الضمير: تصاعد استخدام السلاح في النزاعات الداخلية يهدد السلم الأهلي وسيادة القانون في غزة
حذرت مؤسسات حقوقية وأهلية في قطاع غزة، الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2026، من تصاعد استخدام الأسلحة النارية في الشجارات العائلية والخلافات الشخصية، وما يترتب على ذلك من سقوط قتلى وجرحى وتهديد للسلم الأهلي، في وقت أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني أنها ستتخذ إجراءات قانونية بحق مطلقي النار وتصادر الأسلحة المستخدمة في تلك الحوادث.
وقالت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة إنها تنظر "بخطورة بالغة" إلى تكرار حوادث استخدام السلاح في النزاعات الداخلية، معتبرة أن اتساع هذه الظاهرة يشكل تهديداً لأمن المواطنين وسيادة القانون والنسيج الاجتماعي، ولا سيما في ظل الظروف الإنسانية والاجتماعية الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
وبحسب توثيق المؤسسة، شهدت مدينة غزة خلال الأيام الأخيرة عدة حوادث دامية ارتبطت بخلافات تطورت إلى إطلاق نار.
وأفادت "الضمير" بأن خلافاً وقع قرابة الساعة 12:20 ظهر الاثنين 17 أغسطس/آب 2026 بين مواطنين أثناء تعبئة مياه الشرب في منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، قبل أن يتطور إلى إطلاق نار أسفر عن مقتل المواطن سلمان أحمد محمد السرساوي، البالغ 52 عاماً، وإصابة ثلاثة أشخاص آخرين بجروح وصفت بالحرجة.
وأضافت المؤسسة أن السرساوي وصل إلى مستشفى الشفاء مصاباً بأعيرة نارية في الصدر والبطن، قبل الإعلان عن وفاته متأثراً بإصابته.
وفي حادثة أخرى، قالت المؤسسة إن مجموعة من الملثمين كانوا يستقلون مركبة أطلقت النار، ظهر السبت 15 أغسطس/آب، باتجاه مجموعة من أفراد عائلة أبو وردة في منطقة الشارع الثالث بحي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة.
ووفق المعلومات التي أوردتها المؤسسة، أسفر إطلاق النار عن إصابات بالغة، قبل أن تعلن المصادر الطبية وفاة حسن أنس صبحي أبو وردة، 27 عاماً، وهو من سكان جباليا البلد ونازح في الشيخ رضوان، ثم وفاة وسيم أيمن حكمت أبو وردة، 26 عاماً، من سكان جباليا النزلة والنازح في المنطقة ذاتها، في وقت بقي فيه مصابان آخران داخل قسم العناية المركزة.
تحذير حقوقي من اتساع دائرة العنف
وقالت مؤسسة الضمير إن الظروف التي يعيشها قطاع غزة، بما تتضمنه من آثار الحرب والنزوح وتدمير الممتلكات وتراجع الخدمات وإضعاف آليات الحماية الاجتماعية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لانتشار السلاح أو استخدامه في تسوية الخلافات الداخلية.
وأكدت أن خطورة إطلاق النار لا تقتصر على أطراف النزاع، إذ إن استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية ومناطق النزوح المكتظة يعرض السكان، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، لخطر الإصابة أو القتل، وقد يحول الخلافات الفردية إلى نزاعات أوسع ذات طابع عائلي أو اجتماعي.
ودعت المؤسسة إلى تعزيز سيادة القانون ونبذ التعصب والاحتكام إلى الحوار والوسائل القانونية في معالجة النزاعات، محذرة من أن استمرار هذه الحوادث قد يؤدي إلى مزيد من تفكك النسيج الاجتماعي وتقويض الشعور بالأمن داخل المجتمع.
وطالبت النيابة العامة بفتح تحقيقات فورية في حوادث إطلاق النار والكشف عن ملابساتها وتحديد المسؤولين عنها وملاحقتهم قضائياً، بما يمنع الإفلات من العقاب.
كما دعت إلى الحد من انتشار الأسلحة واستخدامها خارج الأطر القانونية، واتخاذ إجراءات بحق كل من يستخدم السلاح في النزاعات العائلية والشخصية، إلى جانب مطالبة العائلات والوجهاء والقوى المجتمعية بالتدخل لمنع تحول الخلافات الفردية إلى مواجهات عائلية واسعة.
شبكة المنظمات الأهلية: الصراعات الداخلية تهدد الأمن المجتمعي
بدورها، أعربت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عن قلقها من تصاعد الصراعات العائلية وغيرها من النزاعات الداخلية في قطاع غزة، وقالت إن استخدام الأسلحة والأدوات العنيفة خلالها أدى إلى سقوط ضحايا وأصبح يشكل خطراً متزايداً على حياة المواطنين.
ودعت الشبكة الجهات الرسمية إلى ضبط حالة التوتر والاحتقان وتعزيز سيادة القانون ومنع محاولات أخذ القانون باليد.
كما طالبت المكونات المجتمعية والسياسية والهيئات المدنية بتكثيف جهودها لتخفيف التوتر وتشكيل مرجعيات مجتمعية قادرة على التدخل المبكر في النزاعات ومنع تفاقمها.
وربطت الشبكة بين الحفاظ على السلم الأهلي وتعزيز التكافل والتضامن الاجتماعي، معتبرة أن تماسك المجتمع يمثل أولوية في ظل الظروف السياسية والإنسانية التي يمر بها القطاع.
وأشارت الشبكة، في موقف سياسي ضمن بيانها، إلى أن تفاقم الصراعات الداخلية يصب في مصلحة إسرائيل ويسهم في إضعاف التماسك المجتمعي، وهو توصيف يعكس موقف المؤسسة من تداعيات تلك النزاعات.
الداخلية: إطلاق النار في الشجارات "جريمة كبرى"
من جهتها، قالت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة إنها تقدر حالة الرفض الشعبي لمظاهر الفوضى، مؤكدة أن الشرطة والأجهزة الأمنية تعمل على الحد من النزاعات الداخلية وحماية السلم الأهلي رغم الظروف الصعبة التي تواجهها.
وأشارت الوزارة إلى أن جهاز الشرطة والأجهزة الأمنية فقدت عدداً من قادتها وضباطها خلال الحرب جراء عمليات قصف إسرائيلية، معتبرة أن ذلك أثر في قدرة الأجهزة المختصة على أداء مهامها في ظل كثافة السكان وحالة النزوح الواسعة.
ودعت الوزارة العائلات والعشائر إلى تحمل مسؤولياتها في احتواء الخلافات ومنع تحول المشاجرات وسوء الفهم إلى تحشيد عائلي أو استخدام للأسلحة.
وقالت إن استخدام السلاح وإطلاق النار خلال الشجارات يمثل "جريمة كبرى" لما يترتب عليه من سقوط ضحايا وترويع للسكان، مؤكدة أن الأجهزة الأمنية ستتخذ إجراءات قانونية بحق مطلقي النار، بما يشمل مصادرة الأسلحة المستخدمة بصورة نهائية.
وأضافت أن الأجهزة المختصة تفتح تحقيقات في الجرائم فور وقوعها بهدف الوصول إلى مرتكبيها وتقديمهم للعدالة، مشددة على أن فرض سيادة القانون وصون الأمن المجتمعي يمثلان سياسة ثابتة لديها.
كما دعت القوى الوطنية والمجتمعية والوجهاء والعشائر إلى تكثيف جهود الوساطة ونشر ثقافة التسامح ونبذ العنف والاحتكام إلى الوسائل السلمية والقانونية في حل النزاعات.
تحديات أمنية واجتماعية في بيئة شديدة الهشاشة
وتأتي التحذيرات الحقوقية والمجتمعية في وقت يواجه فيه قطاع غزة ظروفاً معيشية وأمنية بالغة التعقيد، مع انتشار واسع للنزوح وتكدس السكان في مناطق محدودة وتضرر البنية التحتية والخدمات العامة والمؤسسات الشرطية والقضائية.
وترى المؤسسات التي أصدرت البيانات أن استمرار حوادث إطلاق النار في مثل هذه البيئة يضاعف المخاطر على المدنيين، ويزيد الحاجة إلى تعزيز إجراءات إنفاذ القانون والوساطة الاجتماعية وضبط انتشار السلاح، بما يمنع تحول النزاعات الفردية إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار.
وتتقاطع مواقف مؤسسة الضمير وشبكة المنظمات الأهلية ووزارة الداخلية، رغم اختلاف توصيفاتها للأسباب والمسؤوليات، عند الدعوة إلى وقف استخدام السلاح في النزاعات الداخلية، ومحاسبة المتورطين، وتفعيل دور المؤسسات القانونية والمجتمعية، باعتبار حماية السلم الأهلي ومنع العنف الداخلي من الأولويات الملحة في قطاع غزة.
