بالصور حين تصبح الطائرة الورقية قضية أمنية.. عمر يصنع لأطفال غزة ما تبقّى من اللعب

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

يجلس عمر حلاوة بين أقمشة الخيمة وأدوات بسيطة جمعها لصناعة طائرة ورقية. يثبت عيدانها الرفيعة، يشد الخيط بعناية، ثم يضيف إليها شرائط خفيفة تساعدها على الاتزان في الهواء. بالنسبة للفتى الفلسطيني ذي الـ14 عامًا، ليست المسألة هواية عابرة؛ فالطائرات التي يصنعها بيديه تتحول سريعًا إلى ألعاب يوزعها على أطفال المخيم، في مكان باتت فيه أبسط وسائل الترفيه قليلة ونادرة.

عمر نفسه يحمل في جسده أثر الحرب. فقد ساقه اليمنى إثر إصابته في غارة إسرائيلية، ويعيش اليوم مع عائلته في مخيم للنازحين بمدينة غزة. وكانت والدته قد قالت في تقرير سابق عن حالته إن ساقه بُترت فوق الركبة، فيما عبّر عمر عن أمله في الحصول على طرف صناعي يمكنه من المشي والعودة إلى لعب كرة القدم مع أصدقائه.

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

لكن في أيام أغسطس/آب الأخيرة، لم تعد الطائرة الورقية التي يصنعها عمر مجرد لعبة معلقة بخيط. فقد وجدت نفسها في قلب سجال أمني وسياسي امتد من مخيمات النزوح في غزة إلى اجتماعات القيادة الإسرائيلية وآلية دولية تشرف على وقف إطلاق النار.

وتظهر صور منشورة لعمر وهو يحمل إحدى طائراته ويسير مستعينًا بعكازين بين خيام النازحين. وفي مشهد يلخص مفارقة الحياة في القطاع، يحاول فتى فقد ساقه خلال الحرب أن يصنع بيديه لأطفال آخرين وسيلة بسيطة للركض واللعب والنظر إلى السماء.

لعبة تحت التحذير

في 25 أغسطس/آب، كان أطفال آخرون في مدينة غزة يصنعون الطائرات الورقية ويطلقونها في الهواء، بينما دفعت التهديدات الإسرائيلية عائلات ومؤسسات محلية إلى مطالبتهم بالتوقف.

ودعت «اللجان الشعبية»، التي تضم ممثلين عن منظمات أهلية وجمعيات تشرف على مخيمات ومراكز إيواء، الآباء إلى منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية، موضحة أن دعوتها جاءت لحماية حياتهم وليس لتقييد حقهم في اللعب. وقال مصدر في حماس لـ«رويترز» إن الخطوة نُسقت مع سلطات الحركة.

وبالنسبة إلى كثير من العائلات، جاء التحذير قاسيًا؛ إذ قالت أم من مدينة غزة لـ«رويترز» إن ابنها، البالغ عشرة أعوام، اعتاد مثل أطفال الحي إطلاق الطائرات كل صيف للتسلية، لكنها لن تسمح له بذلك بعد الآن خشية أن يتعرض للأذى.

وفي اليوم نفسه، تجمع عشرات الأطفال عند ساحل غزة في وقفة رفعوا خلالها طائرات ورقية ولافتات تؤكد حقهم في اللعب، قبل أن يلقي بعضهم طائراته في البحر احتجاجًا على التهديدات الإسرائيلية بالتصعيد.

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

وبالقرب من خيام النازحين، اختار الفنان التشكيلي الفلسطيني أحمد الحلبي وسيلة أخرى للتعبير؛ فرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني. وأراد الحلبي من اللوحة التعبير عن حق الأطفال في الحياة واللعب بعيدًا عن القصف والدمار.

من السماء إلى طاولة السياسة

بدأ الجدل بعدما عُثر خلال الأسابيع الأخيرة على طائرات ورقية قادمة من اتجاه قطاع غزة في مناطق إسرائيلية محاذية للقطاع.

ورغم القلق الذي أثارته لدى سكان تلك المناطق، أفادت تقارير إسرائيلية بأن الطائرات التي جرى فحصها لم تكن تحمل مواد متفجرة. وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية أن طائرات عُثر عليها قرب ناحل عوز وغيرها لم تكن محملة بمتفجرات، فيما نقلت عن جهات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقديرها أن الظاهرة بصورتها الحالية «لا تشكل تهديدًا كبيرًا».

الفنان التشكيلي أحمد الحلبي يرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني، أمام خيمة للنازحين في مدينة غزة،  25 أغسطس/آب 2026.  آخر.( تصوير: بلال أسامة )

ومع ذلك، رفع وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس مستوى التعامل مع الظاهرة، معلنًا أن إسرائيل تعتبر كل عملية إطلاق «عملًا حربيًا»، ومساويًا بين البالونات والطائرات الورقية والطائرات المسيّرة سواء حملت متفجرات أم لم تحملها. كما هددت القيادة الإسرائيلية باستهداف من تعتبرهم مسؤولين عن إطلاقها وإخلاء مناطق في غزة تقول إن عمليات الإطلاق تتم منها.

وتقول إسرائيل إن لديها مخاوف من تكرار تجربة عام 2018، حين استخدمت طائرات ورقية وبالونات تحمل مواد حارقة وتسببت بحرائق في أراضٍ مفتوحة وزراعية. لكن الطائرات التي أثارت الجدل الحالي لم يُبلّغ عن حملها مواد حارقة، بحسب «رويترز» وتقارير إسرائيلية.

وقال مسؤول أمني إسرائيلي إن حماس تشجع سكانًا في القطاع على إطلاق الطائرات بهدف استفزاز إسرائيل، بينما نفت الحركة مسؤوليتها، ووصفت الطائرات بأنها ألعاب يستخدمها أطفال مخيمات النزوح. ولم تعرض المصادر الإسرائيلية التي نشرت هذه التقديرات أدلة علنية تثبت وجود نشاط منظم تقوده حماس لإطلاق الطائرات الحالية.

«مجلس السلام» يدخل على الخط

ووصل الجدل إلى «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة ويشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بعدما تقدمت إسرائيل بشكوى بشأن الطائرات الورقية، وفق مسؤول إسرائيلي تحدث إلى «رويترز».

وقال مسؤول في المجلس إن «النشاط المسلح» في القطاع يجب أن يتوقف، واضعًا إطلاق الطائرات الورقية ضمن هذا التصنيف، ومشيرًا إلى أن الرسالة نُقلت عبر آلية متابعة وقف إطلاق النار. وفي المقابل، أكد أن إسرائيل مطالبة هي الأخرى باحترام الاتفاق، وأن عملياتها العسكرية ينبغي ألا تتجاوز الرد على تهديدات حقيقية ووشيكة.

وهكذا انتقلت الطائرة المصنوعة من أعواد وخيوط وقطع بلاستيكية من أيدي الأطفال إلى قاموس أمني وسياسي أكثر تعقيدًا، فيما أصبحت العائلات أمام معادلة صعبة: لعبة اعتاد أطفالها ممارستها، وخشية من أن يؤدي وصول واحدة منها بفعل الرياح إلى الجانب الآخر إلى رد عسكري.

وقف نار لا يوقف الخوف

تزداد حساسية هذا الجدل في ظل استمرار سقوط ضحايا في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأعلنت وزارة الصحة في غزة، في تقريرها الصادر في 25 أغسطس/آب، أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة تسعة شهداء، بينهم ستة قتلوا حديثًا، إضافة إلى اثنين توفيا متأثرين بإصابتيهما وجثمان جرى انتشاله، إلى جانب 36 مصابًا. وقالت إن عدد الشهداء المسجلين منذ بدء وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول ارتفع إلى 1,296، والإصابات إلى 4,296.

وفي 25 أغسطس أيضًا، أفادت تقارير طبية باستشهاد فلسطيني في غارة إسرائيلية على المواصي في خان يونس، ثم استشهد أربعة آخرين قرب مدرسة تؤوي نازحين في جباليا. وقال الجيش الإسرائيلي في الواقعة الأولى إنه استهدف مسلحًا، ولم يصدر منه تعليق فوري على الضربة الثانية وقت نشر التقرير.

وسط هذه الوقائع، يعود المشهد إلى خيمة عمر.

لا يملك الفتى عمر قرار الحرب ولا وقف إطلاق النار، ولا يشارك في الجدل حول التوصيف الأمني لما يطير في السماء. ما يملكه هو بعض الأعواد والبلاستيك والخيط، ووقت يقضيه في تحويلها إلى طائرات صغيرة ثم منحها لأطفال يعيشون مثله بين الخيام.

لكن الخيط الذي كان يفصل بين اللعبة والخوف أصبح أكثر هشاشة. فالطائرات التي صنعها عمر كي يجد الأطفال شيئًا يلهون به باتت جزءًا من قضية تناقشها الحكومات والمؤسسات الأمنية و«مجلس السلام».

وبالنسبة إلى أطفال غزة، يبقى السؤال أبسط بكثير من كل ذلك: هل يمكن لطائرة ورقية أن تبقى مجرد لعبة؟

تعليق الصورة:

الطفل الفلسطيني عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته في مخيم للنازحين بمدينة غزة، في 23 أغسطس/آب 2026. ويوزع عمر ما يصنعه من طائرات على أطفال المخيم، في وقت تحولت فيه هذه اللعبة البسيطة إلى محور تحذيرات وتهديدات إسرائيلية بالتصعيد.

(صورة: بلال أسامة)

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

الطفل عمر حلاوة (14 عامًا)، الذي فقد ساقه إثر إصابته خلال الحرب، يصنع طائرة ورقية داخل خيمة عائلته بمدينة غزة، 23 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

تعليق الصورة:

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.

(صورة: بلال أسامة)

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 

أطفال فلسطينيون يصنعون ويطيرون الطائرات الورقية في مدينة غزة في 25 أغسطس/آب 2026.(صورة: بلال أسامة)

 


 

 

تعليق صورة :

الفنان التشكيلي أحمد الحلبي يرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني، أمام خيمة للنازحين في مدينة غزة،  25 أغسطس/آب 2026.  آخر.

( تصوير: بلال أسامة )

الفنان التشكيلي أحمد الحلبي يرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني، أمام خيمة للنازحين في مدينة غزة،  25 أغسطس/آب 2026.  آخر.( تصوير: بلال أسامة )

 

الفنان التشكيلي أحمد الحلبي يرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني، أمام خيمة للنازحين في مدينة غزة،  25 أغسطس/آب 2026.  آخر.( تصوير: بلال أسامة )

 

الفنان التشكيلي أحمد الحلبي يرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني، أمام خيمة للنازحين في مدينة غزة،  25 أغسطس/آب 2026.  آخر.( تصوير: بلال أسامة )

 

الفنان التشكيلي أحمد الحلبي يرسم طفلًا يمسك بخيط طائرة ورقية تحمل ألوان العلم الفلسطيني، أمام خيمة للنازحين في مدينة غزة،  25 أغسطس/آب 2026.  آخر.( تصوير: بلال أسامة )

 


 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة