنفيذ الفعلي والموثق لنزع السلاح، بدلا من اشتراط اكتمال نزع السلاح في القطاع بأسره قبل أي انسحاب.

وتنسجم هذه المطالب مع الخطة الأميركية الأوسع، التي تربط نزع سلاح حماس بانسحاب القوات الإسرائيلية وبدء إعادة إعمار القطاع تحت إدارة فلسطينية مدنية جديدة. كما أفادت رويترز بأن إدارة ترامب تدفع بقوة في اتجاه المرحلة التالية، بينما تخشى إسرائيل في الوقت نفسه ضغوطا أميركية لوقف العمليات العسكرية والاغتيالات خلال تنفيذ المسار السياسي.

بين «الضمان الأميركي» والشرط الإسرائيلي

وهنا تتضح المعضلة التي سيحاول كوشنر حلها.

فحماس تريد ضمانا بأن البدء بتسليم السلاح أو تفكيكه لن يؤدي إلى بقائها في مواجهة جيش إسرائيلي يحتفظ بالمناطق نفسها ويواصل عملياته العسكرية، ولذلك تحاول واشنطن إقناع الحركة بأن نزع السلاح سيقابله انسحاب إسرائيلي يمكن التحقق منه.

في المقابل، ترى إسرائيل أن الانسحاب قبل استكمال عملية نزع السلاح في كامل القطاع قد يسمح لحماس أو لفصائل أخرى بإعادة تنظيم قدراتها في مناطق لم تصل إليها ترتيبات التفكيك بعد.

ومن ثم، فإن الصراع الدبلوماسي يدور عمليا حول من يتحمل مخاطرة الخطوة الأولى.

تحاول واشنطن تقليل تلك المخاطرة من خلال نموذج مرحلي: تفكيك السلاح في منطقة، تحقق دولي من التنفيذ، ثم انسحاب إسرائيلي من المنطقة المرتبطة بها، وبعد ذلك الانتقال إلى المنطقة التالية.

أما إسرائيل فتريد، وفق الموقف المنقول عن أوساط نتنياهو، عملية مختلفة: نزع شامل للسلاح أولا، والتحقق من خلو القطاع من البنية العسكرية لحماس وبقية التنظيمات، وبعد ذلك فقط يبدأ البحث في الانسحاب من "الخط الأصفر".

لماذا توجد رغم ذلك «فرصة للتفاهم»؟

ومع أن الفجوة تبدو جوهرية، فإن الحديث في أوساط مقربة من مجلس السلام عن وجود فرص جيدة للتوصل إلى تفاهمات يحمل دلالة سياسية.

فواشنطن وإسرائيل لا تختلفان، وفق الخطاب الأميركي والإسرائيلي المعلن، على الهدف النهائي المتعلق بنزع سلاح حماس ومنع إعادة بناء قدراتها العسكرية، وإنما على طريقة الوصول إليه وما يقابله من إجراءات إسرائيلية.

وهذا النوع من الخلاف قد يسمح للوسطاء بصياغة حلول وسط ترتكز على آليات تحقق صارمة، وتقسيم القطاع إلى مناطق أو مراحل، وربط كل انسحاب إسرائيلي بشهادة جهة دولية بأن التزامات المرحلة المقابلة قد نُفذت.

ومن المحتمل أيضا أن يترك أي تفاهم مجالا لإسرائيل للاحتفاظ بضمانات أمنية في مراحل الانتقال، مقابل موافقتها على مبدأ الانسحاب التدريجي وعدم تحويل "الخط الأصفر" إلى حدود عسكرية دائمة داخل القطاع.

اختبار الاثنين يصبح أكثر وضوحا

وبهذا تصبح مهمة كوشنر في لقاء نتنياهو أكثر وضوحا مما كانت عليه قبل اجتماعات القاهرة.

فالمبعوث الأميركي سيصل إلى إسرائيل بعدما ضغط على حماس للبدء بتنفيذ نزع السلاح، وتلقى منها، وفق المصادر الأميركية والإقليمية، إشارات إلى استعدادها للمضي في خريطة الطريق ضمن عملية متبادلة. وفي الوقت نفسه، أبلغ الحركة بأن واشنطن ستدفع نحو بدء الانسحاب الإسرائيلي مع بدء تلك العملية.

لذلك، ينتقل الاختبار الآن إلى الجانب الإسرائيلي.

فإذا وافق نتنياهو على مبدأ "التنفيذ مقابل التنفيذ"، حتى مع اشتراط رقابة خارجية دقيقة قبل كل انسحاب، فقد يصبح ممكنا تجاوز واحدة من أكبر العقبات أمام المرحلة الثانية.

أما إذا تمسك بشرط نزع سلاح حماس وبقية التنظيمات في كامل قطاع غزة قبل أي انسحاب من "الخط الأصفر"، فسيظل الفارق بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي كبيرا، وقد تتعثر الجولة عند النقطة نفسها التي عطلت خريطة الطريق خلال الأسابيع الماضية.

وهنا تحديدا تكتسب تصريحات المقربين من مجلس السلام عن وجود فرص للتوصل إلى تفاهمات أهميتها: واشنطن تدخل اجتماع الاثنين وهي لا تزال ترى إمكانية بناء جسر بين الموقفين، رغم اتساع الفجوة.

وبذلك يتحول اللقاء المرتقب بين كوشنر ونتنياهو من جولة تشاور عادية إلى اختبار مباشر لقدرة إدارة ترامب على تحويل الاتفاق من مبادئ عامة إلى معادلة تنفيذية واضحة: نزع سلاح موثق ومتدرج، يقابله انسحاب إسرائيلي متدرج، وانتشار دولي، وبدء فعلي لإعادة إعمار غزة.

وإذا أمكن الاتفاق على هذه المعادلة، فإن جولة كوشنر التي بدأت في مصر قد تكون قد وضعت للمرة الأولى أساسا عمليا للانتقال إلى المرحلة الثانية؛ أما إذا فشل الطرفان في تسوية عقدة "الخط الأصفر"، فستبقى هذه النقطة العائق الأكثر وضوحا أمام تحويل الزخم الدبلوماسي الحالي إلى خطوات على الأرض.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس