كشف رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت، في كتابه الجديد «أريزونا كلّنا» (אריזונה כולנו)، تفاصيل جديدة عن عملية اغتيال العميد السوري محمد سليمان، المستشار الأمني والعسكري المقرب من الرئيس السوري السابق بشار الأسد، والذي قُتل برصاص قناصة في مدينة طرطوس الساحلية في الأول من آب/ أغسطس 2008.
ويشكّل ما أورده أولمرت تطورًا لافتًا في الرواية الإسرائيلية بشأن العملية؛ إذ ظلت إسرائيل طوال نحو 18 عامًا تتجنب تبنّي اغتيال سليمان رسميًا، وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناول مسؤوليته عن مقتله استنادًا إلى «مصادر أجنبية» وتقارير استخباراتية مسرّبة. ويشير وصف الكتاب الصادر عن دار «يديعوت سفاريم» إلى أنه يتضمن «كشوفًا لم يكن من الممكن نشرها إلا الآن»، ومن بينها تفاصيل عملية اغتيال محمد سليمان، ما يمثل عمليًا أول رواية مباشرة ينشرها رئيس الحكومة الذي كان في موقع اتخاذ القرار وقت تنفيذ العملية.

وبحسب التعريف الرسمي بالكتاب في منصات الكتب الإسرائيلية، يكشف أولمرت تفاصيل تعقب القيادي العسكري في حزب الله عماد مغنية واغتياله في دمشق، إلى جانب «العملية لاغتيال محمد سليمان، الذراع اليمنى للرئيس الأسد، والمسؤول عن إقامة المفاعل السوري». وكان أولمرت رئيسًا للحكومة عند تدمير إسرائيل منشأة الكُبر النووية في دير الزور في أيلول/ سبتمبر 2007، وكذلك عند اغتيال مغنية وسليمان في العام التالي.
وتصف المصادر الإسرائيلية سليمان بأنه أحد أكثر الشخصيات قربًا من الأسد، وتقول إنه تولى ملفات عسكرية واستخباراتية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي السوري والعلاقات العسكرية مع إيران وحزب الله ونقل الأسلحة إلى الحزب. وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد ذكرت فور مقتله عام 2008 أنه كان مستشارًا أمنيًا بارزًا للأسد وضابط الاتصال بين دمشق وحزب الله، قبل أن تكشف وثيقة استخبارات أميركية مسرّبة عام 2015 أن عملية قتله نُسبت إلى عناصر من وحدة الكوماندوس البحري الإسرائيلية «شاييطت 13».
فرصة لقتل سليمان قبل اغتياله في طرطوس
وكان محمد سليمان قد وجد نفسه، قبل اغتياله بنحو ستة أشهر، في قلب عملية إسرائيلية أميركية مشتركة استهدفت عماد مغنية في حي كفرسوسة بدمشق ليلة 12 شباط/ فبراير 2008.
ووفق رواية موثقة لاحقًا بشأن العملية، وصل مغنية إلى موقع اللقاء برفقة محمد سليمان وقائد «فيلق القدس» الإيراني آنذاك قاسم سليماني، ما أتاح لإسرائيل فرصة لقتل الرجال الثلاثة دفعة واحدة. إلا أن التعليمات العملياتية والاتفاق مع الجانب الأميركي كانا يجيزان استهداف مغنية وحده، ولذلك لم يُقتل سليمان أو قاسم سليماني في تلك الليلة.
وبهذا المعنى، فإن سليمان لم يكن هدفًا لـ«محاولة اغتيال فاشلة» بالمعنى الدقيق، لكنه كان داخل نطاق عملية كان يمكن أن تنتهي بمقتله لولا القرار السياسي والعملياتي بحصر الاستهداف في مغنية. وكانت القناة الإسرائيلية «N12» قد كشفت لاحقًا أن القيادة الإسرائيلية امتلكت بالفعل عام 2008 القدرة على قتل قاسم سليماني، لكنها امتنعت عن ذلك لأسباب سياسية، مشيرة إلى أن اغتيالي مغنية ومحمد سليمان وقعا خلال ولاية أولمرت.
«رئيس أركان الظل» للأسد وحلقة الوصل مع إيران وحزب الله
وتصف تقارير إسرائيلية محمد سليمان بأنه كان بمثابة «رئيس أركان الظل» في نظام الأسد، وبأنه تولى متابعة البرنامج النووي السوري السري، فضلًا عن دوره في التنسيق العسكري بين دمشق وطهران وحزب الله.
كما ذكرت «يديعوت أحرونوت» في تقارير سابقة أن سليمان وعماد مغنية كانا مسؤولين عن متابعة مشاريع تطوير وتسليح مرتبطة بمحور سوريا–إيران–حزب الله، فيما وصف تقرير لصحيفة «إسرائيل هيوم» سليمان بأنه الذراع الرئيسية لقاسم سليماني في الساحة السورية خلال تلك المرحلة.
وقُتل سليمان في الأول من آب/ أغسطس 2008 أثناء وجوده في منزله الساحلي قرب طرطوس، في عملية نُسبت على مدى سنوات إلى إسرائيل. وكشفت وثيقة صادرة عن وكالة الأمن القومي الأميركية «NSA»، ونشرت عام 2015، أن عناصر من الكوماندوس البحري الإسرائيلي نفذوا عملية الاغتيال، بعدما اقتربوا من الساحل السوري وقتلوه بالرصاص ثم انسحبوا بحرًا. وظلت إسرائيل، رغم تلك التسريبات وتقارير صحفية إسرائيلية وأجنبية متعددة، تتجنب إعلان مسؤوليتها بصورة مباشرة.

ويأتي كتاب أولمرت الجديد ليزيل جانبًا من الغموض الرسمي الذي أحاط بالعملية؛ إذ لا يكتفي بالإشارة إلى اغتيال سليمان بوصفه عملية «منسوبة إلى إسرائيل»، بل يدرجه ضمن العمليات السرية التي يتناولها من موقعه كرئيس للحكومة الإسرائيلية في تلك الفترة، إلى جانب تدمير مفاعل الكُبر واغتيال عماد مغنية.
وكانت «يديعوت أحرونوت» قد أشارت، في عرض حديث للكتاب، إلى أن «أريزونا كلّنا» يروي من منظور أولمرت عملية تدمير المفاعل السوري والقرارات الأمنية التي أحاطت بها، في وقت يؤكد وصف الكتاب أنه يتضمن تفاصيل أمنية «لم يُسمح بنشرها إلا الآن»، ومن بينها عملية اغتيال محمد سليمان.

