لقاء القاهرة يكشف معادلة المرحلة الثانية: خطوات لنزع سلاح حماس مقابل التزامات إسرائيلية تحت الاختبار

‏رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية يستقبل وفدا من حركة حماس برئاسة رئيس المكتب السياسي للحركة د.خليل الحية.jpg

كشفت تفاصيل جديدة عن الاجتماع الذي عقده المبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع قيادة حركة حماس في مصر، الأحد 16 أغسطس/آب 2026، أن المحادثات انتقلت من مناقشة المبادئ العامة للمرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترامب إلى البحث في خطوات تنفيذية قابلة للتحقق، تتعلق بنزع سلاح الفصائل، وتسليم إدارة قطاع غزة، والانسحابات الإسرائيلية، ونشر قوة دولية، وإدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار.

وبحسب مصادر أميركية وإسرائيلية وفلسطينية متقاطعة، لم يسفر الاجتماع عن إعلان اتفاق تنفيذي نهائي أو جدول زمني لنزع السلاح والانسحاب، لكنه ثبت بصورة أوضح شروط كل طرف: واشنطن تريد من حماس البدء بخطوات عملية تثبت التزامها بنزع السلاح والتخلي عن الحكم، بينما تطالب الحركة بالتزام إسرائيلي مسبق بخريطة الطريق قبل الشروع في التنفيذ.

اجتماع مباشر بمشاركة الوسطاء

وشارك في اللقاء، إلى جانب كوشنر ورئيس حركة حماس خليل الحية، الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" لشؤون غزة نيكولاي ملادينوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق وعضو المجلس توني بلير، إضافة إلى مستشاري المجلس آري لايتستون وليران تانكمان.

كما حضر رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، والدبلوماسي القطري علي الثوادي، ومسؤول تركي رفيع، وفق موقع "أكسيوس"، الذي وصف الاجتماع بأنه أول لقاء لكوشنر مع قيادة حماس منذ التوصل إلى اتفاق غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وتباينت الروايات بشأن مدة اللقاء؛ إذ نقل "أكسيوس" عن مصدر مطلع أنه استمر نحو 90 دقيقة، بينما تحدث مصدر فلسطيني لقناة "الجزيرة" عن اجتماع تجاوز ساعتين. ولا يغير هذا التباين من جوهر ما أكدته المصادر المختلفة بشأن الملفات التي نوقشت والرسائل المتبادلة خلاله.

ماذا أراد كوشنر من اللقاء؟

وفق الرواية الأميركية التي نقلها "أكسيوس"، كان الهدف الأساسي لكوشنر هو الانتقال بالتزام حماس المعلن بشأن نزع السلاح من المستوى السياسي إلى إجراءات ملموسة يمكن مراقبتها والتحقق منها.

ونقل الموقع عن مصدر مطلع أن كوشنر شدد على أن مجرد إعلان الاستعداد لنزع السلاح لم يعد كافيا، وأن الجانب الأميركي يريد رؤية تحركات فعلية تمنح إسرائيل والوسطاء دليلا على أن العملية بدأت بصورة جدية. ووصف المصدر الاجتماع بأنه "مثمر"، معتبرا أن أهميته تكمن في حصول كوشنر شخصيا على تأكيد من قيادة حماس بشأن التزامها بمسار نزع السلاح.

وبحسب المصدر نفسه، طلب قادة حماس من كوشنر نقل رسالة إلى ترامب مفادها أنهم ما زالوا ملتزمين بالمسار المتفق عليه. ورد الجانب الأميركي بأن المطلوب الآن ليس الاكتفاء بالتعهدات وإنما الانتقال إلى التنفيذ.

ثلاثة ملفات يريد الأميركيون بدء تنفيذها

وتكشف التفاصيل أن واشنطن و"مجلس السلام" يربطان بدء المرحلة الجديدة بثلاثة مسارات رئيسية.

الأول يتعلق بالشروع في تفكيك الأسلحة والبنية التحتية العسكرية التابعة لحماس والفصائل الأخرى بطريقة يمكن التحقق منها.

والثاني يتمثل في نقل صلاحيات إدارة القطاع إلى الحكومة أو اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي يفترض أن تتولى إدارة غزة في المرحلة الانتقالية، مع عدم احتفاظ حماس بدور في إدارة القطاع.

أما المسار الثالث فيتعلق بتهيئة الظروف لنشر قوة الاستقرار الدولية وبدء عملية التعافي وإعادة الإعمار وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية.

وبحسب "أكسيوس"، أبلغ قادة حماس كوشنر أنهم مستعدون لتسليم مهام الحكم إلى الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية وعدم التدخل في عملها بعد بدء نشاطها في القطاع.

ماذا قالت حماس عن نزع السلاح؟

تظهر هنا إحدى أهم نقاط الاختلاف بين الروايات.

فمصدر مطلع على اللقاء قال لـ"أكسيوس" إن قيادة حماس جددت التزامها بنزع السلاح وتجريد غزة من السلاح، وإن الحركة أرادت إيصال هذا الالتزام مباشرة إلى ترامب عبر كوشنر.

لكن البيان الرسمي الذي أصدرته حماس عقب الاجتماعات لم يذكر نزع السلاح بصورة صريحة، وركز بدلا من ذلك على موافقة الحركة على خريطة الطريق للمرحلة الثانية، وعلى وقف دائم لإطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل والإغاثة وبدء عمل اللجنة الإدارية وإعادة الإعمار. ولاحظ "أكسيوس" بدوره أن بيان الحركة لم يتضمن إشارة صريحة إلى نزع السلاح.

وهذا التباين لا يعني بالضرورة وجود تناقض في موقف الحركة، لكنه يكشف حساسية الملف داخليا؛ إذ تظهر المصادر الأميركية التزاما قُدم داخل الاجتماع، بينما اختارت حماس في بيانها العام التركيز على الاستحقاقات التي تطالب إسرائيل بتنفيذها.

حماس تضع شرطا أمام بدء التنفيذ

وفي المقابل، نقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن دبلوماسي عربي مطلع أن مسؤولي حماس أبلغوا كوشنر أنهم لن يبدؤوا تنفيذ خطة نزع السلاح ما لم يعلن نتنياهو التزامه بخريطة الطريق وشروطها أيضا.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن نتنياهو أعلن في التاسع من أغسطس/آب رفضه الصيغة الحالية للخطة، ولا سيما آلية الربط بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي. وتقول إسرائيل إنها لن تنسحب قبل اكتمال نزع سلاح حماس، في حين تقوم خريطة الطريق على انسحابات إسرائيلية مرحلية مع تقدم عملية نزع السلاح والتحقق منها.

وبذلك لم تعد العقدة مرتبطة بموافقة حماس النظرية على خريطة الطريق بقدر ما أصبحت مرتبطة بسؤال عملي: هل تبدأ الحركة بتسليم السلاح قبل حصولها على التزام إسرائيلي، أم يبدأ الطرفان التنفيذ ضمن خطوات متبادلة ومتزامنة؟

كوشنر: خطوات حماس ستقابلها خطوات إسرائيلية

وحاول كوشنر، بحسب المصدر المطلع الذي تحدث لـ"أكسيوس"، تقديم صيغة لتجاوز أزمة الثقة، إذ أبلغ قيادة حماس بأن الولايات المتحدة ستسعى إلى ضمان اتخاذ إسرائيل "خطوات مقابلة" إذا بدأت الحركة بإجراءات حقيقية في ملف نزع السلاح.

وتشمل الخطوات التي يريد "مجلس السلام" الحصول عليها من إسرائيل، إذا بدأت عملية نزع السلاح، السماح بنشر قوة الاستقرار الدولية، وبدء مشاريع إعادة الإعمار في منطقة رفح، وتسريع المساعدات الإنسانية، والدخول في بحث الانسحابات الأولية للقوات الإسرائيلية.

وهذه النقطة أكثر دقة من القول إن الاجتماع أقر بالفعل انسحابا إسرائيليا محددا؛ فالمصادر تتحدث حتى الآن عن التزام أميركي بالسعي للحصول على خطوات إسرائيلية مقابلة، وليس عن إعلان إسرائيلي بالموافقة عليها.

