أعلن السياسي الفرنسي رافاييل غلوكسمان رسمياً ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، واضعاً نفسه في قلب المنافسة على إعادة تشكيل اليسار الفرنسي، ومقدماً ترشحه بوصفه محاولة لبناء بديل اجتماعي ديمقراطي ومؤيد بقوة لأوروبا في مواجهة صعود اليمين المتطرف من جهة، واليسار الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون من جهة أخرى.
وقال غلوكسمان، مساء الأحد 23 أغسطس/آب 2026، خلال مقابلة مع نشرة الثامنة على قناة «TF1»: «نعم، أنا مرشح للانتخابات الرئاسية»، مؤكداً أنه اتخذ القرار في ظل ما يعتبره خطراً متزايداً من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة، وأنه يدخل السباق بهدف الفوز وإعادة بناء اليسار الفرنسي. كما أعلن مشاركته في الانتخابات التمهيدية الاجتماعية الديمقراطية التي ينظمها حزبه «بلاس بوبليك» والحزب الاشتراكي في الخريف.
ويأتي ترشح غلوكسمان، البالغ من العمر 46 عاماً، في وقت تدخل فيه فرنسا تدريجياً أجواء انتخابات ما بعد إيمانويل ماكرون، وسط مشهد سياسي شديد الاستقطاب. وتشير استطلاعات الرأي التي أوردتها وكالة «رويترز» إلى أن زعيمة التجمع الوطني مارين لوبان تتصدر بصورة متكررة نوايا التصويت في الجولة الأولى، فيما لا يزال غلوكسمان متأخراً عن ميلانشون داخل معسكر اليسار، ما يجعل قدرته على جمع التيار الاجتماعي الديمقراطي والمعتدل أحد أبرز اختبارات حملته.
من هو رافاييل غلوكسمان؟
وُلد رافاييل غلوكسمان في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1979 في بولوني-بيانكور قرب باريس، ودرس في معهد الدراسات السياسية في باريس «Sciences Po» بين عامي 1999 و2003. وهو نجل الفيلسوف الفرنسي أندريه غلوكسمان، أحد أبرز وجوه تيار «الفلاسفة الجدد» في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ولم يبدأ غلوكسمان مسيرته داخل الأحزاب التقليدية. فقد عمل في الصحافة وصناعة الأفلام الوثائقية، وشارك عام 2004 في إنجاز فيلم «Tuez-les tous!» الذي تناول دور فرنسا في سياق الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا، كما أنجز في العام نفسه عملاً وثائقياً عن الثورة البرتقالية في أوكرانيا.
وانتقل لاحقاً إلى العمل السياسي والاستشاري في فضاء أوروبا الشرقية، إذ عمل بين عامي 2008 و2012 مستشاراً للرئيس الجورجي الأسبق ميخائيل ساكاشفيلي لشؤون الاندماج الأوروبي، وهي تجربة أسهمت في ترسيخ اهتمامه بروسيا وأوكرانيا والأمن الأوروبي، وهي ملفات ظلت لاحقاً جزءاً أساسياً من هويته السياسية.
وبعد عودته إلى فرنسا، عمل كاتباً ومعلقاً وإعلامياً، قبل أن يشارك عام 2018 في تأسيس حركة «بلاس بوبليك» (Place publique)، التي تسعى إلى تمثيل يسار اجتماعي ديمقراطي، بيئي، مؤيد للتكامل الأوروبي ومدافع عن الديمقراطية الليبرالية.
انتخابات 2024 صنعت ثقله السياسي
بدأ الصعود الانتخابي الأبرز لغلوكسمان على المستوى الفرنسي من بوابة البرلمان الأوروبي. فقد قاد في انتخابات 2019 القائمة المشتركة بين الحزب الاشتراكي و«بلاس بوبليك»، وانتُخب نائباً في البرلمان الأوروبي، ثم كرر التجربة في انتخابات يونيو/حزيران 2024.
وفي اقتراع 2024، حصلت قائمته «Réveiller l'Europe» على 13.83% من الأصوات، بما يعادل أكثر من 3.42 ملايين صوت، وحصدت 13 مقعداً، محتلة المركز الثالث على المستوى الفرنسي بفارق محدود عن قائمة المعسكر الرئاسي، بينما تصدر التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا النتائج. وشكلت النتيجة نقطة تحول في مسيرة غلوكسمان ورسخت موقعه أحد أبرز وجوه اليسار غير المنتمي إلى «فرنسا الأبية».
ويشغل غلوكسمان حالياً ولاية ثانية في البرلمان الأوروبي ضمن مجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين. وهو عضو في لجنة الأمن والدفاع وفي وفد البرلمان للعلاقات مع أوكرانيا، كما يشغل موقع العضو البديل في لجنة الشؤون الخارجية ولجنة التجارة الدولية. وكان خلال ولايته السابقة رئيساً للجنة الخاصة بمكافحة التدخل الأجنبي والتضليل في العمليات الديمقراطية الأوروبية.
يسار مؤيد لأوروبا وأوكرانيا
سياسياً، يحاول غلوكسمان احتلال مساحة بين الوسط الماكروني واليسار الراديكالي. فهو ينتقد السياسات الاقتصادية المؤيدة لقطاع الأعمال التي تبناها ماكرون، لكنه يقترب منه في ملفات أساسية تتعلق بالتكامل الأوروبي ودعم أوكرانيا والدفاع عن النظام الديمقراطي الليبرالي. وتصفه «رويترز» بأنه من أبرز السياسيين الفرنسيين المؤيدين لأوروبا وأوكرانيا.
وتقوم رؤيته الأوروبية على تعزيز استقلال القارة وقدرتها على الدفاع عن نفسها، وزيادة الاستثمار المشترك في الصناعات الدفاعية، ومواصلة دعم كييف في مواجهة موسكو. وكان مشروع حزبه للانتخابات الرئاسية قد طرح دفع الاتحاد الأوروبي نحو قدر أكبر من الاندماج، وزيادة ميزانيته، وتمويل دفاع أوروبي مشترك عبر اقتراض أوروبي واسع.
وفي الداخل الفرنسي، يجمع برنامجه بين قضايا العدالة الاجتماعية والتحول البيئي وإعادة التصنيع وتعزيز الخدمات العامة. ومن بين الطروحات التي قدمها سابقاً رفع الحد الأدنى للأجور تدريجياً إلى 1600 يورو صافٍ، وإلغاء إصلاح ماكرون لنظام التقاعد مع إعادة بناء النظام على أسس مختلفة، وربط التحول البيئي باستعادة السيادة الصناعية الفرنسية والأوروبية.
ومع إعلان ترشحه، طرح غلوكسمان أولويات إضافية، بينها جعل «حالة الطوارئ البيئية» محوراً للرئاسة، وزيادة دخول العاملين عبر فرض ضرائب أكبر على أعلى 1% من الميراث، إلى جانب خطة خمسية لدعم المدارس الحكومية تشمل تحسين أجور المدرسين وتقليص أعداد الطلاب في الفصول.
خلاف مفتوح مع ميلانشون
لكن التحدي الأول أمام غلوكسمان قد يأتي من داخل اليسار نفسه. إذ يسعى إلى بناء معسكر اجتماعي ديمقراطي منفصل سياسياً عن جان لوك ميلانشون وحركة «فرنسا الأبية»، رغم أن الأحزاب اليسارية تعاونت في استحقاقات سابقة.
وأعلن خلال مقابلة إعلان الترشح أنه إذا فاز بالانتخابات التمهيدية، فلن يبرم تحالفاً جديداً مع ميلانشون، قائلاً إن على اليسار التوقف عن الخوف منه. وبذلك، لا يقدم غلوكسمان حملته باعتبارها مجرد منافسة مع اليمين واليمين المتطرف، بل باعتبارها أيضاً صراعاً على من يمثل اليسار الفرنسي في انتخابات 2027.
ويعتقد غلوكسمان أن اليسار قادر على بلوغ السلطة إذا نجح في الدفاع عن خط اجتماعي ديمقراطي وأوروبي واضح، بينما يرى خصومه أن انقسام القوى اليسارية بين عدة مرشحين قد يزيد صعوبة الوصول إلى الجولة الثانية.
منافسة صعبة على الإليزيه
ولا يبدأ غلوكسمان السباق من موقع المرشح الأوفر حظاً. فاليمين المتطرف يحتفظ بقاعدة انتخابية أكبر وفق الاستطلاعات الحالية، فيما ينافسه ميلانشون على أصوات اليسار، بالتزامن مع وجود مرشحين محتملين أو معلنين من الوسط واليمين يسعون إلى وراثة الكتلة الانتخابية التي دعمت ماكرون.
لكن رصيد انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024، وموقعه الأوروبي البارز، يمنحانه قاعدة سياسية لم تكن متوافرة له قبل سنوات قليلة. كما أن قرار خوض الانتخابات التمهيدية مع الحزب الاشتراكي يشير إلى أن استراتيجيته تمر أولاً عبر الحصول على شرعية موحدة داخل التيار الاجتماعي الديمقراطي قبل الانتقال إلى المنافسة الوطنية.
وبذلك، يمثل ترشح رافاييل غلوكسمان محاولة لإعادة تأسيس قطب يساري اجتماعي ديمقراطي، بيئي وأوروبي في فرنسا: قطب يرفض اليمين المتطرف، ينافس ميلانشون على قيادة اليسار، وينتقد إرث ماكرون الداخلي مع الاحتفاظ بجزء مهم من توجهه الأوروبي والدولي.
أما قدرة غلوكسمان على تحويل حضوره الأوروبي ونتيجته القوية في انتخابات 2024 إلى قاعدة رئاسية واسعة، فستكون أحد الأسئلة الأساسية في الطريق إلى اقتراع 2027، خصوصاً في ظل السباق الصعب للوصول إلى الجولة الثانية أمام قوة التجمع الوطني وتشتت أصوات الوسط واليسار.
