رحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، معتبرا أنه يمثل خطوة مهمة في مسار التقارب الإقليمي ويعكس قدرة دول المنطقة على تحمل دور أكبر في الدفاع عن أمنها.
وجاء الموقف الأميركي بعد نحو عشرة أيام من توقيع قادة الدول الثلاث، في مكة المكرمة في 7 أغسطس/آب، اتفاقا للدفاع المشترك ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، في صيغة تقترب سياسيا من مبدأ الدفاع الجماعي. حسب وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية.
وكتب ترامب، بحسب التصريحات المنشورة عبر منصة "تروث سوشال"، مساء الأحد 16 أغسطس/آب 2026، أنه "سعيد جدا" برؤية السعودية وتركيا وباكستان توقع أخيرا اتفاق مكة للدفاع المشترك، مضيفا أن الاتفاق يظهر، من وجهة نظره، كيف تتقارب دول الشرق الأوسط وكيف يمكن للدول أن تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها.
كما وصف الرئيس الأميركي الاتفاق الثلاثي بأنه "خطوة أولى جريئة وكبيرة ومهمة"، في موقف يحمل دلالة خاصة بالنظر إلى أن الدول الثلاث ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية واسعة مع الولايات المتحدة.
اتفاق دفاع جماعي بين ثلاث قوى إقليمية
وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد وقعوا الاتفاق في مكة، في خطوة تجمع قدرات عسكرية واقتصادية مختلفة لدى الدول الثلاث.
وبحسب "فوكس نيوز" الأميركية، ينص الاتفاق على اعتبار الهجوم على أي من الدول الثلاث هجوما على الجميع، مع توسيع التعاون العسكري والتنسيق السياسي والصناعات الدفاعية. كما أشارت الشبكة إلى أن الاتفاق يثير نقاشا في واشنطن بشأن ما إذا كان يمثل مسارا أمنيا أكثر استقلالا عن الولايات المتحدة أو نموذجا لتقاسم الأعباء بين حلفائها الإقليميين.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن صيغة الدفاع المشترك تشبه تقنيا المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، مع بقاء طبيعة الرد وحجمه محل تشاور بين الأطراف. كما قالت تركيا وباكستان إن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف إيران أو دولة أخرى بصورة محددة.
ترامب يرى «تقاربا».. والقراءة الأميركية ليست واحدة
وتكتسب إشادة ترامب أهمية لأن بعض التحليلات الأميركية كانت قد قرأت اتفاق مكة باعتباره مؤشرا على رغبة القوى الإقليمية في الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية.
ونقلت "فوكس نيوز" عن محللين ومسؤولين سعوديين رؤيتين مختلفتين: الأولى تعتبر الاتفاق وسيلة للتحوط من عدم اليقين بشأن الضمانات الأمنية الأميركية، بينما ترى الثانية أنه لا ينافس الولايات المتحدة بل يمكن أن يخدم مصالحها عبر تقاسم أكبر للأعباء الدفاعية بين شركائها. وأكد مصدر سعودي للشبكة أن واشنطن تبقى الشريك الاستراتيجي الرئيسي للمملكة.
في المقابل، قدم برنامج فريد زكريا على شبكة CNN الأحد قراءة أكثر نقدا، اعتبر فيها الاتفاق نتيجة لتحولات أعمق في تصورات الرياض وأنقرة بشأن الاعتماد على المظلة الأميركية. وهذه قراءة تحليلية وليست موقفا رسميا للإدارة الأميركية، لكنها تعكس حجم النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن الدلالات بعيدة المدى لاتفاق مكة.
أما موقف ترامب المرحب بالاتفاق فيدفع باتجاه قراءة مختلفة، تقوم على أن البيت الأبيض قد يرى في تعزيز القدرات الدفاعية للحلفاء جزءا من إعادة توزيع الأعباء الأمنية وليس بالضرورة تحديا للدور الأميركي.
الاتفاق أبعد من مجرد تعهد سياسي
ولا يقتصر الاتفاق، وفق المعلومات المنشورة، على بند الدفاع الجماعي، إذ يتضمن إنشاء آليات سياسية وعسكرية للتنسيق بين الدول الثلاث، إضافة إلى تدريبات مشتركة في المجالات البرية والجوية والبحرية والسيبرانية.
كما تشمل الخطط التعاون في الطائرات من دون طيار والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير وتصنيع منظومات عسكرية ونقل التكنولوجيا بين الدول الثلاث.
وكانت وكالة "أسوشيتد برس" قد نقلت عن باكستان أن الاتفاق مفتوح مستقبلا أمام دول أخرى، فيما أشار المسؤولون الأتراك إلى إمكان توسيع الإطار الإقليمي، مع طرح مصر باعتبارها إحدى الدول التي يمكن أن تنضم في مرحلة لاحقة.
من الاتفاقات الثنائية إلى مظلة ثلاثية
ويستند اتفاق مكة إلى شبكة سابقة من العلاقات الدفاعية، وفي مقدمتها اتفاق الدفاع المتبادل بين السعودية وباكستان الموقع في سبتمبر/أيلول 2025، قبل أن تتحول الصيغة الجديدة إلى إطار ثلاثي بانضمام تركيا.
وبالنسبة لواشنطن، يجمع الاتفاق ثلاثة شركاء يتمتع كل منهم بثقل مختلف: السعودية بثقلها الاقتصادي والإقليمي، وتركيا بوصفها عضوا في حلف الناتو وصاحبة صناعة دفاعية متنامية، وباكستان بما تملكه من قدرات عسكرية ونووية.
ولهذا يحمل وصف ترامب للاتفاق بأنه "خطوة أولى" دلالة سياسية، إذ قد يشير إلى ترحيبه بتطوير الدول الحليفة ترتيبات دفاعية إقليمية تقلل اعتمادها الكامل على القوات الأميركية، طالما بقيت تلك الترتيبات منسجمة مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
ملف كوريا الجنوبية وإيران
وتزامنت التصريحات المتداولة بشأن اتفاق مكة مع أقوال أخرى منسوبة إلى ترامب تفيد بأنه أصدر تعليمات لوزير الدفاع الأميركي بتقليص حجم المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية بصورة كبيرة.
ويأتي ذلك قبل انطلاق مناورات Ulchi Freedom Shield الأميركية–الكورية الجنوبية، التي كانت سيول وواشنطن قد أعلنتا أنها ستبدأ الاثنين وتستمر 11 يوما، بمشاركة نحو 18 ألف عسكري كوري جنوبي إلى جانب القوات الأميركية.
كما نُسب إلى ترامب قوله إنه سأل رئيس كوريا الجنوبية عما إذا كانت سيول ترغب في الانضمام إلى الولايات المتحدة في جهودها المتعلقة بنزع القدرات النووية الإيرانية، وإن الجانب الكوري أجاب بالرفض.
و يضيف ترحيب ترامب باتفاق مكة بعدا جديدا إلى النقاش بشأن مستقبل الأمن الإقليمي: واشنطن لا تبدو، وفق خطاب الرئيس الأميركي، معارضة لتكتل السعودية وتركيا وباكستان، بل قد تنظر إليه باعتباره نموذجا لدول تمتلك قدرة أكبر على الدفاع عن نفسها وتقاسم الأعباء الأمنية، في منطقة تشهد إعادة تشكيل متسارعة لتحالفاتها وموازين قوتها.