وقف الضربات والمساعدات ضمن مهمة كوشنر في إسرائيل

وبحسب دبلوماسي عربي تحدث إلى "تايمز أوف إسرائيل"، سيضغط كوشنر خلال محادثاته مع نتنياهو أيضا من أجل وقف أو خفض الضربات في غزة إذا بدأت عملية نزع السلاح، وتنفيذ التزامات إنسانية وردت في اتفاق أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ومن بين هذه الالتزامات، وفق المصدر، إدخال نحو 600 شاحنة مساعدات يوميا والسماح بإصلاح البنية التحتية الحيوية في أنحاء القطاع، إضافة إلى الحصول على الموافقات الإسرائيلية اللازمة لنشر قوة الاستقرار الدولية وإطلاق مشروع إنساني وإعماري أولي في رفح.

كما أفادت رويترز بأن إسرائيل قلقة من ضغوط أميركية لوقف عمليات الاغتيال والاستهداف داخل غزة خلال المرحلة المقبلة، في وقت تتمسك فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بحرية التحرك ضد ما تصفه بتهديدات فورية.

لا اتفاق نهائيا على الانسحاب حتى الآن

ورغم الحديث عن "خطوات إسرائيلية مقابلة"، تبقى مسألة الانسحاب واحدة من أكبر العقبات.

فالخطة التي يدفع بها "مجلس السلام" تقوم على نزع تدريجي للسلاح يقابله انسحاب إسرائيلي على مراحل بعد التحقق من تنفيذ الالتزامات في كل مرحلة. في المقابل، يصر نتنياهو على عدم الانسحاب قبل اكتمال نزع سلاح حماس وبقية الفصائل في القطاع.

وبالتالي، لم ينتج عن لقاء القاهرة حسم لهذه المسألة؛ وإنما نقلها بصورة مباشرة إلى اجتماع كوشنر ونتنياهو.

ما الذي نتج فعليا عن اللقاء؟

يمكن تلخيص أبرز ما أفرزه اجتماع القاهرة في أن الطرفين انتقلا إلى نقاش أكثر تفصيلا حول التنفيذ، من دون الوصول بعد إلى اتفاق شامل.

حماس، وفق المصادر المطلعة، جددت داخل الاجتماع التزامها بخريطة الطريق ونقل إدارة غزة إلى حكومة تكنوقراط، وأبلغت كوشنر استعدادها لمسار نزع السلاح، لكنها ربطت بدء التنفيذ بالتزام إسرائيلي واضح بالخطة.

الولايات المتحدة ومجلس السلام طالبا بخطوات ملموسة وقابلة للتحقق في نزع السلاح والتخلي عن الحكم، وأبلغا حماس بأن تنفيذها سيقابله ضغط أميركي من أجل تحركات إسرائيلية تشمل الانسحاب التدريجي والإغاثة والإعمار والقوة الدولية.

أما الجدول الزمني وآلية الربط بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي فلم يُحسما، وهما ينتقلان الآن إلى المحادثات مع نتنياهو.

كوشنر يصل إسرائيل والاختبار ينتقل إلى نتنياهو

وغادر كوشنر مصر مساء الأحد ووصل إلى إسرائيل، ومن المقرر أن يلتقي الاثنين 17 أغسطس/آب 2026 نتنياهو برفقة ملادينوف وبلير، في محطة ستحدد بدرجة كبيرة إمكانية تحويل تفاهمات القاهرة إلى خطوات فعلية.

وتقول مصادر أميركية إن واشنطن وإسرائيل متفقتان على الهدف الاستراتيجي المتعلق بنزع سلاح حماس، لكن الحكومة الإسرائيلية لديها تحفظات على آلية التنفيذ وتسلسل الانسحابات. ومن هنا، ستكون مهمة كوشنر الحصول على قبول إسرائيلي بمبدأ اتخاذ خطوات مقابلة إذا بدأت حماس فعليا تنفيذ تعهداتها.

وبذلك، فإن التطور الأهم في اجتماع القاهرة ليس إعلان اتفاق نهائي، وإنما انتقال ملف غزة إلى اختبار التنفيذ المتبادل: حماس مطالبة بإثبات التزامها بنزع السلاح وتسليم الحكم بخطوات يمكن التحقق منها، فيما تنتظر واشنطن من إسرائيل الموافقة على إجراءات مقابلة في الانسحاب والتهدئة والمساعدات والإعمار.

أما ما إذا كانت هذه المعادلة ستصبح اتفاقا قابلا للتنفيذ، فسيتوقف بدرجة كبيرة على ما سيخرج به لقاء كوشنر ونتنياهو الاثنين.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة