غيّب الموت، مساء الإثنين 24 أغسطس/آب 2026، الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور عن 79 عامًا، بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تحول خلالها من أحد رواد الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر إلى واحد من أبرز صانعي صورته البصرية في العالم، تاركًا إرثًا فنيًا ارتبط بالأرض والقدس والذاكرة والثوب والزيتون، وبالإنسان الفلسطيني في تحولات حياته وأسئلته الكبرى.
ولم يكن رحيل منصور مجرد فقدان اسم بارز في المشهد التشكيلي، بقدر ما يمثّل غياب فنان ارتبطت بعض أعماله بذاكرة أجيال فلسطينية كاملة، وفي مقدمتها لوحة «جمل المحامل»، التي تجاوزت حدود اللوحة لتصبح واحدة من أكثر الصور حضورًا في الثقافة البصرية الفلسطينية، وتختزل رجلاً فلسطينيًا مثقلًا بحمل مدينة القدس فوق ظهره، في استعارة بصرية للمنفى والصمود والارتباط بالأرض.
وأعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية وفاة منصور، ناعيةً إياه بوصفه أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، وقالت إن تجربته الممتدة على مدى عقود أصبحت جزءًا من «الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية»، مشيرة إلى دوره في تطوير الحركة الفنية الفلسطينية وتعزيز حضورها عربيًا ودوليًا.
«جمل المحامل».. حين أصبحت اللوحة ذاكرة عامة
ظل اسم سليمان منصور مرتبطًا، أكثر من أي عمل آخر، بـ«جمل المحامل». وتؤرخ المراجع الفنية ظهور العمل في مطلع سبعينيات القرن الماضي، مع اختلاف محدود في تحديد سنة النسخة الأولى بين 1973 و1974، قبل أن تنتشر صور اللوحة على نطاق واسع في ملصقات منذ منتصف السبعينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
في اللوحة، ينحني رجل مسن تحت ثقل حمله، بينما تبدو القدس، بقبتها ومبانيها، وكأنها وطن كامل يحمله على ظهره. ومن خلال هذا التكوين، نقل منصور مفهوم الصمود من الخطاب السياسي المجرد إلى صورة إنسانية شديدة البساطة والقوة: جسد ينوء بالحمل لكنه يواصل السير.
ومع مرور السنوات، خرجت «جمل المحامل» من فضاء المعارض إلى البيوت والملصقات والذاكرة الشعبية، بحيث باتت صورتها تُستعاد كلما أريد التعبير بصريًا عن الفلسطيني الذي يحمل مكانه معه، حتى حين يُبعد عنه.
لكن اختزال تجربة منصور في هذه اللوحة وحدها لا يكشف اتساع مشروعه؛ فقد شكّل الزيتون والبرتقال والقرية والمرأة الفلسطينية والتطريز والقدس حقلاً رمزيًا متكررًا في أعماله، وأعاد من خلاله بناء علاقة بين الفن والهوية لا تقوم على التوثيق وحده، بل على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مفردات في ذاكرة جمعية أوسع.
من بيرزيت إلى تأسيس لغة تشكيلية فلسطينية
ولد سليمان منصور في بيرزيت في 27 يوليو/تموز 1947، وعاش جانبًا من طفولته بين بيرزيت وبيت لحم والقدس، قبل أن يدرس الفنون الجميلة في أكاديمية بتسلئيل للفنون في القدس أواخر الستينيات. ومنذ بداية السبعينيات، أخذت تجربته تتبلور بوصفها بحثًا عن لغة فنية قادرة على التعبير عن المكان الفلسطيني بعيدًا عن القوالب الفنية الجاهزة.
وأسهم عام 1973 في تأسيس رابطة الفنانين الفلسطينيين، وتولى لاحقًا مسؤوليات قيادية فيها، في مرحلة كان فيها الفن التشكيلي الفلسطيني يبحث عن مؤسساته وفضاءاته الخاصة، بالتوازي مع تشكّل لغة فنية استندت إلى رموز الأرض والحياة الشعبية والهوية الوطنية.
وبذلك، لم تقتصر مساهمة منصور على إنتاج اللوحات، وإنما شارك في بناء البنية المؤسسية للحركة الفنية نفسها، وهو جانب جعله مؤثرًا في أجيال من الفنانين بقدر تأثير أعماله في الجمهور.
حين أصبح الطين جزءًا من اللوحة
وشهدت تجربة منصور تحولًا لافتًا خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عندما شارك مع الفنانين نبيل عناني وتيسير بركات وفيرا تماري في تجربة «الرؤية الجديدة»، التي اتجه أصحابها إلى استخدام مواد محلية وطبيعية بدلًا من الاعتماد على مستلزمات الفن المستوردة عبر السوق الإسرائيلية.
ومن هنا دخل الطين والحناء والقهوة والجلد وشظايا الفخار ومواد الأرض إلى تجربته بوصفها عناصر تشكيلية في ذاتها، وليس مجرد بدائل تقنية.
وفي أعماله الطينية تحديدًا، أصبح المكان مادة للعمل الفني بالمعنى الحرفي؛ فالأرض التي يرسمها الفنان هي نفسها المادة التي يبني منها الصورة. كما أتاحت التشققات التي تصيب الطين أثناء جفافه لمنصور لغة مختلفة للتعبير عن الزمن والهشاشة والفقد والاستمرار.
وعبر سلسلة أعماله «أنا إسماعيل»، وصل هذا المسار إلى واحدة من أبرز محطاته، إذ مزج بين السرد الديني والأسئلة المتعلقة بالمنفى والأرض والانتماء. ونالت السلسلة الجائزة الكبرى للنيل في بينالي القاهرة السابع عام 1998، وهو العام نفسه الذي حصل فيه على جائزة فلسطين للفنون البصرية.
فنان ومؤسس ومعلّم
إلى جانب تجربته الفنية، شارك منصور عام 1994 في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس، الذي أُنشئ لخدمة الفن الفلسطيني وحفظه وأرشفته، كما كان من أعضاء مجلس التأسيس للأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين، ودرّس في عدد من الجامعات والمؤسسات الثقافية، بينها جامعة القدس.
ووصلت أعماله إلى معارض ومؤسسات فنية في العالم العربي وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة، ودخلت مجموعات فنية بارزة، من بينها مقتنيات المتحف البريطاني وغوغنهايم أبوظبي ومعهد العالم العربي في باريس ومؤسسة بارجيل للفنون.
وحصل منصور عام 2019 على جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية تقديرًا لإسهامه في تقديم الثقافة الفلسطينية والعربية إلى جمهور دولي، لتضاف إلى سلسلة تكريمات رافقت مسيرته الطويلة.
المرأة والزيتون والبرتقال.. مفردات وطن في اللوحة
كانت المرأة الفلسطينية حاضرة بكثافة في عالم منصور؛ مرةً فلاحة، ومرةً أمًا أو جدةً، ومرةً حاملةً للأرض والمدينة. ولم يتعامل معها بوصفها عنصرًا زخرفيًا، بل جعلها أحد أبرز تمثيلات الوطن والاستمرارية والحماية.
وبالمثل، أعطى للبرتقال والزيتون والقرية والثوب المطرز أبعادًا تتجاوز شكلها الواقعي. وتشير موسوعة «متحف: المتحف العربي للفن الحديث» إلى أن البرتقال والزيتون والمرأة والتطريز والحياة القروية شكّلت عناصر مركزية في الأيقونوغرافيا التي طورها منذ سبعينيات القرن الماضي للتعبير عن فلسطين.
وفي هذه المساحة تحديدًا، تبدو خصوصية تجربة منصور: فقد استطاع أن يجعل الرمز الوطني قابلاً للقراءة فنيًا وإنسانيًا في الوقت ذاته، بحيث تستطيع اللوحة أن تنتمي إلى سياق فلسطيني شديد الخصوصية، وأن تخاطب في الوقت نفسه أسئلة أكثر اتساعًا حول الفقد والوطن والمنفى والذاكرة.
حتى أيامه الأخيرة.. الفن في مواجهة محو السردية
وظل منصور حتى أشهره الأخيرة حاضرًا في النقاش الثقافي الفلسطيني. وفي مقابلة أجراها في يافا في يونيو/حزيران الماضي، تحدث عن دور الفنان في مواجهة محاولات طمس الهوية والذاكرة، معتبرًا أن الصراع على السردية سيحتل مساحة متزايدة في المرحلة المقبلة، ومؤكدًا أن «الفن المقاوم سيبقى أحد أهم أدوات الدفاع عنها».
كما تحدث حينها عن علاقته الخاصة بيافا وبرتقالها ونسائها وثيابها الشعبية، وهي مدينة ظلت، مثل القدس والقرى والزيتون، حاضرة في ذاكرته البصرية وفي مفردات أعماله.
ونعت مؤسسات ثقافية وفنية فلسطينية منصور، بينها جمعية الثقافة العربية في حيفا ومسرح السرايا وغاليري المطحنة في يافا، مستعيدةً دوره في صياغة جزء من المخيلة الفلسطينية الحديثة، ليس فقط كرسام، وإنما كفنان رأى في الجمال والانتماء والذاكرة أشكالًا متصلة من فعل البقاء.
وبرحيل سليمان منصور، تفقد الحركة التشكيلية الفلسطينية واحدًا من أبرز روادها ومؤسسيها، لكن الرجل الذي رسم الفلسطيني حاملًا القدس على ظهره يترك وراءه صورًا تجاوزت زمن إنتاجها وأصبحت جزءًا من اللغة التي يرى الفلسطينيون من خلالها أنفسهم وتاريخهم.
يغيب صاحب «جمل المحامل»، ويبقى الحمل في اللوحة: أرضٌ ومدينةٌ وذاكرة، بقي الفن عند سليمان منصور واحدًا من أكثر الطرق قدرةً على حملها من جيل إلى جيل.






