غزة على حافة أزمة أكسجين طبي.. تحذيرات حقوقية من تهديد مباشر للحق في الحياة والصحة

يواجه المرضى والرضع الذين يعتمدون على الأكسجين مخاطر متزايدة في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 15 أغسطس/آب 2026. (صورة: طارق)

حذّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من تفاقم أزمة الأكسجين الطبي في قطاع غزة، في ظل خروج غالبية محطات التوليد وأجهزة تعبئة الأسطوانات عن الخدمة، معتبراً أن استمرار القيود المفروضة على إدخال المعدات وقطع الغيار يهدد بتعطيل خدمات صحية أساسية ويعرض حياة المرضى والجرحى لخطر مباشر.

وقال المركز إن أزمة الأكسجين تمثل أحد أبرز مظاهر التدهور المتواصل في قدرة القطاع الصحي على العمل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في أعقاب الأضرار الواسعة التي لحقت بالمستشفيات والمنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والمعدات والبنية التحتية، إلى جانب النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية والصعوبات المرتبطة بأعمال الصيانة والإصلاح.

وبحسب إفادة مدير عام الهندسة والصيانة في وزارة الصحة، المهندس مازن العرايشي، لباحث المركز، تعمل حالياً 12 محطة فقط من أصل 34 محطة لتوليد الأكسجين في قطاع غزة، فيما خرجت 22 محطة عن الخدمة، بينما تعمل المحطات المتبقية في ظروف تشغيلية وفنية صعبة ومع تعرضها المستمر للأعطال.

ولا تقتصر الأزمة على إنتاج الأكسجين، إذ أشار العرايشي إلى أن أربعة أجهزة فقط من أصل 30 جهازاً مخصصاً لتعبئة أسطوانات الأكسجين ما تزال تعمل، الأمر الذي يقلص قدرة المستشفيات على تعبئة الأسطوانات وتوزيعها ويجعل استمرار الإمدادات مرتبطاً بعدد محدود من الأجهزة والمنشآت التي تعمل بأقصى طاقتها.

وتكتسب الأزمة خطورة خاصة بالنظر إلى اعتماد أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال وحديثي الولادة وغرف العمليات والطوارئ على إمدادات الأكسجين بصورة يومية، فضلاً عن مرضى يتلقون العلاج في منازلهم ويحتاجون إليه بصورة مستمرة.

وحذر العرايشي من أن تعطل أي محطة أو جهاز إضافي قد يؤدي إلى تقليص قدرة المستشفيات على استقبال الحالات الحرجة وإجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية للمرضى الذين يحتاجون إلى الأكسجين، بما قد يعرض حياة عدد منهم لخطر فوري.

ويربط المركز أزمة الأكسجين بالسياق الأوسع لتدهور القطاع الصحي، مشيراً إلى أن المشكلة لم تعد مقتصرة على الأضرار التي أصابت المنشآت، وإنما امتدت إلى قدرة المؤسسات الصحية على صيانة المعدات المتبقية وإدامة عملها نتيجة نقص قطع الغيار والأجهزة والمستلزمات الفنية اللازمة.

واستند المركز إلى بيانات لمنظمة الصحة العالمية تفيد بأن 34 مستشفى من أصل 36 في قطاع غزة تعرضت لأضرار، فيما يعمل 18 مستشفى بصورة جزئية، وهو ما يعكس، بحسب المركز، حجم الضغط الذي تواجهه المنشآت الطبية المتبقية وقدرتها المحدودة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

أبعاد قانونية وحقوقية للأزمة

ومن منظور قانوني، قال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن القيود التي تحول دون إدخال محطات الأكسجين وقطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة لتشغيلها تثير مخاوف جدية تتعلق بالالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما في ما يتعلق بحماية المدنيين وضمان استمرار الخدمات الصحية الأساسية.

وأشار إلى المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، اللتين تتناولان التزامات القوة القائمة بالاحتلال في ما يخص الإمدادات الطبية والحفاظ على المؤسسات والخدمات الطبية والصحية في الأراضي المحتلة.

كما لفت إلى أن المادة 147 من الاتفاقية تعد بعض الأفعال التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أضرار خطيرة بالصحة ضمن المخالفات الجسيمة، مؤكداً أن تقييم المسؤولية القانونية في كل حالة يرتبط بالوقائع والعناصر القانونية المتوافرة.

وأضاف المركز أن استمرار حرمان المرضى من خدمات طبية منقذة للحياة قد يثير كذلك مسائل قانونية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك أحكام تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، متى توافرت الشروط والعناصر القانونية اللازمة لتوصيف كل فعل.

كما ربط المركز الأزمة بالحق في الصحة المنصوص عليه في المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحق في الحياة الوارد في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مشدداً على أن الوصول الفعلي إلى الرعاية والمستلزمات الطبية الأساسية يمثل عنصراً أساسياً في حماية هذين الحقين.

وفي ما يتعلق باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، قال المركز إن الظروف التي تؤدي إلى الحرمان المتعمد من العلاج والوسائل الضرورية للحياة قد تكون ذات صلة بالمادة الثانية من الاتفاقية إذا توافرت عناصر القصد والشروط القانونية التي تنص عليها، مؤكداً ضرورة إخضاع الوقائع للتحقيق والمساءلة وفق قواعد القانون الدولي.

وشدد المركز على أن ضمان توفير الأكسجين الطبي في قطاع غزة لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة إغاثية فحسب، بل باعتباره جزءاً من الالتزامات المتعلقة بحماية الحق في الحياة والصحة والوصول إلى العلاج، في ظل اعتماد آلاف المرضى والجرحى على منظومة صحية تعمل بقدرات محدودة.

وطالب المركز المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية باتخاذ خطوات فعالة لضمان احترام الالتزامات القانونية ذات الصلة وتنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

كما دعا السلطات الإسرائيلية إلى السماح بصورة عاجلة ومستدامة بإدخال محطات إنتاج الأكسجين وأجهزة التعبئة وقطع الغيار والمعدات الطبية والفنية، وتمكين الطواقم المختصة من صيانة وإصلاح المنشآت، وضمان حماية المستشفيات والعاملين الصحيين والمرضى.

وطالب كذلك بإجراء تحقيقات مستقلة في الأضرار التي لحقت بالمنظومة الصحية والقيود التي تعوق إعادة تأهيلها، وضمان المساءلة عن أي انتهاكات جسيمة يثبت ارتكابها، محذراً من أن استمرار تراجع القدرة على إنتاج الأكسجين وتعبئته قد يحول الأعطال الفنية المتراكمة إلى خطر مباشر على حياة المرضى في أنحاء قطاع غزة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة