أطفال نازحون في مواصي خان يونس يتعلمون التقديم والإخراج، ويحوّلون مساحة بإمكانات بسيطة إلى منصة إعلامية تنقل معاناتهم وأحلامهم وسط الحرب والنزوح
من داخل خيام النزوح في منطقة مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، يحاول أطفال فلسطينيون صناعة مساحة مختلفة عن تفاصيل الحرب والنزوح اليومية؛ استوديو إعلامي متواضع أُنشئ بإمكانات محدودة، لكنه يحمل أصواتاً مثقلة بالكثير من القصص والأسئلة والأحلام.
ويشارك الأطفال في إعداد وتقديم وإخراج برامج تلفزيونية وإذاعية عبر الإنترنت ضمن قناة "طلائع فلسطين"، التي تركز على قضايا أطفال قطاع غزة، ومعاناتهم خلال الحرب، وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، إلى جانب تفاصيل حياتهم اليومية في خيام النزوح.
وفي 31 آب/أغسطس 2026، بدا الأطفال داخل الاستوديو الصغير منشغلين بإعداد البرامج وإدارة الكاميرات والحوارات، بعدما أمضوا أشهراً في التدريب على مهارات التقديم والإخراج وإجراء المقابلات والتعامل مع المعدات الإعلامية.
وتقول الطفلة ميس الكرد، إحدى المشاركات في القناة، إن تجربتها الأولى مع العمل الإعلامي كانت مختلفة تماماً عن واقعها السابق، موضحة أنها لم تكن تعرف، عند بدء التدريب، شيئاً عن الكاميرا أو الميكروفون أو طبيعة العمل داخل الاستوديو.
وبعد أشهر من التدريب، باتت ميس قادرة على تقديم البرامج والمشاركة في صناعة المحتوى الإعلامي، قائلة إن التجربة أتاحت لها فرصة إيصال رسالة أطفال غزة إلى العالم والتعبير عن واقعهم بأصواتهم.

وتختصر الكرد رسالتها بالتأكيد أن أطفال غزة ليسوا مجرد أطفال يقفون في طوابير المياه أو ينتظرون الحصول على الطعام، وإنما لديهم أحلام وطموحات تتجاوز ظروف الحرب والنزوح، مضيفة: "أطفال غزة لهم أحلام تفوق الخيال.. وصوتهم أقوى من صوت القنابل".
من النزوح إلى التقديم والإخراج
ولا يقتصر دور الأطفال المشاركين على الوقوف أمام الكاميرا، إذ يتعلم بعضهم مهارات الإخراج وإدارة البث وإعداد الفواصل والتعامل مع الشاشات، فيما يتولى آخرون تقديم الحوارات والبرامج واستضافة الضيوف.
ويقول الطفل سالم السالمي، أحد المشاركين في المشروع، إنه لم يكن يعرف شيئاً عن الكاميرا قبل انضمامه إلى القناة، لكنه تعلم، خلال ثلاثة أشهر من التدريب، أساسيات العمل الإعلامي، قبل أن يبدأ بتعلم الإخراج باعتباره جزءاً رئيسياً من صناعة البرامج.

وتتنوع البرامج التي يقدمها الأطفال بين الحوارات الاجتماعية والموضوعات المرتبطة بالحياة اليومية داخل الخيام، والحصول على المياه والغذاء، والتعليم، إلى جانب الأحلام والطموحات التي ما زالوا يتمسكون بها رغم قسوة الظروف المحيطة بهم.
تجربة إعلامية تحمل بعداً نفسياً وإنسانياً
وبحسب القائمين على المشروع، خضع الأطفال المشاركون لفترة تدريب تضمنت مهارات الحوار والتقديم وإجراء المقابلات واستضافة الضيوف والعمل داخل الاستوديو وخارجه، بهدف تمكينهم من التعبير عن تجاربهم ونقلها بأصواتهم.
ويشير يوسف خطاب، مدير قناة "طلائع فلسطين"، إلى أن عدداً من الأطفال المشاركين مروا بتجارب قاسية خلال الحرب؛ فمنهم من فقد أحد أفراد أسرته، ومنهم من أصيب، فيما عاش آخرون تجربة النزوح أو انتُشلوا من تحت الأنقاض.

ويوضح خطاب أن المشروع لا يقتصر على التدريب الإعلامي، وإنما يشكل أيضاً مساحة للدعم النفسي والانفعالي والتعافي، ومحاولة لمساعدة الأطفال على تعزيز ثقتهم بأنفسهم والتعبير عن مشاعرهم ومواجهة آثار التجارب القاسية التي عاشوها.
وبين الكاميرات والأسئلة والحوارات، ينتقل الأطفال، بحسب خطاب، من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع الراوي، ليحكوا بأنفسهم ما عاشوه، ويختاروا الطريقة التي يقدمون بها قصصهم وتجاربهم إلى العالم.
استوديو ببطانيات المساعدات
حتى مكان التصوير نفسه يعكس جانباً من واقع الحياة في قطاع غزة.
ففي ظل النقص الحاد في المعدات والمواد، لجأ القائمون على القناة إلى استخدام أدوات ومواد بسيطة لتجهيز الاستوديو، بينها بطانيات وصلت ضمن المساعدات الإنسانية، واستخدمت كعوازل للصوت في ظل عدم توفر مواد العزل المخصصة.
ويقول خطاب إن القائمين على المشروع اضطروا إلى ابتكار بدائل مما هو متاح، نظراً إلى عدم توفر مواد العزل الصوتي المطلوبة، ما دفعهم إلى الاستفادة من البطانيات وبعض المواد الموجودة داخل خيام النزوح لتجهيز مساحة التصوير والتسجيل.
كما تواجه القناة تحدياً آخر يتمثل في النقص الحاد في الكهرباء والطاقة اللازمة لتشغيل المعدات، إذ تعتمد على مصادر محدودة لا تكفي لتوفير احتياجات الاستوديو بصورة مستقرة.
ويشير خطاب إلى أن أزمة الكهرباء ومحدودية الطاقة البديلة، ولا سيما الطاقة الشمسية، إلى جانب نقص المعدات التقنية، تشكل أبرز المعضلات التي تواجه المشروع، إلا أنها لم تمنع الأطفال من مواصلة التدريب وإعداد برامجهم.
«عملنا من لا شيء كل شيء»
وتلخص ميس الكرد تجربة تأسيس القناة والإمكانات المحدودة التي انطلقت منها بعبارة بسيطة: "عملنا من لا شيء كل شيء".
فالاستوديو الذي لم يكن جاهزاً في البداية تحول، بمرور الوقت، إلى مساحة يتعلم داخلها الأطفال لغة الكاميرا والميكروفون والإخراج، ويحاولون من خلالها سرد تفاصيل حياة جيل عاش الحرب والنزوح والفقدان والانتظار الطويل في طوابير المياه والطعام.

وبين خيام النزوح ومعدات التصوير البسيطة، تتحول "طلائع فلسطين" بالنسبة إلى الأطفال المشاركين فيها إلى مساحة لاستعادة جانب من طفولتهم وحقهم في التعبير، وإلى نافذة يحاولون عبرها تقديم صورة أخرى عن أطفال غزة؛ صورة لا تختصرهم في أعداد الضحايا ومشاهد الحرب، بل تقدمهم باعتبارهم أصحاب أصوات وأحلام وطموحات، وقادرين على رواية قصصهم بأنفسهم.
تعليق الصورة:
أطفال فلسطينيون يشاركون في إعداد وتقديم برامج لقناة "طلائع فلسطين" من استوديو متواضع أُقيم داخل خيام النزوح في منطقة مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 31 آب/أغسطس 2026، ضمن مبادرة تتيح لهم التعبير عن معاناتهم وأحلامهم، وتدربهم على مهارات التقديم والإخراج والعمل الإعلامي.
(تصوير: طارق محمد)








