تحت رعاية رئيس مجلس إدارة المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة الوزير موسى أبو زيد، ورئيس جامعة القدس المفتوحة الأستاذ الدكتور إبراهيم الشاعر، انطلقت الاثنين 17 آب/أغسطس 2026 في مقر المدرسة بأبو شخيدم أعمال المؤتمر العلمي الدولي المحكّم "آفاق التحديث والتطوير المؤسسي في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة والخاصة"، الذي تنظمه المدرسة بالشراكة مع جامعة القدس المفتوحة، بمشاركة واسعة من الباحثين والأكاديميين والخبراء وصنّاع القرار وممثلي المؤسسات والقطاعات المختلفة من فلسطين وخارجها، ويستمر على مدار يومين.
ويأتي انعقاد المؤتمر في إطار الدور الوطني الذي تقوم به المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة في دعم التحديث والتطوير المؤسسي، وتعزيز البحث العلمي وربطه بالممارسة الإدارية وصنع القرار، وبناء القدرات والقيادات الوطنية، إلى جانب توسيع الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية والوطنية، وتوفير منصة علمية ومهنية للحوار حول مستقبل الإدارة والمؤسسات في ظل التحولات المتسارعة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ويهدف المؤتمر إلى بحث القضايا العلمية والتطبيقية المرتبطة بالتحديث المؤسسي، واستشراف مستقبل المؤسسات في ظل البيئة الرقمية، ومناقشة سبل توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء المؤسسي، وتحسين جودة الخدمات، ورفع كفاءة إدارة الموارد، وتعزيز الحوكمة وصناعة القرار المبني على البيانات، بما يفتح المجال أمام تطوير رؤى وحلول قابلة للتطبيق على المستويين الوطني والمؤسسي.
وشهد المؤتمر قبول 157 ورقة علمية محكّمة، شارك في إعدادها أكثر من 200 باحث وباحثة، إلى جانب مشاركات دولية، وبمشاركة واسعة من الجامعات والقطاعات الحكومية والخاصة والأهلية والأمنية والمحلية والتعليمية والصحية والمالية والاقتصادية، بما يعكس تنوعاً علمياً ومؤسسياً واسعاً، ويعزز من قيمة المؤتمر كمنصة تجمع الباحثين والأكاديميين والممارسين وصنّاع القرار حول قضايا التحديث والتطوير المؤسسي.
وفي كلمته خلال افتتاح المؤتمر، أكد أبو زيد أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يشكلان مساراً استراتيجياً لتحديث المؤسسات الفلسطينية ورفع كفاءتها وتعزيز قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطن ومواجهة التحديات المستقبلية، مشدداً على أن هذا التحول لا يقتصر على توظيف التقنيات الحديثة، وإنما يرتبط بالاستثمار في الإنسان والقيادات، وتطوير القدرات، وتوظيف البيانات والتكنولوجيا بصورة مسؤولة، بما يعزز كفاءة المؤسسات وصمودها واستمرارية خدماتها، ويجعلها أكثر قدرة على أداء دورها في خدمة المواطن والدولة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها فلسطين.
وأشار أبو زيد إلى أن المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة تقوم بدور محوري في دعم هذا المسار، من خلال إعداد القيادات وبناء القدرات وإنتاج الدراسات والاستشارات وربط المعرفة بصنع القرار، مؤكداً أهمية الشراكة بين مختلف القطاعات في تحقيق التحديث المؤسسي. ولفت إلى أن المؤتمر، بما يشهده من مشاركة واسعة للباحثين والمؤسسات المحلية والدولية، يمثل منصة علمية لإنتاج المعرفة وتطوير الحلول، وتحويل المخرجات البحثية إلى رؤى وسياسات قابلة للتطبيق، وصولاً إلى إدارة فلسطينية حديثة وكفؤة تتمحور حول الإنسان، وتستند إلى المعرفة والابتكار، وتقيس نجاحها بالأثر الحقيقي في حياة المواطن والمجتمع، بما يخدم أهداف الدولة ويعزز قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وأكد أبو زيد أن خصوصية الحالة الفلسطينية تمنح هذه القضايا أهمية مضاعفة، في ظل الظروف الاستثنائية والقيود على الموارد والحركة والوصول، والحاجة إلى ضمان استمرارية الخدمات وحماية الذاكرة المؤسسية، مشيراً إلى أن محدودية الموارد لا تعني محدودية القدرة على الابتكار، وأن التحول الرقمي يمكن أن يشكل أداة لتعزيز الصمود المؤسسي واستمرارية الخدمات، شريطة أن يستند إلى رؤية واضحة واستثمار حقيقي في الإنسان والمعرفة والقدرات الوطنية.
كما شدد على أهمية أن تتجاوز مخرجات المؤتمر حدود الأوراق البحثية إلى سياسات وإجراءات وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس، بما يسهم في بناء رؤية وطنية متكاملة للتحول الرقمي، وتطوير أدوات لقياس جاهزية المؤسسات، وأطر واضحة لحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، وقيادات قادرة على إدارة التغيير واستشراف المستقبل وبناء فرق مؤسسية قادرة على التعلم والابتكار.
من جانبه، أكد الشاعر أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة مفصلية يشهد فيها العالم تحولات عميقة تقودها الثورة الرقمية والتطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي لم تعد تقتصر على تطوير الأدوات والوسائل التقنية، وإنما باتت تعيد تشكيل فلسفة العمل المؤسسي وأنماط الإدارة وآليات تقديم الخدمات وصناعة القرار وإدارة الموارد.
وأشار الشاعر إلى أن التحديث المؤسسي لم يعد مرادفاً للتحول التقني فحسب، وإنما أصبح عملية تطوير شاملة ترتكز على بناء رؤية استراتيجية واضحة، وتحديث السياسات والتشريعات، وإعادة هندسة الإجراءات، وتعزيز الحوكمة الرقمية، وتطوير رأس المال البشري، وترسيخ ثقافة تنظيمية قادرة على استيعاب التغيير وإدارته بكفاءة ومرونة، مؤكداً أهمية تحويل المعرفة العلمية إلى حلول عملية تدعم جهود التطوير المؤسسي على المستويات الوطنية والإقليمية.
كما أكد أهمية الشراكة بين جامعة القدس المفتوحة والمدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة في تنظيم المؤتمر، باعتبارها نموذجاً للتكامل بين المؤسسات الأكاديمية والوطنية، وتعزيز البحث العلمي والشراكات المؤسسية، وإنتاج المعرفة التي تستجيب للتحولات المتسارعة وتلبي احتياجات المؤسسات والمجتمع.
بدوره، أكد رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الدكتور يوسف أبو فاره أن محاور المؤتمر جاءت لتلامس احتياجات المؤسسات العامة والخاصة، وتبحث في كيفية توظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها ومواكبة المتغيرات، مشيراً إلى أهمية الجمع بين الدراسات العلمية والتجارب التطبيقية في صياغة رؤى وحلول واقعية.
وتتوزع أعمال المؤتمر على جلسات علمية متزامنة في خمس قاعات، وتتناول مجموعة واسعة من المحاور المرتبطة بالتحديث المؤسسي والتحول الرقمي، من أبرزها جاهزية المؤسسات للتحول الرقمي، وتحديث الإدارة العامة، والحوكمة الرقمية، وإدارة التغيير، والقيادة الرقمية، وتطوير الخدمات العامة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في المؤسسات، والتحول الرقمي في التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي.
كما تبحث الأوراق العلمية أثر التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء المؤسسي والموارد البشرية والعمليات الإدارية والمالية والتسويق وريادة الأعمال، إلى جانب قضايا تحليل البيانات الضخمة، والبلديات الإلكترونية، والتسويق الرقمي، وإدارة الموارد البشرية الرقمية، والأمن والخصوصية في البيئة السيبرانية، والجوانب القانونية للذكاء الاصطناعي، والحوكمة الإلكترونية والاستدامة المالية والتنمية والمشاركة المجتمعية.
وتواصل الجلسات العلمية مناقشة دراسات وأبحاث تطبيقية وتجارب مؤسسية من قطاعات مختلفة، بما يتيح مساحة للحوار العلمي وتبادل الخبرات بين الباحثين والممارسين والخبراء، ومناقشة التحديات والفرص المرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى رؤى وتوصيات يمكن أن تسهم في دعم جهود التحديث والتطوير المؤسسي.
ويأتي تنظيم المؤتمر تأكيداً على توجه المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة نحو ترسيخ دورها كبيت خبرة وطني ومنصة للمعرفة وبناء القدرات والتطوير الإداري، وتعزيز التكامل بين البحث العلمي والخبرة التطبيقية، وربط المعرفة باحتياجات الإدارة وصنع القرار، بما يدعم تطوير القيادات والكفاءات الوطنية، ويسهم في بناء مؤسسات فلسطينية أكثر كفاءة ومرونة وابتكاراً، وأكثر قدرة على خدمة المواطن والدولة والاستجابة لمتطلبات المستقبل.





