لبنان بين جمود التفاوض وضغط الميدان: واشنطن تعرقل تمديد «اليونيفيل» وحزب الله يرفض «اتفاق الإطار» ويتمسك بالـ1701

علما لبنان وإسرائيل

مصادر دبلوماسية للجزيرة: غالبية أعضاء مجلس الأمن أيدوا الطلب اللبناني بتمديد ولاية «اليونيفيل» باستثناء المندوب الأميركي.. ومراوحة مرتقبة في المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية

تتجه المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية إلى مرحلة جديدة من الجمود والمراوحة، في ظل تعثر المسار التفاوضي، واستمرار التصعيد الميداني في جنوب لبنان، وتزايد الخلافات الداخلية بشأن طبيعة التفاوض وحدوده ونتائجه، بالتوازي مع مؤشرات على تباين بين بيروت وواشنطن بشأن مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

وقالت مصادر دبلوماسية لقناة الجزيرة إن أعضاء مجلس الأمن أبدوا دعماً لطلب لبناني بتمديد ولاية «اليونيفيل»، باستثناء المندوب الأميركي، في وقت لا يزال فيه الوضع الأمني في الجنوب هشاً رغم تراجع مستوى العنف مقارنة بفترات سابقة.

مراوحة حتى الانتخابات الإسرائيلية

وفي السياق السياسي، رجّح مصدر لبناني رفيع للجزيرة أن تستمر حالة المراوحة في المفاوضات مع إسرائيل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وأوضح المصدر، في حديث إلى مدير مكتب الجزيرة في بيروت مازن إبراهيم، أن الجانب الإسرائيلي يتعمد إطالة أمد المفاوضات وتجنب تحقيق تقدم ملموس، سعياً -بحسب تقديره- إلى توفير مكاسب ميدانية وسياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رابطاً هذا السلوك بحسابات الانتخابات الإسرائيلية، وكذلك بانتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

وبحسب المصدر، فإن استمرار النهج الإسرائيلي من شأنه تأخير تنفيذ «اتفاق الإطار» الموقع بين الجانبين، مؤكداً أن لبنان سيواصل الدفاع عن خياراته ومصالحه ضمن المسار التفاوضي.

وأشار إلى أن المسؤولين اللبنانيين يبذلون جهوداً لمنع تدهور الوضع الميداني، ولا سيما في منطقة مرتفعات علي الطاهر، وسط تقديرات بإمكان حصول تصعيد محدود جغرافياً من دون أن يتوسع بالضرورة ليشمل كامل الجنوب.

وقال المصدر إن الجيش اللبناني يواصل أداء مهامه مع الحرص على تجنب الانجرار إلى مواجهة داخلية أو إراقة دماء لبنانية، لافتاً في الوقت نفسه إلى استمرار حالة المراوحة في العلاقة بين الدولة وحزب الله.

وأضاف أن الرئاسة اللبنانية دعت الحزب إلى مقاربة ملف التفاوض مع إسرائيل ونتائجه من ضمن الثوابت الرسمية للدولة، في حين ترى الحكومة، وفق المصدر، أن الحزب يتحرك وفق اعتبارات وأجندات تتجاوز الإطار اللبناني.

ورأى المصدر أنه لا تتوافر أمام لبنان خيارات عملية لكبح سياسات حكومة نتنياهو سوى الاستمرار في المسار التفاوضي، مع بقاء جميع الاحتمالات مفتوحة، وإن كان احتمال أن تبادر بيروت إلى تعليق المفاوضات أو الانسحاب منها لا يزال ضعيفاً.

وعليه، لا تبدو الطريق ممهدة أمام تفاهم قريب مع إسرائيل، في ضوء المواقف الإسرائيلية من جهة، والانقسام اللبناني الداخلي بشأن طبيعة المفاوضات والنتائج الممكنة منها من جهة أخرى.

الحكومة تحت ضغط الداخل والخارج

وتعليقاً على هذه المعطيات، قال الباحث السياسي اللبناني الدكتور علي مراد إن مضمون موقف المسؤول اللبناني لا يحمل تحولاً جوهرياً بقدر ما يعكس محاولة رسم صورة أكثر وضوحاً لموقف الدولة من المفاوضات.

وأوضح مراد، في مداخلة للجزيرة من بيروت، أن الحكومة تسعى من خلال هذه الرسائل إلى الرد على اتهامات داخلية بأنها قدمت تنازلات مجانية لإسرائيل، والتأكيد على أن مسار التفاوض يتأثر بالتحولات الإقليمية والدولية، وبالاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن التشديد على حرص الجيش اللبناني على عدم الانخراط في صدام داخلي.

وأشار أيضاً إلى أن السلطة اللبنانية تحاول معالجة أزمة مرتفعات علي الطاهر من خلال وضع المنطقة تحت مسؤولية الجيش، معتبراً أن هذا الخيار واجه اعتراضاً من حزب الله، بعدما طُرح بصورة جدية في الاتصالات مع الجانب الأميركي.

ويرى مراد أن المشهد الداخلي يقترب من «مرحلة صفرية»، في ظل محدودية الأوراق المتاحة أمام المفاوض الرسمي اللبناني، وعدم امتلاك حزب الله خيارات عسكرية واسعة، فضلاً عن عدم نجاح المسار الإيراني–الأميركي حتى الآن في إنتاج تسوية تنعكس مباشرة على الملف اللبناني.

سجال بشأن مسؤولية حزب الله

في المقابل، انتقد الكاتب والمحلل السياسي خليل نصر الله ما وصفه بمحاولة تحميل حزب الله مسؤولية تعثر المسار، مشيراً إلى أن الحزب لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات مع إسرائيل.

وقال إن الجيش اللبناني هو الذي رفض استلام منطقة علي الطاهر في ظل غياب ضمانات أميركية تحول دون دخول القوات الإسرائيلية إليها، معتبراً أن تصوير المسألة على أنها رفض صادر حصراً عن حزب الله لا يعكس كامل الوقائع من وجهة نظره.

ويأتي ذلك بينما يواصل الرئيس اللبناني جوزيف عون التمسك بخيار التفاوض، باعتباره المسار المتاح لاستعادة الأراضي اللبنانية ونشر الجيش على امتداد الحدود.

وفي المقابل، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير رفع مستوى الجاهزية العملياتية على مختلف الجبهات، من إيران ولبنان إلى قطاع غزة، متحدثاً عن قابلية التصعيد المتزامن على أكثر من جبهة.

مفاوضات روما بلا اختراق

وتفيد التقارير بأن المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية دخلت مرحلة من الجمود بعد رفض تل أبيب توسيع نطاق ما يوصف بـ«المناطق التجريبية»، بالتوازي مع طرح شروط إضافية تتعلق بانتشار الجيش اللبناني، واستمرار مطالبتها بنزع سلاح حزب الله.

وأثارت هذه التطورات مزيداً من التساؤلات بشأن مستقبل «اتفاق الإطار»، كما رفعت منسوب الاعتراض الداخلي اللبناني على المسار التفاوضي.

وكان الطرفان قد عقدا في وقت سابق من الشهر الجاري جولة سابعة من المحادثات في العاصمة الإيطالية روما، من دون تحقيق تقدم ملموس في الملفات المطروحة.

وقال مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام إن التشدد الإسرائيلي بدا مدعوماً من الولايات المتحدة، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان.

ويتزامن الانسداد السياسي مع استمرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في عدد من القرى والبلدات الجنوبية، وسط تقارير عن بقاء قوات إسرائيلية في مناطق داخل الأراضي اللبنانية ووصولها، خلال مراحل من التصعيد، إلى عمق تجاوز عشرة كيلومترات.

وعززت تصريحات السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى الانطباع بوجود تقارب بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، بعدما ربط استمرار العمليات الإسرائيلية بما اعتبره عدم التزام حزب الله بوقف إطلاق النار وتسليم سلاحه.

نعيم قاسم أثناء الخطاب.jpg
 

قاسم: المفاوضات المباشرة «مسار مرفوض»

وفي موقف يعكس اتساع الفجوة بين حزب الله والسلطة اللبنانية بشأن إدارة الصراع مع إسرائيل، جدد الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم رفضه «اتفاق الإطار» والمفاوضات المباشرة، مؤكداً تمسك الحزب باتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 المندرج -بحسب موقفه- تحت سقف القرار الدولي 1701.

وقال قاسم إن المنطقة تمر بمرحلة «إعادة هيكلة تاريخية» لموازين القوى، متهماً الولايات المتحدة بالسعي إلى تعزيز نفوذها الإقليمي وتهيئة الظروف لمشروع «إسرائيل الكبرى»، في مقابل ما وصفه بمحور تقوده إيران وقوى المقاومة لمواجهة مشاريع الاحتلال والتفتيت والوصاية.

ورأى أن العمليات الأميركية والإسرائيلية لم تحقق أهدافها رغم حجم الخسائر البشرية والمادية في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق، معتبراً أن ما وصفه بالتضحيات كان عاملاً أساسياً في تعطيل هذه المشاريع.

انتقاد حاد لأداء السلطة

وصعّد قاسم لهجته تجاه السلطة اللبنانية، معتبراً أنها اختارت مساراً لا يخدم مصالح لبنان وتضحيات اللبنانيين، بعدما انتقلت -وفق تعبيره- من تفاهم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وقال إن هذه المفاوضات لم تؤد إلى وقف لإطلاق النار أو انسحاب إسرائيلي، معتبراً أن استمرار القصف خلالها وبعدها يثبت، من وجهة نظره، عدم جدواها.

ودعا الأمين العام لحزب الله إلى العودة للمفاوضات غير المباشرة، كما هاجم الدور الأميركي قائلاً إن واشنطن لا تصلح وسيطاً بين لبنان وإسرائيل، ودعا إلى البحث عن وسيط آخر.

وأكد أن الحزب لا يسعى إلى الحرب، مستشهداً بموافقته السابقة على اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الذي قال إنه ينص على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وانتشار الجيش اللبناني ضمن إطار القرار 1701.

رفض «المناطق التجريبية» و«لجنة التحقق»

واعتبر قاسم أن الوضع القائم يمثل «عدواناً إسرائيلياً» لا حرباً متبادلة، قائلاً إن إسرائيل تواصل عملياتها رغم التزام حزب الله بالاتفاق من جانبه.

كما رفض ربط وقف العمليات الإسرائيلية بنزع سلاح الحزب، معتبراً أن ملف السلاح سيبقى ذريعة إسرائيلية متجددة لا تنتهي عند سقف محدد.

وفي ما يتعلق بما يعرف بـ«المناطق التجريبية» و«لجنة التحقق»، أعلن قاسم رفض الحزب لأي ترتيبات ناتجة عنهما، ودعا صراحة إلى إسقاط «اتفاق الإطار».

ووصف الاتفاق بأنه «غير شرعي وغير قانوني» وأنه يضر بالسيادة اللبنانية ولا يؤدي إلى استعادة الحقوق، مؤكداً أن الحزب لن يقبل بمرجعية أخرى غير اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 والقرار 1701.

كما شدد على أن حزب الله سيواصل حضوره الميداني والسياسي، بالتوازي مع العمل على ملفات المساعدات الاجتماعية وإعادة الإعمار والترميم.

«اليونيفيل»: 1030 قذيفة خلال أسبوع

ميدانياً، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» تسجيل 1030 قذيفة في جنوب لبنان خلال الفترة الممتدة بين 21 و27 أغسطس/آب، بمعدل يقارب 147 قذيفة يومياً.

وقالت القوة الأممية إن مستوى العنف انخفض مقارنة بما كان عليه في وقت سابق من العام، لكنها حذرت من أن الوضع في الجنوب لا يزال هشاً.

وأضافت أن التداعيات الإنسانية والأمنية للتصعيد لا تزال تثقل كاهل المدنيين، مع تضرر المنازل والمنشآت والبنى التحتية الحيوية، فيما تواجه المجتمعات المحلية صعوبات متزايدة في استعادة حياتها الطبيعية.

مشهد مفتوح على أكثر من احتمال

وبين جمود المفاوضات، واستمرار الضغط العسكري الإسرائيلي، والخلاف الداخلي بشأن شرعية «اتفاق الإطار»، يدخل لبنان مرحلة دقيقة يبدو فيها المساران السياسي والميداني مترابطين أكثر من أي وقت مضى.

فالدولة تتمسك بالتفاوض باعتباره وسيلة لتجنب حرب أوسع واستعادة الأراضي ونشر الجيش، فيما يرى حزب الله أن التفاوض المباشر منح إسرائيل فرصة لمواصلة الضغط من دون تقديم مقابل سياسي أو أمني.

وفي ظل هذا الانقسام، وغياب اختراق في مفاوضات روما، وتصاعد الضغوط المرتبطة بملف سلاح حزب الله ومستقبل «اليونيفيل»، يبقى الجنوب اللبناني أمام معادلة شديدة الهشاشة: تفاوض بلا تقدم حاسم، وتهدئة بلا ضمانات، وتصعيد ميداني يمكن أن يظل محدوداً أو يتحول، تبعاً لحسابات الداخل والإقليم، إلى مواجهة أوسع.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات