سميح القاسم.. حين يصبح الشعر

بقلم: محمد علوش

محمد علوش.jpg

محمد علوش*

بعد اثني عشر عاماً على رحيل أستاذنا الشاعر سميح القاسم، لا أشعر أنني أكتب عن شاعر غاب، بقدر ما أشعر أنني أقترب من شاعر ما زال حاضراً في مكان أعمق من الحضور العابر، فثمة شعراء تنتهي سيرتهم حين تنتهي أعمارهم، وثمة شعراء تبدأ سيرتهم الحقيقية بعد الرحيل؛ حين تتخفف قصائدهم من ضجيج اللحظة، وتدخل الذاكرة، وتصير جزءاً من وجدان أجيال لم تعاصر أصحابها، وسميح القاسم، في ظني، من هؤلاء الذين لا يغادرون تماماً، لأن ما تركوه لم يكن مجرد دواوين ومجموعات شعرية، بل كان جزءاً من الروح الفلسطينية وهي تبحث عن لغتها في زمن شديد القسوة.

أكتب عنه اليوم شاعراً فلسطينياً يكتب عن شاعر فلسطيني، وأعرف أن المسافة بيننا ليست مسافة قارئ إلى شاعر كبير فحسب، بل مسافة شاعر إلى إرث شعري ترك أثراً عميقاً في القصيدة الفلسطينية والعربية، وحين نقترب من سميح القاسم، لا نستطيع أن نفصل الشاعر عن فلسطين، ولا فلسطين عن ذلك القلق الإنساني الذي ظل يرافق قصيدته، فقد كان من أبرز شعراء المقاومة الفلسطينية، وارتبط شعره بقضية شعبه، لكنه لم يحبس قصيدته داخل حدود القضية؛ بل منحها أفقاً إنسانياً أوسع، وهو ما جعل تجربته تتجاوز المناسبة السياسية إلى القيمة الشعرية الباقية.

كان سميح القاسم ابن الجليل، ابن المكان الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد جغرافيا، بل ذاكرة حيّة وملامح وبيوتاً وأشجاراً وأسماءً ووجوهاً، ومن هنا ربما جاءت تلك العلاقة العميقة بين القصيدة والأرض في تجربته، فلم يكن الوطن عنده صورة معلقة على جدار، بل كان مادة الروح نفسها، لذلك حين كان يكتب عن فلسطين، كان يكتب عن الإنسان الذي يقاوم أن يتحول إلى رقم، وعن الذاكرة الوطنية والجماعية والثقافية التي ترفض أن تصبح أثراً، وعن الكرامة التي لا يمكن اختصارها في نشيد أو شعار.

بدأ كتابة الشعر في سن مبكرة، وصدرت مجموعته الأولى «مواكب الشمس» عام 1958، ثم توالت أعماله الشعرية والنثرية والمسرحية حتى تجاوز إنتاجه سبعين كتاباً، وترجمت أعماله إلى لغات عدة، وهذا الاتساع في المنجز الإبداعي ليس مجرد رقم في سيرة شاعر، بل شاهد على حياة كاملة كرّسها للقصيدة، حتى إنه لخّص علاقته بها في عبارة بالغة الدلالة حين قال إنه أفنى عمره في خدمتها.

لكن قيمة سميح القاسم لا تكمن في كثرة ما كتب، وإنما في ذلك الحضور الذي استطاعت قصيدته أن تصنعه لنفسها، فكان يكتب من قلب المواجهة، لكنه لم يسمح للقصيدة أن تتحول إلى بيان سياسي او جماهيري، فقد كان يعرف أن الشعر، حين يفقد غموضه الجميل وطاقته الإيحائية، يفقد شيئاً من جوهره، وأن القصيدة لا تصبح عظيمة لأنها تقول موقفاً صحيحاً فحسب، بل لأنها تحوّل هذا الموقف إلى جمال قادر على البقاء.

وهنا تكمن واحدة من أكثر المسائل إثارة في تجربة سميح القاسم، كيف استطاع أن يجمع بين صلابة الموقف ورهافة الشعر؟ وكيف أمكن للقصيدة أن تكون مشدودة إلى الأرض، من دون أن تفقد قدرتها على التحليق؟ وكيف استطاع أن يجعل من المقاومة قيمة جمالية وأخلاقية، لا مجرد استجابة سياسية لحدث عابر؟

لقد كان يدرك، كما أظن، أن الاحتلال لا يحاول السيطرة على الأرض وحدها، بل يحاول أيضاً السيطرة على الرواية والذاكرة والصورة، ولهذا كان الشعر، في تجربته، شكلاً من أشكال استعادة الصوت، أن تقول «أنا» في وجه من يريد لك أن تصبح بلا اسم، وأن تقول «هنا» في وجه من يريد اقتلاع المكان من اللغة، وأن تحفظ أسماء الأشياء قبل أن يطاولها النسيان؛ كل ذلك كان جزءاً من فعل الكتابة.

ولذلك لم يكن سميح القاسم شاعراً للمقاومة وحسب، بل كان شاعراً للهوية بمعناها الأعمق، فالهوية عنده لم تكن انغلاقاً على الذات، وإنما كانت معرفةً بالذات في علاقتها بالآخر وبالعالم، وقد لاحظ الناقد فيصل دراج، في قراءة مبكرة لتجربة القاسم، هذا التداخل بين الإبداع الشعري والهوية الوطنية، ورأى في قصيدته صوتاً جماعياً يتصل بفلسطين وبالكفاح الإنساني، لا مجرد تعبير فردي منعزل.

ومن هنا أيضاً لا يمكن قراءة سميح القاسم بمعزل عن جيله، فلقد كان أحد الأصوات الكبرى في مرحلة كانت فيها القصيدة الفلسطينية تعيد تعريف نفسها تحت وطأة النكبة والاحتلال والاقتلاع ومحاولات طمس الهوية الوطنية ومحور الموروث الثقافي العربي الفلسطيني، وفي تلك المرحلة لم يكن الشاعر يملك ترف الوقوف بعيداً عن الأسئلة الكبرى، فكان عليه أن يختار موقعه من التاريخ، وأن يبحث في الوقت نفسه عن موقعه داخل الشعر.

وقد اختار سميح القاسم أن يكون في قلب هذا التوتر: بين الشاعر والمقاتل، بين الفرد والجماعة، بين الخاص والعام، بين الأرض والسماء، بين الموت والحياة، لكن أجمل ما في تجربته أنه لم يترك الشعر يذوب في السياسة، ولم يترك السياسة تبتلع الشعر، فظل بينهما ذلك الخيط الدقيق الذي يجعل القصيدة قادرة على أن تكون شاهدة، من دون أن تتحول إلى محضر شهادة.

ولعل هذا ما يفسر استمرار قصيدته حتى اليوم، فالقصائد التي تولد من ظرف سياسي محدد قد تنتهي بانتهاء الظرف، أما القصيدة التي تذهب من الحدث إلى جوهر الإنسان فتملك قدرة أطول على البقاء، وسميح القاسم كان، في لحظاته الأجمل، يعرف كيف يعبر من فلسطين إلى الإنسان، ومن الأرض إلى الحرية، ومن الخاص إلى الكوني.

كان أيضاً شاعراً يعرف معنى الكبرياء دون أن يقع في الغرور، ومعنى الغضب دون أن يفقد جمال اللغة، ففي قصيدته شيء من الصخر، لكن فيه أيضاً شيء من الماء، شيء من النار، وفيه شيء من الحنين، وهذه الثنائية هي التي جعلت صوته مميزاً: لم يكن صوتاً واحداً جامداً، بل نسيجاً من التناقضات الإنسانية التي تمنح الشعر حياته.

تبدو لي تجربة سميح القاسم اليوم أكثر إلحاحاً مما تبدو احتفالية، فنحن لا نحتاج إلى الشعراء الكبار كي نضع أسماءهم على جدران الذاكرة فقط، بل نحتاج إلى إعادة قراءة ما تركوه لنا، ونحتاج إلى أن نسأل: ماذا يبقى من شاعر بعد أن تتغير الأزمنة؟ ماذا يبقى من القصيدة حين تتبدل الشعارات؟ وما الذي تستطيع اللغة أن تفعله حين يصبح الواقع أكثر قسوة من قدرة الكلام على وصفه؟

أعتقد أن ما يبقى من سميح القاسم هو ذلك الإيمان العميق بأن الإنسان لا يهزم ما دام قادراً على تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى حماية ذاكرته، وعلى تحويل الألم إلى معنى، والخوف إلى سؤال، والوجود إلى فعل مقاومة.

لقد كتب كثيراً عن الموت، لكنه لم يكن شاعر الموت، كان شاعر الحياة التي تقاوم الموت، وكان يعرف أن أقسى ما يمكن أن يفعله الاحتلال ليس أن يقتل الإنسان فحسب، بل أن يجعله يعتاد القتل، وأن يجعل المأساة خبراً يومياً بلا دهشة، لذلك كانت القصيدة عنده محاولة لاستعادة الدهشة، لاستعادة الإنسان من بين الركام.

وربما لهذا السبب تحديداً يبدو رحيله، بعد اثني عشر عاماً، أقل شبهاً بالغياب وأكثر شبهاً بالتحول، فلقد انتقل من حياة الشاعر إلى حياة النص، وهذه هي الحياة الأصعب والأطول، فالإنسان يمضي، أما القصيدة فتظل معلقة في الهواء، تنتظر قارئاً جديداً كي يوقظها.

رحل سميح القاسم في عام 2014، ودفن في بلدته الرامة، بعد مسيرة طويلة في الشعر والصحافة والعمل الوطني والثقافي، لكن الجنازة، مهما كانت كبيرة، لم تكن خاتمة لسيرته؛ لأن جنازات الشعراء الحقيقيين لا تنتهي حين يوارى الجسد، وإنما تبدأ حين تواصل قصائدهم عبورها من جيل إلى جيل.

اثنا عشر عاماً، وما زالت فلسطين بحاجة إلى الشعر كما كانت بحاجة إليه يوم كتب سميح قصيدته الأولى، وما زالت القصيدة الفلسطينية تبحث عن ذلك التوازن الصعب بين الجمال والحق، بين الذاكرة والمستقبل، بين أن تكون وفياً للأرض وأن تظل مفتوحاً على العالم.

لهذا لا أريد أن أضع سميح القاسم في إطار الذكرى وحدها، فالذكرى قد تجعل الشاعر تمثالاً، وأنا لا أراه تمثالاً، بل أراه صوتاً متحركاً، قلقاً، مشاكساً، يخرج من الكتب كلما ضاقت اللغة بالحياة، ويعود كلما احتجنا إلى أن نتذكر أن الشعر ليس زينة على هامش التاريخ، بل إحدى الطرق العميقة لفهمه ومقاومته.

سميح القاسم لم يكن مجرد شاعر كتب فلسطين؛ كان واحداً ممن جعلوا فلسطين تسكن في الشعر، وهذا فرق كبير، فالأول يكتب عن وطنه، ثم ينتهي النص، أما الثاني، فيمنح الوطن مكاناً داخل اللغة، فيصبح الوطن قادراً على البقاء حتى حين تغلق الأبواب، وتهدم البيوت، وتغيب الوجوه، ويشتد الليل.

 

بعد اثني عشر عاماً، ما زالت قصيدته تقول إن الغياب ليس نهاية الشاعر، فالشاعر الذي ترك في اللغة أثراً لا يمحى، لا يغيب، إنه فقط يغيّر مكانه، من القلب إلى القصيدة، ومن القصيدة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى المستقبل، وهناك، حيث لا تصل يد الموت، يبقى سميح القاسم واقفاً في جهة الشعر، وفي جهة فلسطين، وفي جهة الإنسان.

 

  • شاعر من فلسطين

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت