نفذت قوة خاصة تابعة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، بمشاركة الجيش وتحت غطاء جوي كثيف، الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول 2026، عملية داخل منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، انتهت باعتقال معين العرابيد ونقله إلى إسرائيل للتحقيق، فيما أسفرت الغارات وإطلاق النار التي رافقت العملية عن استشهاد أربعة فلسطينيين على الأقل، بينهم أطفال، وإصابة آخرين.
وبينما أعلنت إسرائيل أن العرابيد يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة «حماس» في قطاع غزة، قالت وزارة الداخلية في غزة إنه ضابط في جهاز الأمن الداخلي، ما أبقى موقعه الوظيفي الدقيق موضع تضارب بين الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية. وتصفه رويترز بأنه عضو نافذ في الجهاز الأمني للحركة، دون أن تؤكد بصورة مستقلة المنصب الذي نسبته إليه إسرائيل.
الشاباك يتبنى التنفيذ المباشر
وأظهرت المعلومات التي صدرت بعد ساعات من العملية تطورًا مهمًا مقارنة بالروايات الأولية التي تحدثت عن احتمال مشاركة مجموعات فلسطينية مسلحة مدعومة من إسرائيل في تنفيذها.
ففي بيان مشترك، أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز «الشاباك» أن قوات خاصة تابعة للشاباك هي التي داهمت مبنى في مدينة غزة ونفذت عملية الاعتقال، بينما تولى الجيش وسلاح الجو توفير الإسناد للقوة خلال العملية وانسحابها. ولم تتوافر حتى فجر الأربعاء أدلة مستقلة تثبت مشاركة مجموعات فلسطينية موالية لإسرائيل في الاقتحام المباشر.

وبذلك، أصبحت الرواية الأكثر ثباتًا حتى الآن أن العملية كانت عملية إسرائيلية مباشرة قادها الشاباك بالتنسيق مع القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، وليس عملية نفذتها مجموعات محلية بالوكالة، كما أشارت تقديرات وتقارير أولية خلال الساعات الأولى.
إطلاق نار وغارات مكثفة في منطقة مكتظة
وبدأت الأحداث صباح أمس الثلاثاء في منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، حيث سُمع إطلاق نار كثيف أعقبه تدخل جوي إسرائيلي واسع. وقال شهود لرويترز إن الطائرات الإسرائيلية أطلقت ما لا يقل عن 12 صاروخًا في محيط المنطقة خلال العملية، التي جرت في نطاق مكتظ بالمدنيين والنازحين.
وقال الجيش الإسرائيلي إن سلاح الجو استهدف عدة مواقع في المنطقة بهدف، وفق روايته، «إزالة التهديدات» عن القوة الخاصة، مؤكدًا عدم تسجيل إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية التي شاركت في العملية.
وأفادت مصادر طبية فلسطينية بـاستشهاد أربعة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلان، وإصابة آخرين جراء القصف وإطلاق النار المرتبطين بالعملية. كما أعلنت وزارة الداخلية في غزة استشهاد زوجة العرابيد وإصابة عدد من أبنائه خلال الهجوم.
وبحسب تقارير طبية و محلية، فإن الشهداء الأربعة في منطقة الكتيبة هم: عبد الله أحمد حمودة، وسماح محمد العرابيد، ولمى محمد حبيب، وعبد الله محمود الحية.
وارتفع إجمالي عدد الفلسطينيين الذين استهدوا بنيران إسرائيلية في مناطق مختلفة من قطاع غزة خلال الثلاثاء إلى سبعة وفق أحدث إحصاء أوردته تقارير طبية ومحلية، بعد تسجيل حالتي استشهاد أخريين خارج منطقة العملية، إحداهما للطفلة إسراء الهسي في دير البلح وسط القطاع والأخرى لأحد عناصر الدفاع المدني شمال غزة وهو يوسف حاتم سالم .

العرابيد أُصيب قبل اعتقاله
وأكدت وزارة الداخلية في غزة رسميًا أن المعتقل هو معين أحمد العرابيد، وقالت إنه أصيب أثناء اشتباكه مع القوة الإسرائيلية قبل اعتقاله، وإن زوجته استشهدت وأصيب عدد من أبنائه.
وأضافت الوزارة أن العرابيد كان يؤدي «مهامه المعتادة» في جهاز الأمن الداخلي وقت وقوع العملية، نافية بذلك الرواية الإسرائيلية التي تصفه بأنه رئيس الجهاز في كامل قطاع غزة.
وتتقاطع هذه الرواية مع ما نقلته رويترز بشأن إصابة العرابيد خلال العملية، في حين أكد الجيش الإسرائيلي أنه نُقل بعد اعتقاله إلى داخل إسرائيل لمواصلة التحقيق معه.
إسرائيل: العرابيد كان هدف العملية
وفي المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الجيش و«الشاباك» نفذا ما وصفها بـ«عملية جريئة» لاعتقال مسؤول أمني بارز في «حماس»، ونسب إلى العرابيد دورًا في إخفاء ونقل رهائن إسرائيليين احتجزوا بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فضلًا عن إخفاء قيادات في الحركة والعمل على إعادة بناء قدراتها وتعزيز سيطرتها داخل القطاع.
كما قال الجيش و«الشاباك» إن المعتقل كان يعمل أخيرًا على تعزيز سيطرة «حماس» في شمال القطاع والإعداد لهجمات ضد القوات الإسرائيلية، وهي اتهامات إسرائيلية لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وتشير هذه الرواية إلى أن العرابيد نفسه كان هدفًا مقصودًا للعملية، خلافًا لمصادر فلسطينية قالت في الساعات الأولى إن القوة كانت تستهدف شخصية أمنية أعلى رتبة، وإن اعتقال العرابيد جاء بعد انكشاف العملية.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول فلسطيني قوله إن العملية لم تحقق هدفها الأساسي الذي كان يتعلق بـ«شخصية بارزة» في «حماس»، وإن شخصًا آخر اعتُقل خلالها. إلا أن الرواية الإسرائيلية اللاحقة تقول إن الشاباك استهدف العرابيد بصورة مباشرة، وهو ما يبقي هذه النقطة غير محسومة من مصدر مستقل حتى الآن.
روايات متعارضة بشأن نتائج الاشتباك
كما بقيت نتائج الاشتباك المباشر موضع خلاف.
فمصادر فلسطينية تحدثت عن اكتشاف القوة أثناء تنفيذ العملية والاشتباك معها، وظهرت روايات تحدثت عن إصابة أفراد منها والاستيلاء على أسلحة ومعدات، إلا أن الجيش الإسرائيلي والشاباك نفيا وقوع أي إصابات في صفوف القوة المنفذة. ولم تتوافر حتى الآن جهة مستقلة تؤكد وقوع خسائر إسرائيلية.
وعليه، لا يمكن تثبيت الروايات التي تحدثت عن قتل أو إصابة عناصر من القوة الخاصة أو ضبط عملاء شاركوا في العملية باعتبارها وقائع مؤكدة، في غياب أدلة مستقلة أو تأكيد من مصادر متعددة.
عملية غير اعتيادية داخل عمق مدينة غزة
وتكتسب العملية أهمية أمنية لكونها واحدة من العمليات البرية الخاصة النادرة التي تعلن إسرائيل تنفيذها في عمق منطقة مأهولة تخضع لسيطرة «حماس» في مدينة غزة، بدل الاعتماد على الضربات الجوية وحدها.
كما يلفت تنفيذ العملية إلى اعتماد إسرائيل على عمل استخباراتي ميداني وقوة اعتقال مباشرة مدعومة جوًا لاستهداف شخصيات ترى أن اعتقالها حيّة يحقق قيمة استخباراتية أكبر من اغتيالها.
ولم تكشف إسرائيل رسميًا، حتى فجر الأربعاء، تفاصيل التحضير للعملية أو المدة التي استغرقتها عملية مراقبة العرابيد قبل تنفيذها، فيما أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن «الشاباك» كان يتابع تحركاته قبل اتخاذ قرار باعتقاله.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من روايات أخرى تحدثت عن وجود مركبات للقوة في المنطقة قبل أيام أو استخدامها سيارات مدنية محمّلة بالخضراوات للتمويه، ولذلك تبقى هذه التفاصيل ضمن المعلومات الميدانية غير المؤكدة رسميًا.
«حماس» تتهم إسرائيل بخرق وقف إطلاق النار
من جهتها، أدانت حركة «حماس» العملية والغارات التي رافقتها، واعتبرتها انتهاكًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وقالت إنها تواصلت مع الوسطاء ومع ممثل «مجلس السلام» في غزة نيكولاي ملادينوف، مطالبة بالضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية والالتزام بالاتفاق.
كما اعتبرت وزارة الداخلية في غزة أن العملية تأتي في إطار استهداف الأجهزة الأمنية والشرطية في القطاع، وقالت إن استهداف عناصر الأمن الداخلي والشرطة تصاعد منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
أما إسرائيل فتقول إن عملياتها المحدودة داخل القطاع بعد وقف إطلاق النار تستهدف منع «حماس» وفصائل أخرى من إعادة بناء قدراتها أو تنفيذ هجمات على القوات الإسرائيلية، وتعتبر أن نشاط قواتها يجري ضمن إجراءات «إزالة التهديدات».
وقف إطلاق النار تحت ضغط الانتهاكات المتبادلة
وكان اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم أميركيًا، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قد أوقف العمليات العسكرية واسعة النطاق في غزة، لكنه لم ينهِ الغارات والاشتباكات بصورة كاملة.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 1,326 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قتلوا في هجمات خلال الفترة نفسها، وفق أحدث حصيلة.
وتضع عملية الكتيبة اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار جديد، ليس فقط بسبب حجم الإسناد الجوي الذي رافقها وسقوط ضحايا مدنيين، وإنما لأنها تكشف استمرار تنفيذ عمليات استخباراتية وبرية داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، بالتوازي مع خلاف جوهري بين إسرائيل و«حماس» حول نزع السلاح، ومستقبل انتشار القوات الإسرائيلية، وشكل إدارة القطاع في المرحلة المقبلة.
وفي المحصلة، فإن الثابت حتى فجر الأربعاء هو أن قوة خاصة من الشاباك نفذت عملية داخل مدينة غزة واعتقلت معين العرابيد بعد إصابته ونقلته إلى إسرائيل، بينما استشهد أربعة فلسطينيين على الأقل في القصف وإطلاق النار المصاحب للعملية. أما موقع العرابيد الدقيق في الهرم الأمني لـ«حماس»، وما إذا كان هو الهدف الأصلي الوحيد للعملية، وما تردد بشأن خسائر في القوة الإسرائيلية أو مشاركة مجموعات فلسطينية مسلحة في تنفيذ الاقتحام، فتبقى نقاطًا محل تضارب ولم تحسمها مصادر مستقلة حتى الآن.


















