«قبول قسري» يهز معادلة الوسط الإسرائيلي.. منصور عباس تحت نار الشطب وسيغلوفيتش إلى المقعد الثاني، ونتنياهو يقرّ بـ«نزيف 10 مقاعد»

النائب العربي الإسلامي في الكنيست منصور عباس - يونيو 2022 (أ.ف.ب).jpeg

دخلت الحملة الانتخابية الإسرائيلية، الأربعاء 26 أغسطس/آب 2026، مرحلة أكثر توترًا مع تداخل أزمة رئيس «القائمة العربية الموحدة – راعم» منصور عباس مع محاولاته بناء شراكة انتخابية يهودية–عربية جديدة، بالتوازي مع مؤشرات متزايدة على قلق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من تراجع قوة «الليكود» وتشتت أصوات اليمين.

وفجّرت تصريحات لعباس، قال فيها إن قبول الأحزاب العربية بتعريف إسرائيل باعتبارها «دولة يهودية» لم يكن خيارًا حرًا وإنما شرطًا عمليًا لتجنب شطبها من خوض الانتخابات، هجومًا واسعًا من أحزاب اليمين، وصل إلى مطالب رسمية بمنعه و«راعم» من خوض انتخابات الكنيست المقبلة. وفي الوقت نفسه، مضى عباس خطوة إضافية باتجاه ضم السياسي اليهودي يوآف سيغلوفيتش إلى قائمته في المركز الثاني، في خطوة تقول «راعم» إنها تستهدف بناء شراكة مدنية، بينما يحاول خصومها تحويلها إلى أحد محاور المعركة الانتخابية.

وتأتي العاصفة في وقت كشف فيه تقرير لهيئة البث الإسرائيلية العامة «كان 11» أن نتنياهو نفسه بات أقل اطمئنانًا إلى بعض الاستطلاعات التي تظهر «الليكود» في موقع متقدم، وقال في محادثات مغلقة إن حزبه فقد نحو عشرة مقاعد مقارنة بقوته الحالية، وإنه لا يعرف حتى الآن كيف يمكن استعادتها.

عباس: «اضطررنا إلى القبول»

بدأت الأزمة بعد منشور باللغة العربية لعباس تناول فيه هوية الدولة ورواية النكبة، ونقلت وسائل إعلام عبرية عنه قوله إن العرب «اضطروا» إلى قبول تعريف الدولة كيهودية حتى لا يتم شطب قوائمهم ومنعها من الترشح للكنيست.

وبحسب الترجمة التي نشرتها وسائل الإعلام العبرية، ربط عباس بين قبول شروط المشاركة في النظام البرلماني وبين حقيقة أن تعريف الدولة تقرره الأغلبية اليهودية، مؤكدًا في الوقت نفسه تمسكه بالهوية الفلسطينية وعدم إنكاره للنكبة.

وأعادت التصريحات فتح ملف ظل ملازمًا لعباس منذ دخوله حكومة نفتالي بينيت–يائير لبيد في 2021: هل يمثل مشروعه تحولًا أيديولوجيًا داخل الحركة الإسلامية نحو الاندماج في النظام السياسي الإسرائيلي، أم أنه يقوم على فصل القضايا المدنية اليومية للمواطنين العرب عن الخلاف الوطني بشأن طبيعة الدولة والقضية الفلسطينية؟

هذه المرة، بدا عباس أكثر وضوحًا في رسم هذا الفصل، إذ قدّم القبول بقواعد النظام السياسي باعتباره واقعًا دستوريًا مفروضًا بقوة الأغلبية، لا باعتباره تبنيًا للرواية الأيديولوجية الصهيونية بشأن هوية الدولة.

اليمين يلتقط التصريح.. وملف «الشطب» يعود إلى الواجهة

وسارعت قوى اليمين إلى استثمار التصريحات انتخابيًا.

وأعلنت قائمة «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير أنها ستطالب بشطب عباس من الترشح للكنيست، معتبرة أن حديثه يثبت، من وجهة نظرها، أن الاعتراف السابق بالطابع اليهودي للدولة كان تكتيكيًا وليس موقفًا مبدئيًا.

ووجه الحزب هجومه أيضًا إلى غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، متسائلًا كيف يمكن لهما طرح نفسيهما بديلًا حكوميًا وفي الوقت نفسه إبقاء إمكانية التعاون مع عباس مفتوحة.

وذهب وزير المالية ورئيس «الصهيونية الدينية» بتسلئيل سموتريتش إلى لهجة أشد، متهمًا عباس بإخفاء مواقفه الحقيقية، بينما قال أفيغدور ليبرمان إن تصريحات رئيس «راعم»، في تقديره، أغلقت عمليًا خيار قيام حكومة أقلية تعتمد عليه. كما دعا عوفر فينتر ويوعاز هندل إلى منعه من عضوية الكنيست.

ولم تعد المسألة مجرد تهديد سياسي؛ إذ ذكرت «واللا» أن حزب «نوعام لإسرائيل» تقدم، الأربعاء، بطلب إلى لجنة الانتخابات المركزية لشطب «راعم» وعباس من خوض انتخابات الكنيست الـ26، مستندًا إلى التصريحات الأخيرة.

ومع ذلك، فإن تقديم طلب للشطب لا يعني تلقائيًا منع عباس أو قائمته من خوض الانتخابات، إذ تخضع إجراءات شطب القوائم والمرشحين لمسار قانوني وانتخابي، وتبقى النتيجة مرهونة بقرارات المؤسسات المختصة.

غضب أيضًا داخل معسكر تغيير نتنياهو

لكن الضرر السياسي المحتمل لم يقتصر على اليمين.

فبحسب «إسرائيل هيوم»، أثارت تصريحات عباس استياء شخصيات في ما يسمى «معسكر التغيير» المناهض لنتنياهو، واعتبر بعض مسؤولي المعسكر أنها تضع عراقيل أمام إمكانية تشكيل حكومة تعتمد على «راعم» بعد الانتخابات. ووصف مسؤولون الخطوة، وفق الصحيفة، بأنها أشبه بـ«إطلاق النار داخل المدرعة»، أي الإضرار بالمعسكر من داخله.

وربطت الصحيفة تغير لهجة عباس أيضًا بالمنافسة داخل المجتمع العربي بعد إعادة تشكيل «القائمة المشتركة»، إذ يواجه رئيس «راعم» معادلة انتخابية معقدة: المحافظة على صورته كشريك محتمل في حكومة إسرائيلية من جهة، ومنع خصومه العرب من تصويره باعتباره قد تخلى عن الموقف الوطني الفلسطيني مقابل دخول الائتلاف من جهة أخرى.

وبذلك يجد عباس نفسه أمام ضغط متعاكس: كلما حاول التشديد على هويته ومواقفه الفلسطينية لتقوية وضعه في الشارع العربي، زادت سهولة مهاجمته لدى الناخب اليهودي وشركائه المحتملين في الوسط؛ وكلما اقترب من خطاب الاندماج الحكومي، منح منافسيه العرب مادة لاتهامه بالتنازل السياسي.

وسط العاصفة.. سيغلوفيتش في المركز الثاني

والمفارقة أن الأزمة اندلعت بالتزامن مع تقدم غير مسبوق في المفاوضات بين عباس وعضو الكنيست السابق عن «يش عتيد» يوآف سيغلوفيتش بشأن انضمامه إلى قائمة «راعم».

والتقى الاثنان مجددًا، الأربعاء، وأصدرا بيانًا مشتركًا قالا فيه إنهما ناقشا تفاصيل الخطوة وأهميتها بالنسبة إلى «جميع مواطني الدولة والنسيج اليهودي–العربي»، والحاجة إلى تقديم «بديل سياسي جدير» لليهود والعرب.

وأضافا أنهما سيواصلان دفع الخطوة خلال الأيام المقبلة، واصفين إياها بأنها «شراكة مدنية وقيمية وضرورية».

وكشفت «إسرائيل هيوم» تفاصيل أكثر تقدمًا، وقالت إن التفاهمات الحالية تنص على وضع سيغلوفيتش في المركز الثاني على قائمة «راعم».

لكن اللافت أن الصيغة التي جرى التوصل إليها لا تمنحه، وفق التقرير، وضع «كتلة داخل كتلة»، بل سيكون جزءًا من القائمة نفسها، مع منحه حرية في التعبير عن مواقفه في قضايا الأمن وحقوق الفرد والدين والدولة. وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك يعني أنه لن يستطيع الانشقاق لاحقًا ككتلة مستقلة عن «راعم» من دون موافقة عباس.

وهذه نقطة مهمة في التمييز بين التقارير السابقة والجديدة؛ فالحديث المحدث هو عن حرية تعبير في الملفات المختلف عليها، وليس عن استقلال حزبي كامل داخل القائمة.

ومن المتوقع، بحسب «إسرائيل هيوم»، عقد مؤتمر صحفي مشترك لعباس وسيغلوفيتش مساء السبت لعرض الخطوة، إذا لم تطرأ تغييرات في اللحظات الأخيرة.

وفي حال اكتمل الاتفاق ودخلت «راعم» الكنيست، سيكون سيغلوفيتش أول نائب يهودي منتخب على قائمة الحزب الإسلامي العربي، ما يمنح الخطوة بعدًا رمزيًا يتجاوز حسابات المقعد الثاني.

مشروع «شراكة مدنية» أم مقامرة انتخابية؟

يحاول عباس تقديم ضم سيغلوفيتش بوصفه نموذجًا عمليًا لمشروعه الذي يقوم على التعاون العربي–اليهودي في الملفات المدنية، خصوصًا مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي وتعزيز الخدمات العامة.

لكن التوقيت يفرض على الخطوة عبئًا سياسيًا إضافيًا.

فعباس يحاول، في وقت واحد، إقناع الناخب العربي بأنه لم يتخل عن هويته الفلسطينية، وإقناع الناخب اليهودي وشركائه المحتملين بأن «راعم» تستطيع المشاركة بصورة مستقرة في حكومة إسرائيلية.

ويجسد سيغلوفيتش هذا التناقض بحد ذاته: فهو سياسي يهودي صهيوني شغل منصب نائب وزير الأمن الداخلي، بينما يدخل الآن في قائمة تنتمي إلى الحركة الإسلامية ويؤكد رئيسها في الوقت ذاته أن قبول الطابع اليهودي للدولة فُرض سياسيًا على المواطنين العرب.

ولهذا فإن الخطوة التي أرادها عباس على الأرجح رمزًا لـ«الشراكة المدنية» أصبحت في نظر خصومه اختبارًا أكثر تعقيدًا للسؤال الذي سيلاحقه طوال الحملة: هل يستطيع بناء قائمة عربية–يهودية مشتركة من دون أن يخسر قاعدته العربية أو يصبح عبئًا على شركائه اليهود؟

رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو (Getty Images).jpg


 

وفي المعسكر الآخر.. نتنياهو يعترف بـ«هروب 10 مقاعد»

وبينما تشتعل المواجهة حول عباس، كشفت «كان 11» عن قلق مختلف في قلب معسكر اليمين.

ونقلت هيئة البث عن نتنياهو قوله في محادثات مغلقة جرت مؤخرًا إن نحو عشرة مقاعد «هربت» من «الليكود»، مضيفًا أنه لا يعرف حتى الآن كيفية استعادتها.

وبحسب التقرير، لا يثق نتنياهو بصورة كاملة حتى في الاستطلاعات الأكثر إيجابية بالنسبة إليه، ويعتقد أن الواقع الانتخابي قد يكون أسوأ مما تعكسه بعض الأرقام المنشورة.

كما لم يحسم رئيس «الليكود»، وفق «كان»، الرسالة المركزية التي ستقوم عليها حملته، ويرى أنه إذا لم يحدث تغير في الاتجاه الحالي فقد يخسر الحزب الانتخابات.

ويمثل ظهور حزب «عمخا يسرائيل» الجديد برئاسة العميد احتياط عوفر فينتر أحد أبرز مصادر القلق.

«تأثير فينتر».. أرقام متناقضة وقلق واحد

واللافت أن استطلاعات مساء الأربعاء لم تعط صورة موحدة، بل كشفت مدى سيولة المشهد.

فاستطلاع «واللا» منح «الليكود» 21 مقعدًا، مقابل ستة مقاعد لحزب فينتر، بينما وضع «الصهيونية الدينية» بزعامة سموتريتش تحت نسبة الحسم عند 2.6%.

في المقابل، منح استطلاع i24NEWS الذي أجراه «دايركت بولز» «الليكود» 26 مقعدًا وفينتر ثمانية مقاعد وسموتريتش أربعة، مع وصول معسكر اليمين، إذا احتُسب فينتر ضمنه، إلى 59 مقعدًا.

أما استطلاع «القناة 13» المنشور مساء الأربعاء فوضع «الليكود» عند 19 مقعدًا، فيما لم يتجاوز فينتر نسبة الحسم في ذلك الاستطلاع، وارتفع سموتريتش إلى خمسة مقاعد.

ولا تسمح هذه الفوارق الكبيرة باعتبار أي رقم توقعًا ثابتًا للنتيجة، لكنها تكشف مشكلة استراتيجية حقيقية لنتنياهو: جزء معتبر من أصوات اليمين بات متحركًا بين الليكود وأحزاب يمينية أخرى، وأي قائمة تسقط تحت نسبة الحسم يمكن أن تقلب حسابات تشكيل الحكومة.

نتنياهو بين «احتضان سموتريتش» ومحاولة تطويق فينتر

وبحسب تقارير عبرية، يتركز تحرك نتنياهو حاليًا على منع تشتت أصوات معسكره.

وأفادت i24NEWS بأن رئيس الحكومة يعمل على دفع فينتر وسموتريتش نحو صيغة اتحاد، وبالتوازي يسعى إلى تقريب حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة بن غفير من موشيه فايغلين، بهدف تقليص عدد القوائم التي تنافس على أصوات اليمين.

وتحدث تقرير «كان» كذلك عن نهج يقوم حاليًا على الاقتراب من سموتريتش ومحاولة التأثير على فينتر، مع إدراك نتنياهو أنه قد يضطر، قبيل إغلاق باب تقديم القوائم، إلى ممارسة ضغوط أكبر لإعادة ترتيب المعسكر.

والمعضلة بالنسبة إلى نتنياهو مزدوجة: نجاح فينتر قد يمنع «حرق» أصوات يمينية إذا تجاوز نسبة الحسم، لكنه في الوقت نفسه يسحب مباشرة من قوة «الليكود» ويعزز شريكًا محتملًا ستكون له مطالب سياسية وأمنية مستقلة.

أما إذا بقي سموتريتش أو فينتر قريبين من نسبة الحسم، فإن الخطر يتحول من تراجع «الليكود» إلى احتمال فقدان معسكر نتنياهو آلاف الأصوات التي لا تتحول إلى مقاعد.

معركتان تلتقيان عند سؤال واحد: من يستطيع تشكيل حكومة؟

وهكذا تبدو الضجة حول تصريحات منصور عباس أكبر من سجال لغوي بشأن «يهودية الدولة».

فاليمين يسعى إلى تحويلها إلى أداة لإجبار آيزنكوت وبينيت وغيرهما على إعلان ما إذا كانوا سيشكلون حكومة بدعم «راعم»، بينما يحاول عباس، عبر ضم سيغلوفيتش، تقديم نموذج مضاد يقوم على شراكة عربية–يهودية معلنة لا على مجرد دعم برلماني من الخارج.

في المقابل، يدرك نتنياهو أن مهاجمة عباس وحدها لن تحل المشكلة الأساسية داخل معسكره، حيث يتوزع جزء من جمهوره بين «الليكود» وبن غفير وسموتريتش وفينتر وقوائم يمينية أصغر.

وبذلك تتحول انتخابات 2026 تدريجيًا من مواجهة تقليدية بين «نتنياهو وخصوم نتنياهو» إلى معركتين متداخلتين: معركة على شرعية مشاركة الأحزاب العربية في صناعة الحكومة، ومعركة داخل اليمين نفسه على الأصوات التي يعترف نتنياهو بأنها بدأت تفلت من قبضته.

ووسطهما يحاول منصور عباس تنفيذ واحدة من أكثر مقامراته السياسية جرأة: الدفاع عن روايته الفلسطينية أمام جمهوره العربي، وفي الوقت نفسه وضع سياسي يهودي صهيوني في المركز الثاني على قائمته.

أما نتنياهو، الذي اعتاد الدخول إلى الحملات الانتخابية بوصفه اللاعب الأكثر ثقة بقدرته على قلب الاستطلاعات، فيدخل المرحلة الحالية باعتراف مختلف تسرب من الغرف المغلقة: «هربت منا عشرة مقاعد».

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع لا التصريحات وحدها: هل يتمكن عباس من تحويل «الشراكة المدنية» إلى قوة انتخابية، أم تتحول تصريحاته إلى سلاح ضده؟ وهل يستطيع نتنياهو إعادة تجميع اليمين قبل إغلاق القوائم، أم أن «نزيف المقاعد» الذي يقلقه أصبح بداية تحول أعمق في الخريطة الإسرائيلية؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس